حب في زمن الحرب الجزء الثالث

بوادرُ التغييرِ ونذرُ الاختبار

بقلم فاطمة النجار

بعدَ الرسالةِ التي أرسلتْها لينا إلى فارس، والتي حملتْ بينَ طياتِها أسئلةً مُوجعةً وشكوكاً عميقة، سادَ بينَهما صمتٌ مُريب. لم تصلْ أيُّ ردٍّ منْ فارس، ولم يُبادرْ هوَ بالاتصالِ بها. كانَ هذا الصمتُ أقسى منْ أيِّ كلام، فقدْ زرعَ في قلبِ لينا بذرةَ شكٍّ باتتْ تنمو وتتغلغلُ في أعماقِها.

في هذهِ الأثناء، كانتْ الأمورُ في منزلِ السيدِ أحمدَ تسيرُ على قدمٍ وساقٍ نحوَ ترتيباتٍ لم تُخبرْ بها لينا. كانَ السيدُ أحمدُ قدْ بالفعلِ اتخذَ قراراً لا رجعةَ فيه، وكانَ يعملُ على إتمامِ خطبةٍ لابنِهِ منْ ابنةِ إحدى العائلاتِ المرموقةِ في المدينة. كانتْ عائلةُ السيدةِ ريم، الفتاةِ التي اختارها السيدُ أحمد، تُشبهُ عائلتَهُ منْ حيثُ المكانةِ الاجتماعيةِ والثراء، بل ربّما تفوقُها في بعضِ الجوانب. السيدةُ ريم، ذاتُ الشعرِ الأسودِ الداكنِ والعينينِ اللوزيتينِ الباهرتين، كانتْ تُعرفُ بذكائِها الحادّ، وبطموحِها العالي، وبقدرتِها على التأثيرِ فيمنْ حولَها.

لم يكنْ فارسُ سعيداً بهذهِ الخطبةِ المرتّبة. كانَ يشعرُ بأنّ أباهُ يُجبرُهُ على طريقٍ لا يريدُهُ، وأنّهُ يُحاولُ أنْ يمحوَ منْ حياتِهِ كلَّ ما يُذكّرُهُ بلينا. حاولَ أنْ يُقنعَ أباهُ، لكنّ السيدَ أحمدَ كانَ أشدَّ منْ الحديد. "يا فارس،" قالَ لهُ بحزمٍ وهوَ يُرتّبُ أوراقَ الخطبة، "لقدْ حانَ الوقتُ لتُثبتَ أنكَ رجلٌ مسؤول. هذهِ الفتاةُ، ريم، ستكونُ زوجةً مثاليةً لك. ستُساعدُكَ في أعمالِكَ، وستُشرّفُ عائلتَنا. أما لينا، فهيَ مجرّدُ ذكرى جميلةٍ ستتلاشى معَ الوقت."

كانتْ كلماتُ أبيهِ كطعنةٍ في قلبِ فارس. لكنّهُ، وفي نفسِ الوقت، كانَ يشعرُ بمسؤوليةٍ غريبةٍ تجاهَ هذهِ الخطبة. هلْ كانَ يخشى أنْ يُخسرَ كلَّ شيءٍ إذا عارضَ أباهُ؟ هلْ كانَ يرى في هذهِ الخطبةِ مخرجاً منْ الضغوطِ التي يُعاني منها؟

في يومٍ منْ الأيام، زارتْ السيدةُ عائشةُ لينا، وصوتُها مُثقلٌ بالحزن. "لينا يا ابنتي،" قالتْ وهيَ تُمسكُ بيدِها، "أعتذرُ عنْ كلِّ ما يحدث. زوجي، السيدُ أحمد، قدْ اتخذَ قراراً نهائياً. لقدْ عقدَ الخطبةَ لفارسَ على ابنةِ عائلةٍ كبيرة. لا أستطيعُ أنْ أفعلَ شيئاً. أتمنى أنْ تُسامحيني."

لم تنبسْ لينا ببنتِ شفة. كانتْ الكلماتُ تتجمّدُ في حلقِها، وعيناها تمتلئانِ بالدموعِ التي حاولتْ جاهدةً أنْ تُخفيها. كانَ الأمرُ أسوأَ مما كانتْ تتخيل. لم تكنْ مجرّدَ شكوك، بل كانتْ حقيقةً مُرّة.

في تلكَ اللحظة، شعرتْ لينا بشيءٍ غريبٍ يتغيّرُ بداخلِها. لم يعدْ الأمرُ حبّاً مُتعثّراً، بل تحوّلَ إلى جرحٍ عميقٍ غيّرَ مسارَ حياتِها. أدركتْ أنّ فارسَ لم يكُنْ فقطْ ضعيفاً، بل ربّما كانَ مُتلاعباً، أوْ أنّهُ سمحَ لنفسِهِ أنْ يتلاعبَ بهِ الآخرون.

قرّرتْ لينا أنْ تُغيّرَ مسارَها. لم تعدْ الفتاةَ الهادئةَ التي تنتظرُ حبيبَها. أصبحتْ امرأةً تُدركُ قيمةَ نفسها، وتُدركُ أنّ الحبَّ الحقيقيَّ يجبُ أنْ يُبنى على الصدقِ والوفاءِ، لا على الوعودِ الزائفةِ والمصالحِ الدنيوية.

بدأتْ لينا تُركّزُ على تطويرِ ذاتِها. انضمّتْ إلى دوراتٍ لتعليمِ الحياكةِ والتطريزِ، بدأتْ تُشاركُ في أعمالِ تطوعيةٍ في المسجدِ معَ نساءِ الحيِّ، وبدأتْ تُقوّي علاقاتِها بعائلتِها وصديقاتِها. كانتْ تُشعرُ بأنّ هذا الانشغالَ بالأعمالِ النافعةِ يُشفي جراحَها، ويُعيدُ إليها قوتَها.

أما فارس، فقدْ بدأَ يشعرُ بثقلِ ما فعلَ. كلّما رأى لينا، أوْ سمعَ عنها، كانَ يشعرُ بوخزةِ ضميرٍ تُذكّرُهُ بما خسره. لم يستطعْ أنْ ينساها، ولم يستطعْ أنْ يُحبَّ خطيبتَهُ ريم. كانتْ ريمُ جميلةً، ذكيةً، ومُثقفةً، لكنّها لم تحملْ في قلبِها ذلكَ النقاءَ والبراءةَ التي كانتْ في لينا.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانَ فارسُ جالساً في مكتبِ أبيه، ينظرُ إلى صورِ العائلةِ القديمة، توقّفَ عندَ صورةٍ لهُ معَ لينا، صورةٌ التقطتْ لهما في حديقةِ المنزلِ القديم. بدا في الصورةِ سعيداً، مُتعلقاً بها. تنهّدَ بحسرة.

"يا أبي،" قالَ فارسُ لوالدهِ الذي كانَ يُرتّبُ بعضَ الأوراق، "هلْ أنتَ حقاً سعيدٌ بهذهِ الخطبة؟"

نظرَ السيدُ أحمدُ إلى ابنِهِ باستغراب. "بكلِّ تأكيد. إنّها صفقةٌ رائعةٌ لكَ."

"لكنّني لستُ سعيداً. أنا أشعرُ بأنّني أخسرُ شيئاً ثميناً."

ضحكَ السيدُ أحمدُ بتهكّم. "يا بني، أنتَ تبيعُ الوهمَ لنفسِكَ. الحبُّ شيءٌ، والزواجُ شيءٌ آخر. الزواجُ شراكةٌ، ومصالح، ومستقبل."

تنهّدَ فارسُ. لم يستطعْ أنْ يُقنعَ أباهُ. أدركَ أنَّهُ أصبحَ أسيرَ أقدارٍ نسجتْها لهُ ظروفُه، وأنّ حبّهُ للينا، وإنْ كانَ صادقاً، لم يكُنْ كافياً لتجاوزِ كلِّ العقبات.

وفي غضونِ ذلك، كانتْ ريمُ، خطيبةُ فارس، تُظهرُ بذكائِها وقدرتِها على التأثيرِ، أنّها لم تكنْ مجرّدَ فتاةٍ جميلة، بل كانتْ امرأةً ذاتَ طموحاتٍ وأهداف. بدأتْ تُشاركُ فارسَ في بعضِ شؤونِ عملِهِ، تُقدّمُ لهُ نصائحَ ذكيةً، وتُظهرُ اهتماماً بالغاً بمستقبلِهِ. كانتْ تُدركُ أنّ فارسَ ليسَ سعيداً، لكنّها كانتْ تُراهنُ على الزمنِ وعلى قوتِها في السيطرةِ على مجرياتِ الأمور.

في أحدِ الأيام، وبينما كانَ فارسُ في مكتبِهِ، وصلتْهُ رسالةٌ مُغلفةٌ بورقٍ أبيض. فتحَها، فوجدَ فيها ورقةً واحدةً، مكتوبٌ عليها بكلماتٍ قليلةٍ وبخطٍ أنيق: "أنا لا أُحبّ أنْ أكونَ شيئاً يملكهُ أحد. أنا أُحبّ أنْ أكونَ شريكة. أتمنى لكَ السعادةَ في اختيارِكَ."

عرفَ فارسُ على الفورِ أنّها رسالةُ لينا. شعرَ بوخزةٍ في قلبِهِ. كانتْ كلماتها تُذكّرُهُ بحقيقةِ الأمر، حقيقةِ أنّهُ لم يُقدّرْها حقّاً. لقدْ كانتْ حقاً تبحثُ عنْ شريك، لا عنْ مالك.

تلكَ الرسالةُ كانتْ بدايةً لتغييرٍ عميقٍ في نفسِ فارس. بدأَ يُدركُ خطأهُ، وبدأَ يشعرُ بوطأةِ الاختياراتِ التي اتخذها. بدأتْ نذرُ الاختبارِ تلوحُ في الأفق، اختبارٌ سيكونُ عليهِ أنْ يُثبتَ فيهِ ما إذا كانَ قادراً على تغييرِ مسارِهِ، وعلى استعادةِ ما فقدهُ، وعلى فهمِ معنى الحبِّ الحقيقيّ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%