أحلام الحب الجزء الثاني
مفترق الطرق ونهاية الأوهام
بقلم فاطمة النجار
انطلق عبد الرحمن بسيارته، والظلام يحيط به من كل جانب. الوجهة التي وصلت في رسالة الهاتف كانت منطقة مهجورة على أطراف المدينة، مكان لم يسبق له أن زاره. كل خطوة كان يخطوها، كانت تزيد من توتره. تذكر كلماته لندى، ووعده بأن يعود. كان هذا الوعد هو شعلة الأمل الوحيدة في هذا الظلام الحالك.
وصل إلى المكان المحدد. كان مبنى قديماً، مهجوراً، نوافذه مكسورة، وأبوابه متداعية. توقف بسيارته، ونزل منها بحذر. صوت الرياح كان يئن بين أروقة المبنى، وكأنه يطلق صرخات الماضي.
دخل عبد الرحمن المبنى، ممسكاً بمصباح يدوي صغير. الضوء الخافت يكشف عن بقايا أثاث قديم، وغبار كثيف. كان المكان يوحي بالفزع، وكأنه مسرح لجريمة قديمة. "هل أنت هنا؟" نادى بصوت عالٍ، ولكنه سرعان ما شعر بصدى صوته يرتد عليه، ولا يأتي أي رد.
تقدم نحو الداخل، يسير بحذر. كل خطوة كانت محسوبة. رأى طاولتين في وسط الغرفة الرئيسية، وفوقهما صندوق خشبي قديم. هل هذا هو الصندوق؟ مد يده ليلمسه، ولكنه سمع صوتاً خلفه. "لا تلمسه!"
استدار عبد الرحمن بسرعة. رجل ضخم، وجهه مخفي في الظلام، يقف خلفه. "من أنت؟" سأل عبد الرحمن، يشعر بأن قلبه قد توقف. "أنا هنا لأمنعك من فعل ما لا يجب عليك فعله." قال الرجل بصوت عميق، وتهديد. "ماذا يعني هذا؟ هل أنت من أرسل الرسالة؟" "نعم. وأنا هنا لأتأكد من أنك لن تكشف الأسرار التي يجب أن تبقى مدفونة." "ولكن، هذا الصندوق... هل هو لوالدي؟" "والدك، نعم. ولكنه لم يكن وحده. كان لديه شركاء. شركاء لا يريدون أن تظهر الحقيقة." "وما هي الحقيقة؟" "الحقيقة التي قد تدمر سمعة الكثيرين. الحقيقة التي قد تجلب لك المتاعب." "ولكن، إذا كان والدي بريئاً، فيجب أن يعرف الجميع ذلك." "والدك لم يكن بريئاً تماماً. لقد تورط في أشياء لم يكن يجب عليه فعلها. ولكن، لم يكن هو الوحيد. وكان هناك من استغله." "من هم هؤلاء الأشخاص؟" "أشخاص أقوياء، ولديهم نفوذ. وأنا واحد منهم." شعر عبد الرحمن بأن الدنيا تدور به. "إذاً، أنت من تهددني؟ أنت من هدد أبو سامي؟" "نعم. ولكن، ربما هناك فرصة. يمكنك أن تعيش حياة طبيعية. يمكنك أن تتزوج، وتنسى كل هذا. إذا سلمتني الصندوق، وسنسامحك على كل شيء." "تسلمك الصندوق؟ بعد كل هذا؟ بعد أن عرفت الحقيقة؟" "الحقيقة ليست دائماً أفضل شيء يا شاب." "ولكنها العدالة." "العدالة شيء آخر. والآن، سلمني الصندوق."
تقدم الرجل نحو الصندوق، محاولاً أخذه. شعر عبد الرحمن بأن الغضب قد طغى على خوفه. لقد حان وقت المواجهة. "لا!" صرخ عبد الرحمن، وأمسك بالصندوق بقوة. "هذا ملكي. وسأعرف ما بداخله." بدأت معركة عنيفة. الرجل كان قوياً، ولكنه لم يتوقع رد فعل عبد الرحمن. كان عبد الرحمن مدفوعاً بالغضب، وبالحب لندى، ولعائلته.
في تلك الأثناء، كانت ندى لا تزال في المنزل، تنتظر. لم تستطع الصبر. شعرت بأن شيئاً ما قد حدث. أخذت مفاتيح سيارتها، وانطلقت نحو العنوان الذي أعطاه عبد الرحمن.
وصلت ندى إلى المبنى المهجور. سمعت أصوات شجار وصراخ. اقتحمت المبنى، ورأت عبد الرحمن يصارع الرجل. "عبد الرحمن!" صرخت ندى، وقد رأت الخطر.
تفاجأ الرجل بظهور ندى. استغل عبد الرحمن هذه اللحظة، وأمسك بقطعة حديد ملقاة على الأرض، وضرب بها الرجل بقوة. سقط الرجل على الأرض، فاقداً الوعي.
ركضت ندى نحو عبد الرحمن، واحتضنته بقوة. "هل أنت بخير؟" "نعم يا حبيبتي. أنا بخير." نظر عبد الرحمن إلى الصندوق، ثم إلى الرجل الفاقد الوعي. لقد كشف جزءاً من الحقيقة. ولكن، ما زال هناك الكثير.
أخرج عبد الرحمن هاتفه، واتصل بالشرطة. "أريد الإبلاغ عن حادثة خطيرة. في مبنى مهجور، في منطقة كذا وكذا. تم العثور على رجل متورط في جريمة."
بعد وصول الشرطة، تم القبض على الرجل، وتم فتح الصندوق. لم يكن بداخله كنوز مالية، بل أوراق قديمة، وسجلات، وخطابات. كانت هذه الأوراق تكشف عن تفاصيل قضية اختلاس كبيرة، تورط فيها والد عبد الرحمن، وشركاء آخرون. ولكن، كانت هناك أيضاً خطابات من والد عبد الرحمن إلى والدته، يشرح فيها أنه كان مجبراً على فعل ذلك، وأنه كان يحاول حماية عائلته من أشخاص أقوياء.
شعر عبد الرحمن بالراحة. لقد عرف الحقيقة. لم يكن والده مجرماً تماماً، ولكنه كان ضحية أيضاً.
عاد عبد الرحمن وندى إلى منزلهما، وقد استنفدت طاقتهما، ولكن قلوبهما كانت مليئة بالأمل. لقد واجها الظلام، وتجاوزا الأوهام.
"ماذا سنفعل الآن؟" سألت ندى. "سنكشف الحقيقة، يا ندى. سننصف والدي. وسنعيش حياتنا بحرية." ابتسمت ندى. "نعم يا عبد الرحمن. سنعيش حياتنا بحب، وبإيمان." نظرا إلى بعضهما البعض، وقد أشرقت عيونهما بالأمل. كانت هذه هي بداية فصل جديد في حياتهما، فصل مبني على الصدق، والحب، والإيمان.