أحلام الحب الجزء الثاني
نداء الواجب
بقلم فاطمة النجار
مرت أسابيعٌ أخرى، ولكن الأجواء لم تهدأ. كانت أخبار عائلة أحمد تصل إلى ليلى بشكلٍ متقطع، وغالبًا ما كانت تحمل المزيد من التعقيدات. يبدو أن أخاه الأكبر، واسمه "سامي"، كان غارقًا في الديون، وكان يهدد عائلته بالابتزاز. كانت السيدة فاطمة، والدة أحمد، في حالةٍ يرثى لها، تقضي أيامها في الدعاء والاجتهاد لتغطية بعض هذه الديون، بينما كان أحمد يحاول جاهداً إيجاد حلولٍ جذرية، غالبًا ما كانت على حساب وقته وراحته.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تساعد والدتها في تحضير طعامٍ للعشاء، طرق الباب بقوة. فتحت والدتها لتجد على الباب رجلاً غريبًا، يرتدي ملابس تبدو باهظة، وعيناه تحملان نظرةً حادة.
"هل أنتِ والدة ليلى؟" سأل الرجل بصوتٍ خشن.
"نعم، أنا هي. ماذا تريد؟"
"أنا هنا بخصوص ابنكم أحمد. سمعت أنكم تنوون الارتباط به. أود أن أحذركم."
تجمدت ليلى في مكانها. "تحذرنا؟ من أنت؟"
"اسمي... لا يهم. المهم أن أحمد مدينٌ لي بالكثير. وإذا لم يسدد ما عليه، فسيجد نفسه في ورطةٍ كبيرة. أنا لستُ شخصًا يسمح بالتقصير في حقوقي."
شعر قلب ليلى بالخوف. هل هذا الرجل هو سبب الضيق الذي تحدثت عنه السيدة فاطمة؟ هل هو من يبتزهم؟
"أحمد رجلٌ صالح. ولن يسمح لك بأن تهدده." قالت ليلى بشجاعةٍ مفاجئة.
ابتسم الرجل بسخرية. "صالح؟ هل تعرفين ما الذي يفعله هذا الصالح؟ هو متسترٌ على أخيه المجرم. ويدفع ثمن أخطائه. أنصحكِ بالابتعاد عنه قبل أن تتورطي معه."
بعد أن قال ذلك، غادر الرجل، تاركًا وراءه جوًا من التوتر والقلق.
"يا أمي، هل سمعتِ؟" قالت ليلى لوالدتها، وعيناها مليئتان بالخوف.
"نعم يا ابنتي. يبدو أن أحمد يمر بظروفٍ صعبة حقًا."
"ولكن هل يمكنني أن أتزوج شخصًا هكذا؟ شخصٌ يعيش في خوفٍ دائم من هذه الأمور؟"
"الظروف الصعبة تختبر معادن الناس يا ليلى. أحمد قد يكون قوياً في مواجهة هذه التحديات. ولابد أن نبحث أكثر."
في الأيام التالية، قررت ليلى أن تبحث بنفسها. لم تستطع الانتظار. ذهبت إلى المدينة، بحثت عن معرفاتٍ لعائلة أحمد، وحاولت أن تجمع بعض المعلومات. علمت أن سامي، أخ أحمد، كان له علاقاتٌ مشبوهة في عالم المال، وأنه كان يستدين من أشخاصٍ لا يتورعون عن استخدام العنف.
وعلمت أيضًا أن أحمد كان يبذل قصارى جهده لتغطية ديون أخيه، وأنه كان يبيع بعض ممتلكاته، ويقترض من أصدقاء موثوقين، كل ذلك ليحمي عائلته من الابتزاز. كان واجبه تجاه أخيه، رغم أخطائه، كبيرًا جداً.
شعرت ليلى بإعجابٍ كبير بأحمد. رأته ليس فقط كرجلٍ صالح، بل كرجلٍ يتحمل المسؤولية، ورجلٍ قلبه كبير. ربما كان هذا ما كانت تبحث عنه. شخصٌ يتحمل عبء الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب نفسه.
في إحدى الأيام، وبينما كانت ليلى في بيت جدتها، جاءتها مكالمةٌ هاتفية. كان المتحدث أحمد.
"السلام عليكم يا أختي ليلى." قال بصوته الهادئ الذي تعودته.
"وعليكم السلام يا أخ أحمد."
"آسف على عدم اتصالي. الظروف كانت صعبة جدًا. ولكنني سمعت أن هناك شخصًا زاركِ من طرفي، وأنه تحدث إليكِ بشكلٍ غير لائق."
شعرت ليلى بالارتياح لأنه يعرف. "نعم، لقد جاءني رجلٌ وهددني."
"كنت أعرف أنه سيفعل ذلك. إنه يريد أن يضغط عليّ. ولكني أردت أن أقول لكِ، يا أختي، أنني لا أخجل مما أفعله. أنا أحاول أن أحمي عائلتي. وأنقذ أخي من مصيره. هذا هو واجبي."
"أعلم ذلك يا أخ أحمد. وقد سمعت عن كل ما تفعله. وأنا معجبةٌ بقوتك وشجاعتك."
شعر أحمد ببعض الارتياح في صوته. "شكرًا لكِ. أتمنى أن تتفهمي. وأن لا تتركِ هذه الأمور أن تؤثر على قرارك."
"لا تقلق. لقد رأيتُ فيك ما يستحق. ورأيتُ فيك رجلاً لا يخاف من المسؤولية."
"أتمنى أن يكون ذلك صحيحًا. ولكنني ما زلتُ في وضعٍ صعب. ولستُ متأكدًا من مستقبلي."
"المستقبل بيد الله. والأهم هو أن تكون على الطريق الصحيح."
بعد المكالمة، شعرت ليلى بإحساسٍ عميق بالتقدير لأحمد. لم يكن مجرد شابٍ نبيل، بل كان رجلٌ يتحمل أعباءً كبيرة، ورجلٌ لا يتخلى عن مسؤولياته. قد يكون هذا الحب الذي بدأ بظلالٍ خفيفة، قد يتطور إلى قصةٍ قوية، تتجاوز العقبات.
ولكن، هل يمكن أن تكون هذه مجرد بداية؟ هل ستكون قادرًا على حماية عائلته، وحمايتها هي أيضًا؟ هل سينجح هذا الواجب الذي يحمله على كتفيه في توحيد قلبيهما، أم سيشكل حاجزًا بينهما؟
== =