أحلام الحب الجزء الثاني

في متاهة الماضي

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الفجر الأولى، حاملةً معها وعدًا بيومٍ جديد، لكنها لم تجلب معها السلام إلى روح لينا. كانت قد أمضت الليلة في صراعٍ مع نفسها، تتأرجح بين واقعٍ بات قريبًا، وذكرىٍ باتت تؤرقها. كانت ورقة سامي، التي لم تتخلص منها رغم إدراكها لخطورة الاحتفاظ بها، لا تزال في متناول يدها، وكأنها مغناطيسٌ يجذب كل أفكارها إليه.

في ذلك الصباح، وبينما كانت أسرتها تستعد ليومٍ مليءٍ بترتيبات الزفاف، وجدت لينا نفسها منعزلةً في غرفتها، تلتهمها الأسئلة. كيف بدأت كل هذه التعقيدات؟ كيف استطاعت، هي التي كانت تفتخر بصلابة مبادئها، أن تقع في هذا الشرك العاطفي؟

تذكرت كيف كانت لقاءاتها الأولى بسامي. كانت مجرد نقاشاتٍ أدبية، بدأت في رحاب الجامعة. كان سامي، بشعره المتمرد وعينيه اللامعتين، يمتلك كاريزما فريدة. كان يتحدث عن الشعر كمن يصف إلهًا، وعن الفلسفة كمن يفك رموز الكون. كان يرى في لينا، الشابة الهادئة، العقل المفكر، والفنانة الكامنة.

"لينا، أنتِ لستِ مجرد طالبةٍ مجتهدة،" كان يقول لها ذات مرة، وهو يتصفح ديوانًا للشعر، "فيكِ روحٌ شاعرة، تنتظر من يوقظها. العالم يفتقد لمثل هذه الأرواح."

كانت كلماته تمنحها ثقةً كانت تفتقدها. كان يشجعها على الكتابة، على التعبير عن أفكارها. بدأ يرسل لها قصائد كتبها، وأعمال فنية رسمها. وكانت لينا ترد عليه بتعليقاتٍ مفصلة، بعمقٍ لم تعهده في ردود فعل أقرانها.

"ما تكتبه يا سامي، يلامسني في أعماق روحي،" كانت ترد عليه، "أشعر وكأنك تتحدث بلساني، وأنك ترى ما لا يراه الآخرون."

كانت هذه اللحظات بمثابة وقودٍ يشعل شعلةً خفية في قلبها. كانت ترى في سامي ملاذًا من عالمٍ بدا لها أحيانًا باهتًا، عالمٌ لا يقدر الأبعاد الروحية والفكرية. في المقابل، كان عبد الرحمن يمثل الهدوء، الاستقرار، والالتزام. رجلٌ على الفطرة، يبني حياته على أسسٍ واضحة.

لكن لينا كانت دائمًا، في أعماقها، تبحث عن شيءٍ أعمق، عن شغفٍ يحرّك كيانها. وكانت تعتقد، في بعض الأحيان، أن الزواج التقليدي قد يقتل هذا الشغف. كانت تخشى أن تتحول إلى مجرد زوجةٍ وأم، وأن تختفي لينا الشاعرة، لينا المفكرة.

في إحدى لقاءاتهما، كانا يسيران في حديقةٍ هادئة، تحت ظلال الأشجار. توقف سامي، ونظر إليها بعينين تلمعان. "لينا، هل شعرتِ يومًا أن هناك جزءًا منكِ لم يُكتشف بعد؟ جزءٌ ينتظر الحب ليظهر؟"

كان سؤالًا مباشرًا، يمس وتراً حساسًا في روحها. في تلك اللحظة، لم تستطع لينا أن تكذب على نفسها. كانت تشعر بشيءٍ ينمو، شيءٌ لم تكن تعرف ماهيته بالضبط، لكنه كان يبعث في قلبها ارتباكًا وخوفًا.

"لا أعرف يا سامي،" كانت إجابتها متلعثمة.

ابتسم سامي ابتسامةً تحمل مزيجًا من الشفقة والإعجاب. "أنا أرى ذلك الجزء يا لينا. أراه في عينيكِ، وفي كلماتكِ. وأنا... أنا أخشى أن أفقد هذا الإلهام."

كلماته تلك، كانت بمثابة اعترافٍ صريحٍ بمشاعرٍ كانت لينا تحاول أن تتجاهلها. لم يكن هناك لقاءٌ مباشرٌ بينهما بعد ذلك، لكن رسائل البريد الإلكتروني كانت تتوالى. كانت تتحدث عن أحلامهما المشتركة، عن عالمٍ يمكن أن يبنياه معًا، عالمٌ يتجاوز حدود الواقع.

"تخيلي يا لينا،" كان يكتب لها، "عالمًا لا تسوده قيودٌ، ولا تكسره تقاليد. عالمٌ نصنع فيه قوانيننا الخاصة، ونعيش فيه شغفنا بحرية."

كانت هذه الكلمات، رغم بريقها، تخيف لينا. كانت تعرف أن هذه الأحلام، وإن كانت جذابة، فهي بعيدةٌ عن قيمها، وعن الإطار الذي نشأت فيه. كانت والدتها، دائمًا، تردد عليها: "يا ابنتي، الحياة ليست حلمًا، بل هي مسؤولية. والزواج هو رباطٌ مقدس، يجمع بين قلبين، ويُبارك الله فيه."

عندما تقدم عبد الرحمن لخطبتها، شعرت لينا بارتياحٍ كبير. كان زواجه من رجلٍ كعبد الرحمن هو الخيار الذي ترتضيه عائلتها، وهو الخيار الذي يتماشى مع قناعاتها الدينية. كان عبد الرحمن يتمتع بأخلاقٍ عالية، وعلمٍ نافع، واحترامٍ كبيرٍ لها ولأسرتها. كان يرى في زواجه منها بدايةً لحياةٍ هادئة، مستقرة، مليئةٍ بالحب والرحمة.

لكن في اللحظات التي بدأت فيها تتكشف تفاصيل الزواج، بدأت الذكرى تعود. كانت تتذكر كيف كانت تشعر بالأمان مع عبد الرحمن، لكنها كانت تشعر بنوعٍ من الإثارة والفوران الفكري مع سامي. كان الأمر أشبه بالمقارنة بين ما هو آمن ومريح، وما هو مجهولٌ ومثير.

في إحدى الليالي، وأثناء تجهيز بطاقات الدعوة، وجدت لينا نفسها تحدق في قائمة الأسماء. اسم سامي لم يكن موجودًا، بالطبع. لكن تخيلت لو كان موجودًا. ماذا سيحدث؟ هل سيأتي؟ وهل ستتمكن من إخفاء مشاعرها؟

كانت تعيش في صراعٍ دائم. من جهة، كانت تحب عبد الرحمن، وترغب في بناء حياةٍ مستقرةٍ معه. ومن جهةٍ أخرى، كانت ذكريات سامي، وكلماته، وشغفه، تتردد في عقلها، وتثير فيها شيئًا من الحنين القلق.

كانت تدرك أن هذا التردد سيؤثر على علاقتها بخطيبها. في الآونة الأخيرة، بدأت تلاحظ أن لينا أصبحت أقل انشراحًا، وأكثر شرودًا. كان عبد الرحمن، بطبيعته الهادئة، قد لاحظ هذا التغيير، وسألها أكثر من مرةٍ إذا كانت هناك مشكلة.

"لا شيء يا حبيبي،" كانت تجيب، "ربما مجرد إرهاقٍ من كثرة التجهيزات."

لكنها كانت تعلم أن السبب أعمق من ذلك. كان قلبها مشتتًا، غير قادرٍ على الالتزام الكامل. كانت تشعر بأنها تخون خطيبها، تخون نفسها، وتخون عائلتها.

ذات مرة، بينما كانت تتصفح صورها القديمة على هاتفها، وجدت صورةً لها مع سامي في إحدى الندوات. كانت صورةً عابرة، لكن رؤيتها جعلت قلبها يخفق بعنف. كانت قد أقسمت على نسيان الماضي، لكن الماضي كان يصر على أن يظهر من جديد.

"يجب أن أنتهي من هذا الأمر،" همست لنفسها، وهي تشعر ببرودةٍ تسري في عروقها. "يجب أن أواجه هذا الشبح، قبل أن يلتهم كل شيء."

كانت تعلم أن مواجهة هذا الشبح تتطلب شجاعةً كبيرة. مواجهة الذكرى، ومواجهة المشاعر التي لا تزال كامنة. لكنها أدركت أيضًا أن هذا هو الطريق الوحيد لتتمكن من المضي قدمًا، ولتكون زوجةً صالحةً لعبد الرحمن، ولتحافظ على سلامها الداخلي. كانت متاهة الماضي تلقي بظلالها الطويلة، وكان عليها أن تجد طريقًا للخروج منها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%