أحلام الحب الجزء الثاني
أوراق من الماضي
بقلم فاطمة النجار
مرت الأيام مسرعةً، تحمل معها عبق الاستعدادات للزفاف. كانت لينا تشعر بتغيرٍ جذريٍ في حياتها. لم تعد تلك الفتاة المترددة، بل أصبحت أكثر ثقةً بنفسها، وأكثر تركيزًا على مستقبلها. ابتسامة عبد الرحمن، وكلماته المشجعة، وخططه الواعدة، كانت بمثابة دواءٍ لروحها، يشفيها من كل ماضيٍ قديم.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت لينا في منزل والدتها، تساعد في ترتيب بعض الأغراض القديمة، عثرت على صندوقٍ خشبيٍ قديم، كان يحوي مذكراتها أيام الدراسة الجامعية. فتحت الصندوق بحذر، وتناثرت أمامها أوراقٌ قديمة، ذكرياتٌ من زمنٍ بعيد.
بين تلك الأوراق، وجدت رسائلٍ من أصدقائها، وبعض القصائد التي كتبتها، وصورٍ قديمة. لكن بين كل هذه الذكريات، وقعت عيناها على مجموعةٍ من الرسائل القديمة، كانت تحمل توقيع "سامي". شعرت لينا بوخزةٍ مفاجئة، مزيجٍ من الفضول والقلق.
ترددت في البداية، هل يجب أن تقرأها؟ لقد وعدت نفسها، ووعدت عبد الرحمن، بأن تنسى الماضي. لكن فضولها كان أقوى. جلست على الأرض، وفتحت أول رسالة.
كانت الرسائل تعكس شغف سامي، وحبه للفن، ونظرته المتفردة للحياة. كان يتحدث عن أعمالٍ فنيةٍ شاهدها، وعن كتبٍ قرأها، وعن أحلامٍ مشتركةٍ تمنى أن تتحقق. كان فيها الكثير من كلمات الإعجاب بذكاء لينا، وروحها، وقدرتها على فهم الأمور بعمق.
"لينا،" كتبت له في إحدى الرسائل، "أشعر أنكِ النور الذي يضيء لي دربي. بوجودكِ، أشعر أنني أستطيع أن أفهم هذا العالم بشكلٍ أفضل. أنتِ الملهمة التي كنتُ أبحث عنها دائمًا."
"فكرتكِ عن الفن، عن الدين، عن الحياة، تلامسني في أعماق روحي. أريد أن أشارككِ كل هذه الأفكار، وأن نبني عالمًا خاصًا بنا، عالمًا يتجاوز حدود المألوف."
كلما قرأت لينا سطرًا، شعرت بنوعٍ من الندم على الأيام التي قضتها في التفكير في هذه الأحلام. لقد كانت أحلامًا جميلةً، لكنها كانت أحلامًا لا يمكن أن تتحقق في واقعٍ مبنيٍ على شرع الله. كانت هذه الرسائل بمثابة تذكيرٍ قويٍ لها بالمسار الذي كادت أن تسلكه، والمسار الذي اختارته لنفسها الآن.
عندما وصلت إلى الرسالة الأخيرة، شعرت لينا بقلبها يخفق. كانت تلك الرسالة هي التي أرسلها سامي بعد أن علمت بخطبتها. كانت كلماتٌ تحمل مزيجًا من الصدمة، والخيبة، والأمل.
"لينا،" كان يكتب، "سمعتُ عن خطوبتكِ. لا أستطيع أن أصدق ذلك. هل حقًا ستتخلين عن كل ما تحدثنا عنه؟ هل ستسمحين للتقاليد أن تطفئ شعلة روحكِ؟ أخشى أنكِ اخترتِ طريقًا سيقودكِ إلى عالمٍ لا يشبهكِ. أريدكِ أن تعيدي التفكير، أن تعيدي التفكير في كل شيء. أنا ما زلتُ أنتظركِ، ما زلتُ أحلم بكِ."
بعد قراءة هذه الرسالة، شعرت لينا ببعض الحزن. لقد كان سامي يرى فيها شيئًا فريدًا، وشيئًا كان يعتقد أنه سيضيع. لكنها أدركت الآن أن هذا "الشيء الفريد" الذي كان يراه سامي، هو في الواقع ما يميزها كمسلمةٍ تسعى إلى رضى الله. وأن الشغف الحقيقي، هو الشغف الذي يتوافق مع أحكام دينها.
جمعت لينا الرسائل، ووضعتها في يد والدتها. "يا أمي، وجدت هذه الرسائل. كنتُ قد وعدتُ نفسي بأن أنساها، لكن وجدتُ من الضروري أن أعرفكِ عليها، وأن أتخلص منها بالطريقة الصحيحة."
نظرت الأم إلى الرسائل، ثم إلى لينا. "الحمد لله أنكِ لم تحتفظي بها، يا ابنتي. هذه الأوراق ليست لها قيمةٌ في حياتكِ الجديدة. إنها مجرد بقايا ماضٍ، وماضٍ يجب أن يُغلق عليه الباب."
أخذت الأم الرسائل، وقامت بحرقها في وعاءٍ صغير، أمام لينا. كان مشهدٌ رمزيٌ، يعلن عن نهايةٍ لصفحةٍ من الماضي، وبدايةٍ لمرحلةٍ جديدة. شعرت لينا براحةٍ شديدة، وكأنها قد تخلصت من عبءٍ ثقيل.
في اليوم التالي، وعندما زارها عبد الرحمن، تحدثت معه عن اكتشافها.
"وجدتُ رسائلَ قديمةً لسـ.. لشخصٍ عرفتُه في الجامعة،" قالت بترددٍ، "وقد قررتُ التخلص منها."
نظر إليها عبد الرحمن بابتسامةٍ مطمئنة. "هذا هو المطلوب يا لينا. ما هو لنا، هو الذي يستحق أن نركز عليه. وما هو ماضٍ، يجب أن يظل في مكانه. أنا واثقٌ بكِ، وأعلم أنكِ اخترتِ الطريق الصحيح."
كانت كلمات عبد الرحمن بمثابة تأكيدٍ جديدٍ لثقته بها. أدركت لينا أن حب عبد الرحمن لم يكن مجرد حبٍ عابر، بل كان حبًا مبنيًا على معرفةٍ عميقةٍ بشخصيتها، وعلى تقديرٍ لقيمها.
في المساء، بينما كانت لينا تتصفح كتابًا عن السيرة النبوية، شعرت بشعورٍ جديدٍ ينمو في قلبها. لم يعد ذلك الشعور المتذبذب، بل شعورٌ بالسكينة، والطمأنينة. لقد فهمت أخيرًا أن الحب الحقيقي، هو الحب الذي ينمو في إطارٍ شرعي، والذي يقود إلى مرضاة الله. وأن الشغف، هو شغفٌ بمعرفة الله، وبالسعي إلى مرضاته.
كانت تلك الأوراق القديمة، والتي كانت تبدو في وقتٍ من الأوقات تهديدًا لمستقبلها، قد أصبحت الآن، بفضل شجاعتها وصدقها، شاهدةً على انتصارها على ماضيها، وعلى استعدادها لبناء مستقبلٍ مشرقٍ مع عبد الرحمن.