الفصل 18 / 25

زوجتي الجميلة

نسائم الشك ورياح الحقيقة

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الليل الباردة تعبث بأوراق الأشجار العتيقة في حديقة منزل آل العلي، حاملة معها عطر الياسمين والفل الممزوج بعبير الأرض الندية. في غرفة الجلوس الواسعة، حيث انعكست أضواء الفوانيس النحاسية على نقوش الجدران العثمانية، جلس فارس ووالدته، السيدة عائشة، في صمت يثقل كاهلهما. لم يكن الصمت صمت راحة، بل صمت ترقب، صمت يسبق عاصفة، أو ربما، صمت بعد عاصفة.

كان فارس ينظر إلى والدته، يرى في عينيها الواسعتين اللتين طالما لمح فيهما دفء الحنان وعمق الحكمة، ظلالاً من القلق والاضطراب. يداها، اللتان اعتاد رؤيتهما تنسجان خيوط الدفء والسكينة في حياته، كانتا الآن تضمّان بعضهما البعض بقوة، كما لو كانت تستجمع شتات روحها.

"يا أمي،" بدأ فارس بصوت خفيض، اخترق سكون الليل، "قلبكِ لم يعد يطمئن، وعيناكِ تحكيان قصة لم تكتمل فصولها. أخبريني، ما الذي يشغل بالكِ؟"

رفعت السيدة عائشة رأسها، ونظرت إلى ابنها نظرة تحمل مزيجاً من الأسى والعزم. "يا بني، الأقدار تحمل في طياتها ما لا تدركه العقول، وما لا تحتمله القلوب دائماً. لقد جئتُ إليك لأبوح لك بسرٍ يؤرقني منذ زمن، سرٌ يتعلق بزواجك من ليلى، ابنة خالتكِ صفية."

تسمّر فارس في مكانه، وشعر ببرودة تسري في أوصاله. ليلى. اسمٌ لطالما حمل في قلبه مكانة خاصة، مكانة الزوجة الصالحة، والرفيقة الحبيبة، وشريكة العمر التي وعدها بالحب والوفاء. "ليلى؟ ماذا بها يا أمي؟ هل حدث لها شيء؟"

"ليس جسدها يا فارس، بل روحها. وربما، ماضٍ لم تعرفه أنتَ، أو ربما، لم تعرفه هي حتى وقت قريب." تحدثت السيدة عائشة ببطء، تتخير كل كلمة كمن يمشي على حبال مشدودة فوق هوة سحيقة. "تذكر يا بني، كيف كان اهتمام صفية الشديد بزواجكما، وكيف كانت تبدو سعيدة بشكلٍ غريب، وكأنها تحقق حلماً طال انتظاره؟"

أومأ فارس برأسه، فقد كانت والدته على حق. كانت صفية، والدة ليلى، تظهر فرحة وبهجة لا تتناسب مع مجرد تزويج ابنتها، بل بدت وكأنها تخفي سرًا عظيمًا. "نعم يا أمي، أتذكر. كنتُ أحسب أن فرحتها نابعة من محبتها لابنتها ورغبتها في سعادتها."

"المحبة جزءٌ من الأمر، ولكن ليس كل الأمر." تنفست السيدة عائشة بعمق، ثم واصلت. "صفية، يا فارس، لم تكن زوجةً صالحةً في شبابها، ولم تكن عفيفةً كما يظن الناس. لقد كانت لها علاقاتٌ سابقةٌ قبل زواجها من أبي ليلى، ومن بين هؤلاء كانت هناك علاقةٌ غراميةٌ مع رجلٍ لم يكن زوجها، وقد نتج عن تلك العلاقة... فتاة."

تجمد الدم في عروق فارس. كان يفهم ما تقوله والدته، لكنه لم يصدق. "فتاة؟ هل تقصدين...؟"

"أجل يا فارس، تقصدين ما تظنه. صفية أنجبت فتاةً من هذا الرجل. ولأنها لم ترغب في فضيحةٍ أو عارٍ، فقد تظاهرت بأنها لم تحمل، وربت هذه الفتاة في الخفاء، تحت مسمى أنها ابنة أختٍ بعيدةٍ ماتت، أو قريبةٍ تزوجت وسافرت. أسمتها... نور."

لم يكن فارس يعرف اسم "نور" من قبل. لكن اسمه وحده لم يكن كافياً ليشكّل أي ربط. "نور؟ ومن هي هذه نور؟"

"نور، يا بني، هي... ليلى."

كانت الكلمات بمثابة صاعقة ضربت قلب فارس. شعر بأن الأرض تميد به، وأن جدران الغرفة تدور حوله. "ماذا تقولين يا أمي؟ ليلى؟ مستحيل! ليلى هي ابنة خالتك صفية! أنتِ تعرفين نسبها جيداً!"

"أعلم يا فارس، وأعلم جيداً. لكن الحقيقة أحيانًا تكون أقسى وأشد ألماً من أي كذب. صفية، يا بني، لم تنجب ليلى، بل تبنتها، أو ربما، استقبلتها طفلةً رضيعهً بعد ولادتها من رجلٍ غريبٍ وأمٍ مجهولةٍ، ثم أعلنت أنها ابنتها. لقد كان كل شيءٍ مدبراً، كل شيءٍ مزيفاً. وحينما رأيتِ أنتِ ليلى، كنتِ صغيرة، ولم تكن لديكِ القدرة على تمييز الحقائق. لقد تم الأمر برمته في وقتٍ مبكرٍ جداً."

شعر فارس بالدوار. حاول أن يتذكر صور ليلى وهي طفلة، صور عائلته، كل شيء بدا الآن مشوهاً، غامضاً. "لكن... لكن لماذا؟ لماذا تفعل صفية ذلك؟"

"كانت صفية تخشى العار والفضيحة، وتخشى نظرة المجتمع. لقد كانت العلاقة مع ذلك الرجل محرمة، وابنتها منه لم تكن شرعية. لهذا، قررت أن تخفي الأمر، وأن تخلق لها هويةً جديدة. وبعد أن كبرت ليلى، ورأت فيك الشاب المثالي، ورأت الفرصة لتحقيق أهدافها، قررت أن تتمم هذا الزواج، لربط ماضيها بحاضرك، ولتستر ماضيها المظلم."

"هل أنتِ متأكدة يا أمي؟ هل لديكِ دليل؟" سأل فارس بصوتٍ مرتجف، يبحث عن أي بصيص أمل ليتمسك به، عن أي خيطٍ واهٍ ينقذه من هذا الكم الهائل من الصدمة.

"لقد رأيتُ بنفسي يا فارس. منذ سنوات، حينما كنتُ في بيت صفية، سمعتها تتحدث في الهاتف بصوتٍ خافتٍ عن 'السر' وعن 'الفتاة' وعن 'كيف أصبحت الأمور مستقرة'. وذات مرة، وجدتها تبكي بشدة وهي تنظر إلى صورةٍ قديمةٍ لرجلٍ لا أعرفه. وحينما سألتها، تهربت من الإجابة. كلما مر الوقت، زاد قلقي، وزادت علامات الاستفهام في عقلي. وأخيراً، لم أعد أحتمل، فواجهتها. في البداية أنكرت، لكن مع إصراري، انهارت واعترفت بكل شيء."

حكت السيدة عائشة لفارس القصة كاملة، كل التفاصيل المؤلمة، كيف كانت صفية تعيش في خوف دائم من انكشاف الحقيقة، وكيف استغلت ظروفها لترتب زواج ابنتها من فارس، شقيقها الوحيد، ظناً منها أن ذلك سيحصّن ليلى ويحميها.

"لقد قالت لي، يا بني، إنها فعلت ذلك لإنقاذ ابنتها، ولتمنحها حياةً كريمة. وأنها لم تستطع أن تخبرك أو تخبر أحداً قبل الآن، خوفاً من انهيار كل شيء. لقد طلبت مني أن أحتفظ بالسر، وأن أدع الأمور تسير على ما يرام، لأن ليلى تحبك، وهي سعيدة معك، ولا تريد أن تدمر حياتها."

تنهد فارس بعمق. كان كل شيءٍ يبدو كحلمٍ كابوسي. ليلى، زوجته، التي أحبها بصدقٍ، والتي بدت له مثالاً للعفة والطهارة، هي ليست ابنة خالة صفية حقاً. هي ابنة رجلٍ آخر، وهي قصةُ حبٍ محرمةٍ تحمل وراءها عاراً.

"لكن... هذا يعني أن زواجنا... زواجنا فيه شبهةٌ كبيرة. إذا كانت ليلى ليست ابنة صفية، فكيف لنا أن نعرف من هي؟ هل هي من أهل الكتاب؟ هل هي مسلمة؟" كان السؤال يتردد في أذنيه كصدىً مؤلم.

"هذا ما جعل قلبي ينقبض يا بني. صفية لم تخبرني شيئاً عن أبي ليلى الشرعي، ولا عن دينها، ولا عن أي شيء. كل ما عرفته هو أن هناك فتاةً أنجبتها، وأنها قررت أن تعلنها ابنتها. كل الباقي، يبقى مجهولاً."

شعر فارس بأنه يقف على حافة الهاوية. لم يعد يعرف ما الذي يجب عليه فعله. حب ليلى كان قوياً، عميقاً، مبنياً على سنوات من العشرة والمعرفة. لكن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، كانت دائماً هي الأساس.

"ماذا فعلتِ بعد ذلك يا أمي؟" سأل بصوتٍ بالكاد يُسمع.

"لقد تركتها، وعدتُ إلى بيتي. لم أستطع أن أواجهك بالأمر مباشرةً في البداية. كنتُ أبحث عن طريقةٍ لأجد لكَ حلاً، أو لأعرف المزيد. ولكن كلما مر الوقت، زاد العبء على قلبي، وزاد قلقي عليك وعلى مستقبل علاقتكما. ثم، سمعتُ همساً خفياً، عن أن هناك من بدأ يشك في نسب ليلى، وأن صفية أصبحت في ضغطٍ كبير. لقد أدركتُ أن السر لن يبقى سراً إلى الأبد، وأن من الأفضل أن تأتي الحقيقة منك، لا من الشائعات."

نظر فارس إلى والدته، رأى فيها كل الحرقة والألم. لقد حملت هذا الثقل وحدها طويلاً. "وماذا تريدين مني الآن يا أمي؟"

"أريدك يا بني أن تفكر جيداً. أريدك أن تقرر مصيرك. إذا لم تستطع أن تعيش مع هذا الشك، إذا كان قلبك لا يطمئن، فالحلال يقتضي أن نبتعد عن الشبهات. لكن إن كنتَ لا تزال تحبها، وترغب في البحث عن الحقيقة، عن نسبها الحقيقي، عن هويتها، فعلينا أن نفعل ذلك. لكن الأمر لن يكون سهلاً."

كانت الكلمات تتردد في أذنيه، تدوّي كأجراس الإنذار. ليلى، حبه، حياته، كلها على المحك. هل كان قادراً على الاستمرار في حب امرأةٍ لم يعرف حقيقتها؟ هل كان يستطيع التغلب على هذا الحاجز الذي وضعته صفية عبر خداعها؟

"يجب أن أتحدث مع ليلى." قال فارس أخيراً، صوته أصبح صلباً، مليئاً بتصميمٍ جديد. "لا يمكنني أن أعيش في هذا الضباب. يجب أن أعرف منها. إذا كانت تحبني حقاً، فستشاركني الحقيقة، مهما كانت مؤلمة."

نظرت إليه السيدة عائشة بعينين دامعتين. "بارك الله فيك يا بني. هذه هي الرجولة، وهذا هو ما يرضي الله. ابحث عن الحقيقة، وكن قوياً."

نهض فارس، وشعر بثقلٍ لم يعهده من قبل. الغرفة الواسعة، التي كانت تعج بالدفء والأمان، أصبحت الآن مسرحاً لزلزالٍ داخلي. لقد تخطى مرحلة الشك، ووصل إلى نقطة اللاعودة. لم يعد هناك مجال للعودة إلى الوراء. الحقيقة، مهما كانت قاسية، يجب أن تظهر.

*

في تلك الأثناء، كانت ليلى في غرفتها، تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة. وجهها الشاحب، وعيناها اللتان تعكسان قلقاً عميقاً. لقد شعرت مؤخراً بتغيرٍ ما في سلوك والدتها، وبضغطٍ غير مبررٍ منها. همساتٌ خافتةٌ سمعتها، تلميحاتٌ غامضةٌ، كلها كانت تزيد من توترها.

كانت تتذكر ما حدث قبل أيام، حينما تحدثت إليها والدتها بصوتٍ مذعورٍ عن "مأزقٍ كبير" وعن "ضرورةٍ للحذر". لم تفهم ليلى حينها ما الذي كانت تقصده والدتها، لكنها شعرت بأن هناك شيئاً يحدث، شيئاً يهدد استقرار حياتها.

كانت تتمنى أن يكون كل ما تشعر به مجرد أوهام، مجرد قلقٍ زايدٍ لا مبرر له. لكن في أعماقها، كان هناك صوتٌ خفيٌ يهمس لها بأن الأمور ليست على ما يرام. وأن هناك أسراراً مظلمةً تختبئ خلف واجهة الحياة الهادئة التي عاشتها.

تنهدت ليلى، وبكت بصمت. لم تكن تعرف ما يخبئه لها المستقبل، لكنها كانت تشعر بأن الرياح تتغير، وأن نسائم الشك بدأت تعبث بهدوء حياتها، حاملةً معها رياح الحقيقة التي لا تعرف متى ستضرب.

*

في الطرف الآخر من المدينة، كان الأستاذ عبد الله، والد فارس، جالساً في مكتبه، يقرأ رسالةً قديمةً عثر عليها بالصدفة بين أوراقٍ تخص زوجته الراحلة. كانت الرسالة بخط يد صفية، موجهةً إليه. قرأها عدة مرات، وكل مرة كانت تزيد من دهشته وصدمته. لم يكن يتوقع أبداً أن يكون الأمر بهذا التعقيد. لقد كانت زوجته، السيدة عائشة، على حق. كانت الحقيقة أشد وطأةً مما تخيل.

كانت الرسالة تحمل اعترافاً صريحاً بخداع صفية، وبأن ليلى ليست ابنتها البيولوجية. وكان هناك تلميحاتٌ واضحةٌ إلى أن هناك علاقةً سابقةً لصفية، وأن ليلى هي نتاج تلك العلاقة. لم يذكر اسم الرجل، لكن الإشارة كانت كافية لتكشف عن حجم الكارثة.

أغلق الأستاذ عبد الله الرسالة، ووضعها على مكتبه. شعر بأن عالمه قد اهتز. لقد تزوج ابنه من امرأةٍ، قد لا تكون من نسبٍ معلومٍ، وقد لا تكون مسلمةً أصلاً. هذه كانت مشكلةٌ لا يمكن تجاهلها.

"يا رب، ماذا فعلت صفية؟ وماذا سيفعل فارس؟" تمتم الأستاذ عبد الله لنفسه. لقد كانت ليلةً مليئةً بالأسرار التي بدأت تتكشف، أسرارٌ كفيلةٌ بتدمير حياةٍ بأكملها.

لقد وصل الأمر إلى ذروته. الحقيقة بدأت تخرج من تحت الرماد، وسرعان ما ستكشف عن وجهها الكامل، مهما كانت النتائج.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%