الفصل 5 / 25

زوجتي الجميلة

ظلال الماضي تخيم على الحاضر

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً من ليالي الشتاء الباردة، تتساقط فيها قطرات المطر على زجاج النافذة محدثةً لحناً خافتاً يمزج بين الشجن والسكينة. جلست سارة بجوار المدفأة، تتأمل اللهب المتراقص وكأنها تبحث فيه عن إجابات لأسئلةٍ تعصف بقلبها. منذ أن وطأت قدماها بيت العائلة الكبير، شعرت بشيءٍ غريب يلف هذا المكان، هالةٌ من الغموض تخفي خلفها أسراراً لم تتسنَّ لها معرفة كنهها بعد. لم تكن مجرد منزلٍ تقليدي، بل كان أشبه بمتحفٍ حي، كل زاوية فيه تحكي قصة، وكل قطعة أثرية تزين جدرانه تشهد على زمنٍ مضى.

كان أحمد، زوجها، شاباً مهذباً، ذا قلبٍ طيب، ولكنَّه كان يمتلك جانباً مظلماً، جانباً كان يظهر في لحظاتٍ نادرة، ولكنه كان كافياً ليُقلقها. في تلك الأمسية، لم يكن أحمد حاضراً. غالباً ما كان يمضي وقته في مكتبه الخاص، منعزلاً عن العالم، منهمكاً في أوراقه وكتبه. كانت تشعر بالوحدة تتسلل إلى روحها، الوحدة التي لا يكسرها سوى وجوده، وجودٌ أصبح نادراً هذه الأيام.

تذكرت الأيام الأولى لزواجهما. كانت مليئةً بالحب والشغف، بضحكاتٍ مرتفعة، وبأحلامٍ مشتركة نسجتها يداهما معاً. كان يغمرها بالاهتمام، ويُشعرها بأنها محور عالمه. ولكنَّ كل شيءٍ تغير. بدأت تلاحظ ابتعاده عنها تدريجياً، تهاونه في اهتمامه، وتزايد عزلته. كانت الأسباب غير واضحة، وكان صمتُه أحياناً أبلغ من ألف كلمة.

في إحدى المرات، وبينما كانت تتصفح بعض الأغراض القديمة في غرفةٍ مهملة، عثرت على صندوقٍ خشبي عتيق، مزين بنقوشٍ عربيةٍ قديمة. بداخله، وجدت مجموعةً من الصور الباهتة، ورسائلَ قديمةً بخطٍ أنيق. كانت الصور تخصُّ امرأةً جميلة، ذات عينين واسعتين وابتسامةٍ ساحرة. بدا واضحاً أنها شخصٌ مقربٌ من عائلة زوجها، ولكنَّ هويتها ظلت لغزاً. حملت إحدى الرسائل اسم "نورا".

"إلى حبيبتي نورا،" بدأت الرسالة. "كل يومٍ يمرُّ دون رؤيتكِ يقتل جزءاً مني. فراقكِ يجعلني أشعر وكأنَّ روحي معلقةٌ في السماء، تنتظر هطول مطرِ لقائكِ. قلبي ينبض باسمكِ، وعقلي لا يعرف إلا طيفكِ. أنتِ النور الذي يُضيء دربي، والبلسم الذي يشفي جراحي. متى يعود اللقاء؟ متى أرى ابتسامتكِ التي تُنسيني هموم الدنيا؟"

شعرت سارة ببرودةٍ تسري في عروقها. لم يكن هذا الخط لأحمد، فقد كانت تعرف خطه جيداً. إذاً، لمن كانت هذه الرسالة؟ ومن تكون "نورا" هذه؟ كان هناك شيءٌ عميقٌ ومؤلمٌ في هذه الكلمات، شيءٌ يوحي بحبٍ جارفٍ، وبفراقٍ قاسٍ.

تصفحت المزيد من الصور، فوجدت صوراً لنورا مع رجلٍ آخر، رجلٌ وسيم، يبدو عليه الحزم والقوة. لم تعرفه. ولكنَّ ما أثار فضولها حقاً هو صورةٌ لنورا وهي تحمل رضيعاً صغيراً. هل يمكن أن يكون هذا الرضيع ابنها؟ هل يمكن أن يكون أحمد؟

في تلك اللحظة، سمعت صوت خطواتٍ تقترب. استدارت لتجد أحمد يقف عند مدخل الغرفة، وجهه شاحبٌ وعيناه تحملان نظرةً قلقة.

"ماذا تفعلين هنا؟" سأل بصوتٍ متقطع.

ارتعشت يدها وهي تُمسك بالصندوق. "كنتُ أتصفح الأغراض القديمة، وجدتها بالصدفة."

تأمل أحمد الصندوق، ثمَّ نظر إلى سارة، وشيءٌ من الأسف ارتسم على ملامحه. "هذه أمتعةٌ قديمةٌ تخصُّ جدتي، نورا. لقد توفيت قبل ولادة والدي بسنواتٍ قليلة."

"جدتك؟" استغربت سارة. "ولكنَّ هذه الرسائل..."

"كانت نورا تحبُّ رجلاً آخر قبل أن تتزوج جدي،" قال أحمد بصوتٍ منخفض، وكأنه يتحدث عن شيءٍ مؤلم. "لكنهما انفصلا لظروفٍ قاهرة، ثمَّ تزوجت جدي. كانت تحبه كثيراً، ولكنَّ القدر لم يكتب لهما البقاء معاً. وهذه الصور، هذه صورها مع هذا الرجل."

بدا أحمد مضطرباً. كان يتجنب النظر إليها مباشرةً، وكأنَّ الحديث عن هذا الموضوع يُثير فيه ذكرياتٍ مؤلمة.

"ولكنَّ الرسالة الأخيرة..." بدأت سارة، ولكنَّها توقفت.

"كانت نورا قد حملت منه،" قال أحمد بحذر. "ولكنَّ ظروف والدي أجبرته على الانفصال عنها. ثمَّ أنجبت طفلها، ولكنَّ الطفل مات بعد ولادته بفترةٍ قصيرة. كانت نورا حزينةً جداً، وحاولت تجاوز الأمر، ولكنَّ الفقد كان قاسياً."

صدمت سارة. لم تتوقع هذا القدر من الألم والغموض. كان الماضي يعيش في هذا البيت، يخيم بظلاله على الحاضر. شعرت بأنَّ أحمد يخفي عنها شيئاً، أنَّ ما قاله ليس كل الحقيقة. كان هناك اضطرابٌ واضحٌ في صوته، وقلقٌ غريبٌ في عينيه.

"هل أنت بخير يا أحمد؟" سألت بصوتٍ خافت.

تنهد أحمد بعمق. "أنا بخير يا سارة. فقط... بعض الذكريات المؤلمة."

شعر سارة بأنَّ جداراً خفياً يفصل بينهما، جدارٌ بناه الماضي، وجدارٌ لا تزال أسراره غير مكشوفة. لم تكن مجرد صورٍ ورسائل، بل كانت قصة حبٍ مأساوي، قصةٌ تركت بصماتها على هذه العائلة. ولكنَّها تساءلت: ما علاقة هذا كله بأحمد؟ ولماذا يبدو متأثراً بهذه الدرجة؟

كان الليل قد اشتد. قطرات المطر لا تزال تتساقط، وصوت الرياح يعزف لحناً حزيناً. نظرت سارة إلى أحمد، وعرفت أنَّ هذه الحادثة لم تكن سوى بدايةٍ لكشفِ خيوطٍ متشابكةٍ من الأسرار، أسرارٍ قد تُغيّر حياتهما إلى الأبد. كانت تشعر بأنَّ شيئاً ما لم يُقل، شيئاً ظلَّ مدفوناً في أعماق هذا البيت، وفي أعماق روح زوجها.

"أحمد،" قالت بصوتٍ هادئ. "أنا هنا. إذا كنتَ تحتاجُ إلى التحدث."

نظر إليها أحمد، وفي عينيه بريقٌ من الامتنان، ولكنه ظلَّ صامتاً. لم يكن مستعداً بعد. لم تكن سارة وحدها في هذه العزلة، بل كان أحمد أيضاً غارقاً فيها. كانت هناك أمورٌ أكبر من مجرد زواجٍ تقليدي، كانت هناك أشباحٌ من الماضي تتراقص في أرجاء هذا البيت، وأشباحٌ لا بدَّ أن تُواجه.

لم تستطع سارة النوم تلك الليلة. بقيت مستيقظةً، تفكر في كل ما سمعت، وفي كل ما رأيت. كان هناك شيءٌ مفقود، وكان أحمد يخفي شيئاً. ظلال الماضي كانت أثقل مما تخيلت، وكانت تتساءل أيَّ مصيرٍ ينتظرها في هذا البيت المليء بالأسرار. كانت رغبتها في فهم زوجها أقوى من أيِّ خوف، وكانت مستعدةً لمواجهة أيِّ شيءٍ لكشفِ حقيقةِ هذا اللغز. كانت تعلم أنَّ رحلتها في اكتشاف هذا البيت، وفي اكتشاف زوجها، لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%