الفصل 6 / 25

زوجتي الجميلة

غرق في متاهة الماضي

بقلم مريم الحسن

بعد ليلةٍ طويلةٍ من الأرق والتفكير، استيقظت سارة على أشعة الشمس الذهبية التي تسللت خجولةً من نوافذ غرفتها. كان صدى كلمات أحمد لا يزال يتردد في أذنيها، وظلال صورة جدته "نورا" تخيم على أحلامها. لم تعد ترى في هذا البيت مجرد مكانٍ للعيش، بل أصبح عالماً معقداً مليئاً بالأسرار، وربما بالأحزان.

نزلت سارة إلى غرفة الطعام لتناول الفطور. وجدت والدة أحمد، السيدة فاطمة، تجلس على رأس الطاولة، تتناول قهوتها بهدوء. كانت السيدة فاطمة امرأةً كريمةً، ذات وجهٍ طيب، ولكنَّ نظراتها كانت تحمل حكمةً عميقةً، وحزناً عميقاً أيضاً.

"صباح الخير يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة بابتسامةٍ حانية. "كيف كانت ليلتكِ؟"

"صباح النور يا حماتي،" ردت سارة. "كانت ليلةً هادئة، شكراً لسؤالك."

لم ترغب سارة في إثارة موضوع "نورا" أو الرسائل فوراً، فضلت أن تجمع المزيد من المعلومات بهدوء. تابعت إفطارها، ثمَّ طلبت من السيدة فاطمة أن تسمح لها بزيارة المكتبة الكبيرة في المنزل. كانت المكتبة ملجأً دائماً لها، مكاناً تستطيع فيه أن تهرب إلى عالم الكتب وتنسى همومها.

"بالطبع يا عزيزتي،" قالت السيدة فاطمة. "المكتبة مفتوحةٌ لكِ دوماً. قد تجدين فيها ما يُسعدكِ."

عندما دخلت سارة المكتبة، شعرت بعبق الكتب القديمة يغمرها. كانت الغرفة واسعةً، مليئةً بالأرفف الخشبية الداكنة، تعجُّ بآلاف الكتب التي تعود إلى عصورٍ مختلفة. جلست سارة على أريكةٍ مريحة، وبدأت تتصفح بعض الكتب.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى عثرت على ألبوم صورٍ قديم، غلافه مزين بالجلد. بدأت بتقليب صفحاته، فوجدت صوراً للعائلة، صوراً بالأبيض والأسود، صوراً لوجوهٍ مرت في زمنٍ غابر. ثمَّ، وجدت صوراً لنفس المرأة الجميلة التي رأتها في الصندوق، "نورا".

كانت هناك صورٌ لنورا وهي شابة، بابتسامتها المشرقة وجمالها الملائكي. ثمَّ، صورٌ لها وهي ترتدي فستان زفاف، بجوار رجلٍ وسيم، يبدو أنه زوجها الأول. ثمَّ، صورٌ لها وهي حامل، وطفلٌ رضيعٌ بين ذراعيها. كان الطفل نحيلاً، يبدو عليه الضعف.

تعمقت سارة في تصفح الصور، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. في إحدى الصفحات، وجدت صورةً لنورا وهي تجلس بجوار سرير الطفل، وعيناها مليئتان بالحزن. كان وجهها شاحباً، وشعرها منسدلاً على كتفيها. بدت كأنها في عالمٍ آخر، عالمٍ من الألم والفقد.

بجانب هذه الصورة، وجدت ورقةً قديمة، مكتوبةً بخطٍ يدويٍ آخر، ولكنَّه ليس بخط الرسائل التي وجدتها سابقاً.

"إلى ملاكي الصغير،" بدأت الورقة. "يا من رحلتَ سريعاً، تاركاً خلفك فراغاً لا يُملأ. كل لحظةٍ تمرُّ هي عذابٌ لروحي. لم أعرف معنى الحب الحقيقي حتى حملتك بين ذراعي، ولم أعرف معنى الألم الحقيقي حتى فقدتك. سأظلُّ أذكرك، سأظلُّ أحبك، يا ابني الحبيب. رحمك الله."

كانت هذه الكلمات من نورا. بكت سارة بصمت. لم يكن الأمر مجرد قصة حبٍ ضائعة، بل كانت قصة أمٍ فقدت طفلها. كان الحزن عميقاً، وكان الألم قوياً.

في تلك اللحظة، دخل أحمد المكتبة. رأى سارة تبكي، وشعر بقلقٍ كبير.

"سارة، ما بكِ؟" سأل وهو يجلس بجوارها.

أشارت سارة إلى الألبوم والورقة. "قرأتُ المزيد عن جدتك. ألمها... كان عظيماً."

تنهد أحمد، ونظر إلى صور جدته. "نورا كانت امرأةً قوية، ولكنَّها لم تستطع تجاوز فقدان طفلها. لقد عاشت بقية حياتها تحمل هذا الحزن في قلبها."

"ولكنَّ الرسائل التي وجدتها... قال لي أحمد أنها تخصُّ حب حياتها الأول."

"نعم،" قال أحمد. "كانت تحبه كثيراً، ولكنَّ عائلتها لم توافق على زواجهما. ثمَّ، حدث ما حدث."

"وماذا حدث بالضبط؟" سألت سارة، وشعرت بأنَّ هناك فجوةً كبيرةً في الرواية. "لماذا انفصلا؟ ولماذا تزوجت جدك؟"

تردد أحمد للحظة. بدا عليه التردد. "كان هناك الكثير من الضغوط الاجتماعية والعائلية. لم تكن الأمور بسيطةً كما تبدو. والدي كان صغيراً عندما توفيت نورا، لم يعرف الكثير عن هذه القصص. ولكنَّ السيدة فاطمة، أمي، كانت تعرف كل شيء. ربما تستطيع هي أن تشرح لكِ."

شعر سارة بخيبة أمل. لم يكن أحمد مستعداً بعد لمشاركة كل شيء. كانت تشعر بأنَّه يغرق في ماضيه، وأنَّه لا يستطيع التحرر منه.

"ولكنَّ الرسائل، يا أحمد،" قالت بصوتٍ شبه هامس. "تبدو وكأنها مكتوبةٌ بلهفةٍ وحبٍ شديد. هل كنتَ تعرف أنَّ جدتك كانت تحبُّ رجلاً آخر قبل زواجها؟"

"كنتُ أعرف القليل،" قال أحمد. "ولكنَّ تفاصيل الأمر لم تكن واضحةً بالنسبة لي. جدتي لم تتحدث عن هذا كثيراً. ولكنَّ هذه الذكريات، هذه الأسرار، كانت تثقل كاهلها."

كانت سارة تشعر بأنَّ أحمد يتحدث عن نفسه بقدر ما يتحدث عن جدته. هل كان يعاني من صراعاتٍ مشابهة؟ هل كان هناك شيءٌ في حياته جعله يشعر بنفس هذا الألم؟

"أحمد،" قالت سارة، وعيناها مليئتان بالصدق. "أنا زوجتك. أحبُّك، وأريد أن أفهمك. لا تخف مني. إذا كان هناك شيءٌ يزعجك، شيءٌ من ماضيك، أو من ماضي عائلتك، يمكننا مواجهته معاً."

نظر إليها أحمد، وفي عينيه بريقٌ من الامتنان، ولكنه أيضاً بريقٌ من الخوف. كان جدارُ الصمتِ ما يزال قائماً، ولكنه بدأ يتشقق.

"سارة،" قال بصوتٍ مهزوز. "هناك أمورٌ لا يمكن فهمها بسهولة. وهناك أسرارٌ دفنتها السنين. ربما... ربما من الأفضل أن نترك الماضي وشأنه."

"ولكنَّ الماضي هو ما يشكل حاضرنا، يا أحمد،" ردت سارة. "وإذا لم نفهمه، فلن نستطيع بناء مستقبلٍ سليم."

كانت تشعر بأنَّها في متاهةٍ، وأنَّها كلما اقتربت من الحقيقة، كلما تعقدت الأمور أكثر. كان حبها لأحمد دافعها، ولكنَّ غموضه كان يُخلق حاجزاً بينهما. كانت تعلم أنَّ عليها أن تكون صبورة، وأنَّ عليها أن تحفر أعمق لكشفِ ما دفنه الزمن.

في تلك الليلة، بينما كانت سارة مستلقيةً في فراشها، لم تستطع النوم. كانت تفكر في "نورا"، في حبها المفقود، وفي طفلها الضائع. وتساءلت: هل كان أحمد يحمل عبء هذه القصص؟ هل كان يشعر بنفس الوحدة والفقد؟ كانت تشعر بأنَّ هذا البيت، بكل ما فيه من تاريخٍ وحزن، أصبح جزءاً من حياتها، وبأنَّ اكتشاف أسراره هو مفتاح فهم زوجها، ومفتاح بناء مستقبلهما معاً. كان عليها أن تجد طريقةً لكسر حاجز الصمت، ولجعل أحمد يشاركها مخاوفه وآلامه، قبل أن تغرق حياتهما في ظلال الماضي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%