ابتسامتك حياتي الجزء الثاني

بين جنبات المسجد وبين أجنحة الذكريات

بقلم مريم الحسن

ارتسمت هالة من القدسية على أرجاء المسجد العتيق، حيث تداخلت أصداء التلاوات العطرة مع همسات الدعوات الخاشعة. في زاويةٍ مظللةٍ بعيداً عن الأنظار، جلس "يوسف"، شابٌ لم تتجاوز عقوده الثلاثة، يتأمل قطرات المطر المتساقطة على زجاج النوافذ العالية. كان المطر، في نظر يوسف، مرآةً لأحوال البشر، حين يكون غزيرًا يغسل الأرواح من شوائب الدنيا، وحين يكون خفيفًا يذّكّر بالصبر والترقب.

كانت يداه، التي اعتادت الخط، ترتجفان بخفةٍ وهي تمسك بمفتاحٍ قديمٍ عتيق، مفتاحٌ لوحةٍ خشبيةٍ صغيرةٍ تزين مدخل مكتبته المتواضعة. المكتبة، كانت بالنسبة ليوسف ملاذاً، وكنزاً، بل وروحاً تسكن فيه. لم تكن مجرد بنايةٍ تحتوي على رفوفٍ مليئةٍ بالكتب، بل كانت فضاءً يجمع بين عبق الورق المعتق ورائحة الحبر الأصيل، وبين ضجيج الحياة وهدوء التأمل.

كانت رائحة الخشب الرطب تمتزج مع عبق البخور الذي ما زال عالقاً في الهواء، ذكرياتٍ تعود به إلى أيامٍ مضت، إلى وجهٍ أضاء حياته ذات يوم، وجهٌ كان فيه بزوغ الشمس. ابتسامة "نور" كانت كافيةً لتبديد غيوم العالم، وضحكتها كانت لحناً يتردد في أروقة القلب. كانت هنا، في هذه المكتبة، بين هذه الجدران، قد بدأت حكايتهما.

تنهد يوسف بعمق، محاولاً استجماع شتات أفكاره. كان قد مرّت سنواتٌ منذ آخر لقاءٍ له بنور، سنواتٌ حملت معها الكثير من الألم، الكثير من الانتظار. لكنّ صورة ابتسامتها لم تفارق مخيلته قط، بل كانت تقوى وتزداد بريقاً مع مرور الزمن، كقصيدةٍ عريقةٍ لا تفقد رونقها أبداً.

كانت يداه قد تحركتا تلقائياً نحو جيبه، ليخرج منه رسالةٌ مطويةٌ بعناية، كتب عليها بخطٍ نسويٍ رقيقٍ اسم "يوسف". فتحها ببطءٍ، وكأنما يخشى أن تتطاير منها الكلمات، أو أن تتبخر منها رائحة الأيام الجميلة. كانت الرسالة من نور، كتبتها قبل رحيلها المفاجئ، قبل أن يغرق في بحرٍ من الحزن لم يرى له نهاية.

"يوسف، يا من أصبحتَ حياتي، أكتب إليك هذه الكلمات وقلبي يعتصر ألماً، ولكن روحي تنبض بالأمل. تعلم أن قدري قد سطر لي رحلةً طويلة، رحلةٌ لا أعرف متى ستنتهي، ولا أين ستؤول بي. ولكن أردتُ قبل أن أرحل، أن أترك لكَ وعداً. وعداً بأن تظل ابتسامتي محفورةً في ذاكرتك، وأن تظل أنتَ الروح التي تسكن قلبي. أعلم أن الدنيا قد تفرق بين الأحباء، وأن الظروف قد تقسو، ولكن لا تنسَ أن الروح تبقى موصولةً بالروح. سأحتفظ بذكرى كل لحظةٍ قضيناها معاً، بكل همسةٍ، بكل نظرة. لا تحزن يا يوسف، فهناك أقدارٌ خفيةٌ تجمعنا، وهناك لقاءاتٌ مؤجلةٌ تنتظرنا. اجعل من ذكرى ابتسامتي وقوداً لك، لتواصل مسيرتك، لتبني مستقبلك، ولتحيا حياةً تليق بقلبك النقي. سأعود يوماً، حين يأذن الله. حتى ذلك الحين، أبقِ الأمل حياً في قلبك، وأبقِ ابتسامتي في عينيك. زوجتك المحبة، نور."

قرأ يوسف الرسالة للمرة الألف، وربما للمرة المليون. كانت الكلمات بسيطةً، ولكن وقعها كان أشد من ألف سيف. كانت الرسالة هي الشمعة الوحيدة التي أضاءت له دروب الظلام، وهي النبض الوحيد الذي أبقاه على قيد الحياة.

قفزت من مقعده فجأةً، وكأنما استيقظ من غفوةٍ طويلة. نظر حوله، رأى المصلين يغادرون المسجد، ورأى الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب. الوقت لم يكن ينتظره. كان لديه موعدٌ، موعدٌ مع الماضي، وموعدٌ مع المستقبل.

خرج من المسجد، وقطرات المطر قد توقفت، وبدأت الشمس تنشر خيوطها الذهبية على الأفق، مخلقةً لوحةً سماويةً فريدة. أمسك بمفتاحه، ودار به في قفل الباب الخشبي للمكتبة. صوت المفتاح وهو يدور كان كصوتِ نداءٍ قديم، نداءٍ يعود به إلى عالمٍ آخر.

فتح الباب، وتسللت رائحة الكتب القديمة إلى أنفه، ممزوجةً برائحة بخورٍ لم تستطع السنين أن تمحوها. دخل المكتبة، وأغلق الباب خلفه، تاركاً العالم الخارجي وصخبه. كان المكان هادئاً، متربصاً، وكأنه ينتظر عودته بفارغ الصبر.

بدأ بمسح الغبار عن الرفوف، بترتيب الكتب المبعثرة، وإعادة كل شيءٍ إلى مكانه. كانت كل حركةٍ منه تحمل في طياتها ذكرى، ذكرى لنور، ذكرى لحياتهما التي كانت، ولحياتهما التي ستقوم.

وصل إلى مكتبه الخشبي القديم، حيث كانت تجلس نور دائماً، وهي تقرأ، أو تكتب، أو ترسم. وضع يده على سطح المكتب، وشعر بدفءٍ غريبٍ يسري في جسده. تذكر ضحكاتها، تذكر حنانها، تذكر كل تفصيلٍ صغيرٍ في وجهها.

كان لديه هدفٌ واحدٌ الآن، هدفٌ يدفعه للاستمرار، هدفٌ يجعله يقاوم اليأس. كان هذا الهدف هو "نور". كان يعلم أن ابتسامتها لم تكن مجرد ابتسامة، بل كانت الحياة نفسها. وكان عليه أن يعيش، وأن يبتسم، وأن يبني عالماً يليق بابتسامتها.

بين أرفف الكتب، وبين عبق التاريخ، وبين رائحة الماضي، كان يوسف يجدد عهده. عهده لنور، عهده للحياة. وكانت تلك الليلة، في أحضان المكتبة الهادئة، هي بداية الفصل الجديد في حكايته، فصلٌ كتبه بالحبر الأسود على ورقٍ أبيض، ولكن سيُلون بألوان الحب والأمل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%