ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
لغز الماضي وفساد الحاضر
بقلم مريم الحسن
تسللت أشعة الشمس الذهبية بخجلٍ عبر نوافذ منزل العم يوسف، لتلقي بظلالٍ راقصةٍ على الأرضية الرخامية. بدأت الأيام تكتسب وتيرةً أسرع، وتتوالى اللقاءات العائلية، تتخللها أحاديثٌ لطيفةٌ وظاهرية، تخفي تحتها همومًا وتساؤلاتٍ عميقة. كانت السيدة فاطمة، ضيفة البيت، لا تزال تحتفظ بعيونها الثاقبة، وبأسئلتها التي تتسلل كالأفاعي، تحاول أن تكشف عن كل ما هو خفي.
في أحد الأيام، بينما كان أحمد وليلى يتمشيان في حديقة المنزل، وجدتهما السيدة فاطمة. جلست معهما، وبدأت تسأل ليلى عن تفاصيل أكثر عن فترة "الصعوبات" التي مرت بها. "أخبريني يا ليلى، من كانت تلك العائلة التي تحدثتِ عنها؟ هل تعرفينهم جيدًا؟" سألت السيدة فاطمة، ونبرتها تحمل فضولاً يبدو بريئًا، ولكنه يتخفى وراءه تصميمٌ على معرفة الحقيقة. ترددت ليلى. كان ذكر اسم تلك العائلة يثير فيها قشعريرة. "إنها... عائلةٌ بعيدة، يا خالتي. لم أعد أرغب في التفكير فيها." "ولكن، إذا كانت لديهم القدرة على إيذائكِ، فمن واجبنا أن نعرف. لكي نحميكِ." "أحمد معي،" قالت ليلى، ونظرت إلى أحمد، وكأنها تستمد منه القوة. "أعلم أن أحمد يحبكِ،" قالت السيدة فاطمة. "ولكن، الحب قد يعمي البصر أحيانًا. خاصةً عندما يتعلق الأمر بالماضي. هل أنتِ متأكدةٌ من أن ما مررتِ به لم يكن بسبب... أخطاءٍ منكِ؟" ارتعشت ليلى. لم تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. "يا خالتي، لقد أكدتُ لأحمد، وأؤكد لكِ الآن، أنني لم أفعل شيئًا يغضب الله. كل ما حدث كان بسبب ظلمٍ تعرضت له." "الظلم يأتي بأشكالٍ كثيرة، يا ابنتي. أحيانًا، يكون الظلم هو أن نكون سببًا في مشكلةٍ دون أن ندري. هل فكرتِ في احتمالية أن تكوني قد... أسأتِ الاختيار في صداقاتكِ؟" "لقد كنتُ صغيرةً جدًا، يا خالتي. لم أكن أفهم كثيرًا. وكل ما أردته هو أن أعيش حياةً طبيعية." "الطبيعية شيء، والوقوع في الأخطاء شيءٌ آخر. أحمد يستحق امرأةً نقيةً، لم تتلطخ سمعتها بأي شيء." هذه الكلمات كانت قاسيةً جدًا. شعرت ليلى بأنها تتعرض لطعناتٍ متلاحقة. نظر أحمد إلى السيدة فاطمة بغضبٍ مكتوم. "خالتي، كفى! ليلى إنسانةٌ صالحة، وحياتها طاهرة. ما حدث لها كان بسبب ضعفها في فترةٍ ما، وليس بسبب خطيئة." "أحمد، أنا أتحدث بحسن نية. لا أريد أن أرى ابن أختي يقع في ورطة." "ولكنكِ تسببين لليلى الألم، يا خالتي. وهذا ليس من حسن النية." "إذا كان هذا الألم سيحميه من مشكلةٍ مستقبلية، فهو ضروري."
في تلك الأثناء، وصل إلى منزل العم يوسف رجلٌ غريب. لم يكن أحمد يعرفه، ولكنه بدا وكأنه يبحث عن شخصٍ ما. سأل عن ليلى، ولكن العم يوسف، الذي كان مترددًا في البداية، أخبره أنها غير موجودة. غادر الرجل، ولكنه ترك أثرًا من الشك والقلق.
"من كان هذا الرجل؟" سأل أحمد ليلى لاحقًا. "لا أعرف،" قالت ليلى، وهي تشعر بأن ثمة شيئًا ما يحدث. "لم أره من قبل." "بدا وكأنه يبحث عنكِ." "ربما هو من أتباع تلك العائلة القديمة." "هل تتذكرين أي تفاصيل عنه؟" "لا. كان وجهه عاديًا. ولكنه بدا... مرتبكًا."
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت أفكارها تتطاير بين الماضي والحاضر. كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما يهدد زواجها، شيئًا قد يتجاوز فهم أحمد، أو قدرته على حمايتها.
وفي غرفةٍ أخرى، كان أحمد يتحدث مع والدته، السيدة أمينة. "أمي، كلام خالتكِ هذا يزعجني. هل حقًا هناك ما تخفيه ليلى؟" "يا أحمد، ليلى فتاةٌ طيبة، ولكنها تحمل عبئًا ثقيلًا. ربما تكون هناك تفاصيل قد لا ترغب في مشاركتها. ولكن، لا تضغط عليها. دعها تتحدث عندما تشعر بالراحة." "ولكن، ماذا لو كان هناك خطرٌ حقيقي؟ وماذا عن ذلك الرجل الذي جاء اليوم؟" "لا تقلق. سأحاول معرفة من هو."
في اليوم التالي، زارت السيدة أمينة أحد معارفها القدماء، رجلٌ يعمل في جهاتٍ حكومية. سألته عن أخبارٍ تتعلق بتلك العائلة التي يبدو أن ليلى كانت تتعرض لظلمٍ منها. "عائلة آل الدهشاني؟" قال الرجل، وهو يقلب في أوراقه. "نعم، كانت لهم بعض المشاكل في الماضي. ولكن، لم نسمع عنهم شيئًا منذ فترة. لماذا تسألين؟" "فقط فضولٌ عائلي،" قالت السيدة أمينة. "لدينا قصةٌ تتعلق بفتاةٍ تعرضت لبعض المشاكل معهم." "آه، ليلى؟ كانت هناك قضيةٌ قديمة، ولكنها لم يتم إثباتها. كانت هناك اتهاماتٌ بالإضرار بسمعة عائلة آل الدهشاني، ولكن ليلى نفت ذلك بشدة. حتى أن قضيتها أغلقت لعدم كفاية الأدلة. ولكن، من الغريب أن يظهر رجلٌ يبحث عنها الآن." "هل يمكنك معرفة من هو؟" "سأحاول. ولكن، يبدو أن آل الدهشاني لديهم بعض الأذرع الطويلة. قد يكونون يحاولون استعادة ما يعتقدون أنه حقهم."
عندما عادت السيدة أمينة إلى المنزل، بدت أكثر قلقًا. تحدثت مع العم يوسف، وأخبرته بما عرفت. "إذا كانت آل الدهشاني يحاولون استعادة ما يعتقدون أنه حقهم، فهذا يعني أن الأمر جدي. وأن ليلى قد تكون في خطر." "ولكن، ما هو حقهم؟ وماذا يريدون؟" سأل العم يوسف. "هذا هو السؤال الذي يجب أن نجده له جوابًا. لا يمكننا أن ندع هذا الرجل أن يفسد سعادة أحمد وليلى."
كان أحمد يشعر بأن الأمور تتجه نحو الأسوأ. كانت كلمات خالتك، ووصول الرجل الغريب، والمعلومات التي حصلت عليها والدته، كلها تشير إلى أن الماضي ليس ميتًا كما كان يعتقد. كانت ليلى، رغم تمسكها بالصمت، تبدو خائفةً ومتوترة.
"ليلى،" قال أحمد في تلك الليلة، وهي جالسةٌ معه على الشرفة. "أعتقد أنه يجب أن نتحدث بصراحةٍ تامة. لا أريد أن يكون هناك أي شيءٍ بيننا. أخبريني بكل شيء، مهما كان." نظرت ليلى إلى السماء المظلمة، ثم إلى أحمد. شعرت بأنها لا تملك خيارًا آخر. "حسناً يا أحمد. سأخبرك بالحقيقة كاملة. ولكن، أرجو أن تتذكر أنني لم أكن مسؤولةً عما حدث." "أعدكِ بذلك."
بدأت ليلى في سرد قصتها، قصةً مليئةً بالأحداث المؤلمة، والتي كشفت عن جوانب من فسادٍ قديم، وظلمٍ قديم، كان يهدد بالعودة إلى السطح. كانت تلك الكلمات، بمثابة انفجارٍ مدوٍ، سيغير كل شيء.