ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
ظلال الماضي وزلات الحاضر
بقلم مريم الحسن
لم تكن الأمسية كسائر الأمسيات في بيت آل عثمان. ساد جو من الترقب الممزوج بالحزن، وكأن السماء نفسها قد حبست أنفاسها استعداداً لحدث جلل. جلست ليلى في غرفتها، تشاهد من النافذة قطرات المطر تتساقط على زجاج النافذة، محدثةً لحناً حزيناً يتماشى مع خفقان قلبها. كانت قد تلقت اتصالاً من والدتها قبل ساعات، اتصالاً حمل لها خبرًا ألقى بظلاله الثقيلة على مستقبلها. خبرٌ يتعلق بخالد، الرجل الذي ظنت أنها وجدت معه السكينة والطمأنينة، الرجل الذي وعدها بحياةٍ مليئة بالحب والاحترام في كنف دينها وعاداتها.
تذكرت كلماتها الأخيرة لخالد حينما غادر قصرهم بعد زيارةٍ قصيرة، حينما استشعر منها قلقاً لم تستطع إخفاءه. "لا تقلقي يا ابنة قلبي،" قال لها حينها، وعيناه تشعان بالحب والصدق، "كل ما في حياتي يكتمل بوجودك. سنواجه كل شيء معاً." كانت تلك الكلمات بلسمًا لروحها، أما الآن، فقد انقلبت إلى وخزٍ مؤلمٍ في صدرها.
في قاعة الاستقبال الفسيحة، كان والدا خالد، السيد محمود والسيدة زينب، يجلسان بوجوهٍ يعتريها القلق. كان بصرهما يتجه نحو الباب باستمرار، وكأنهما ينتظران من يفك عقدةً أحاطت بحياتهما. بجانبهما، كان أحمد، صديق خالد المقرب، ورجلٌ لم يعرف يوماً سوى الصدق والوفاء. كان حضوره ذا أهميةٍ خاصة، ففي يديه مفاتيحٌ ربما تفتح أبواباً كانت مغلقة.
دق الباب. نهض السيد محمود ببطء، واستقبلهما بترحيبٍ ممزوجٍ بالتحفظ. كانت السيدة ليلى، والدة ليلى، قد وصلت ومعها ابنتها. استقبلتهما بحرارةٍ ظاهرية، لكن نظراتها كانت تحمل ألف سؤالٍ وسؤال. عندما جلست ليلى، التقت عيناها بعيني والدة خالد. كانتا تحملان نبرةً من الأسى المشترك، كأمٍّين تخشيان على فلذات أكبادهما.
بدأت السيدة زينب الحديث بصوتٍ مرتجف قليلاً: "نحن هنا اليوم، يا آل عثمان، لأننا لا نريد أن تكون هناك أي أسرارٍ بيننا. نريد أن نضع الأمور في نصابها، قبل أن تتفاقم." توقفت قليلاً، واستجمعت أنفاسها. "خالد... ابني... لديه ماضٍ لم نتحدث عنه كثيراً."
تنهدت ليلى، وشعرت بأن قلبها يزداد ثقلاً. كانت تعرف أن هناك شيئاً، لكنها لم تتخيل حجمه.
تابع السيد محمود، وهو يمسك بيد زوجته: "خالد في شبابه، ارتكب خطأً. خطأً كان له عواقب وخيمة. لقد كان طائشاً، متحمساً، وأراد أن يثبت نفسه. في فترةٍ كان فيها بعيداً عن محيطه العائلي، وعن قيمنا، تورط في بعض الأمور التي ندينها نحن بشدة."
لم يكن أحمد صامتاً، بل شعر بأن الوقت قد حان ليقول ما لديه. "السيد عثمان، السيدة ليلى،" قال بصوتٍ هادئ لكنه حازم، "خالد رجلٌ صالحٌ الآن، وهذا هو الأهم. لقد تاب عن كل ذنبٍ ارتكبه، وتاب بصدقٍ. لكن، في تلك الفترة، كان له... علاقةٌ. علاقةٌ لم تكن مبنيةً على أسسٍ سليمة."
أحسّت ليلى بأن ساقيها قد ارتختا. "علاقة؟" همست، غير مصدقةٍ ما تسمع.
واصل أحمد: "كانت هناك امرأةٌ في حياته. امرأةٌ لم يكن من المفترض أن تكون كذلك. وقد حدث... ما حدث. ورغم أن الأمور قد تطورت بطريقةٍ لم يكن أحدٌ يتوقعها، إلا أن خالد لم ينفصل عنها تماماً حينها. بل إنها... حملت منه."
انفجر الصمت في الغرفة. لم يكن أحدٌ يتكلم، لكن الصدمة كانت تملأ الأجواء. نظرت ليلى إلى والدتها، التي كانت تنظر إليها بعينين مبللتين. نظرت إلى والدة خالد، التي كانت تعض على شفتها بخوف.
"حملت؟" سألت ليلى بصوتٍ بالكاد مسموع.
أومأت السيدة زينب ببطء. "نعم. كان لديهم طفلة. طفلةٌ لم يعلم بها الكثيرون. خالد كان شاباً، خائفاً، لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الأمر. حاول أن يبقي الأمر سراً. حاول أن يدفع تعويضات، وأن ينهي الأمر بهدوء."
"لكن... لكن هذا لم يحدث، أليس كذلك؟" سألت ليلى، وتشعر بقلبها يرقص بعنفٍ.
أومأ السيد محمود. "لا. لم يحدث. الأمور تعقدت. كانت هناك مطالب، وابتزاز. خالد، ولأنه كان شاباً، ولأنه كان يريد أن يحمي نفسه وعائلته من الفضيحة، لجأ إلى حلولٍ لم تكن صائبة. استدان، وباع بعض ممتلكاته. لكن الأمر لم ينتهِ."
"وماذا عن الطفلة؟" سألت ليلى، صوتها يخفت.
"لقد... لقد توفيت الطفلة." قالت السيدة زينب بصوتٍ متهدج. "هذا ما قاله لنا خالد. قال إنها ماتت بعد ولادتها بفترةٍ قصيرة. لقد كانت هذه الأزمة، وهذه التجربة، هي التي أيقظته. جعلته يتوب. جعله يعود إلى رشده."
"لكن..." قالت ليلى، وهي تحاول استيعاب كل هذه المعلومات. "إذا كانت قد توفيت، فلماذا كل هذا الآن؟"
نظرت السيدة ليلى إلى والدة خالد. "لأن ما حدث لم يكن نهاية القصة، يا ابنتي. بل كان مجرد بدايةٍ أخرى."
تحدث أحمد مرةً أخرى، بنبرةٍ تحمل قدراً من الأسف. "الأمر لم يكن بهذه البساطة. المرأة، أم الطفلة، لم تقبل بما حدث. حاولت أن تستغل خالد. حاول خالد أن يخرج من هذه الورطة بسلام. لكن الأمور تعقدت أكثر وأكثر. كان هناك تدخل من أشخاصٍ آخرين. أشخاصٍ لا يريد لهم خالد أن يعرفهم أحد."
"وما علاقة كل هذا بخالد الآن؟" سألت ليلى، تشعر بأنها تغرق في بحرٍ من الغموض.
"علاقته بخالد الآن..." قالت السيدة ليلى، ونبرتها أصبحت حادةً قليلاً، "هي أن تلك المرأة... لم تختفِ. بل عادت. عادت لتطالب بما تراه حقاً لها. ولأن خالد قد حاول الابتعاد عنها، فإنها استخدمت أسلوباً قاسياً."
"ماذا فعلت؟" سألت ليلى، والخوف يعتريها.
"لقد... ادعت أن الطفلة لم تمت." قالت السيدة زينب، وعيناها تفيضان بالدموع. "ادعت أنها لا تزال على قيد الحياة، وأنها تريد نفقتها. بل أكثر من ذلك، لقد أرسلت لنا... أدلة."
"أدلة؟" تكررت ليلى، وقلبها يوشك أن يقفز من صدرها.
"صور." قالت السيدة ليلى، ونبرتها أصبحت ضعيفة. "صورٌ لطفلةٍ صغيرة. ومعها رسائل تهديد. رسائل تطالب بمبالغ طائلة. ولأن خالد قد بنى حياته الآن، ولديه سمعةٌ، وعملٌ، وعائلةٌ... فإنه يريد أن ينهي هذا الأمر نهائياً."
"لكنه تزوجني." قالت ليلى، وصوتها يرتعش. "ونحن في بداية حياتنا. هل هذه المرأة... هل تريد أن تدمر كل شيء؟"
"هي لا تريد أن تدمر كل شيء، يا ليلى." قال السيد محمود، بنبرةٍ تحمل ثقلاً. "بل هي تظن أنها بذلك تعيد الحق إلى نصابه. لكن خالد، ولأنه رجلٌ شريفٌ الآن، لا يريد أن يدخل في صراعٍ جديد، لا يريد أن يتورط مع أشخاصٍ قد يؤذونه أو يؤذونك. لذا... قرر أن يواجه هذا الأمر مرةً أخرى."
"وكيف سيواجه؟" سألت ليلى، تشعر بأنها في دوامةٍ لا مخرج منها.
"لقد قرر أن يدفع لها. أن يدفع لها كل ما تطلبه، مقابل أن تتركه وشأنه، وأن تعترف بأن الطفلة... ماتت. وأن كل هذا كان مجرد افتراء." قال السيد محمود، وهو ينظر إلى ليلى بعينين تشعان بالأسف. "لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. لقد كانت هناك شروطٌ أخرى. شروطٌ تتعلق بمستقبل الطفلة."
"مستقبل الطفلة؟" قالت ليلى، وهي تشعر بأن كل شيء ينهار حولها. "لكنها ماتت!"
"هذا ما قاله لنا خالد." قال أحمد. "لكن... هناك أمرٌ آخر. الأمر الذي جعلني أقف هنا اليوم، والذي جعلني أشعر بأنني يجب أن أقول كل شيء."
نظر الجميع إليه بترقب.
"خالد... لم يقل لي الحقيقة كاملةً. لقد قال إن الأمور تعقدت، وإن هناك ابتزازاً. لكنه لم يخبرني عن تلك المرأة، وعن الطفلة." قال أحمد، وهو ينظر إلى خالد الذي وصل للتو، وقدمه ترتجف قليلاً. "لقد سمعتُ بالصدفة، من مصدرٍ موثوقٍ جداً، بأن تلك المرأة... لم تفقد طفلتها. بل إنها... ربّتها. وأن الطفلة... لا تزال على قيد الحياة."
انتهى كل شيء. انتهى الصمت، وانفجر العويل. نظرت ليلى إلى خالد، الذي كان وجهه شاحباً كالموت. لم تعد ترى فيه الرجل الذي أحبته، بل غريباً يحمل سراً عظيماً.