ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
اعتراف مؤلم وحقائق مريرة
بقلم مريم الحسن
وقف خالد أمامهم، كمن حكم عليه بالإعدام. لم تعد لديه القدرة على إخفاء الحقيقة، فقد انكشفت كل الستائر، وتمزقت كل الأقنعة. كان وقع كلمات أحمد كصاعقةٍ حلت على رؤوس الجميع، لكنها بالنسبة له، كانت لحظةً أخيرةً من النجاة، لحظةٌ لا يمكن الفرار بعدها.
"نعم." قال بصوتٍ أجش، ارتجف وهو يلفظ الكلمة. "نعم، الطفلة... لا تزال على قيد الحياة."
انفجرت السيدة زينب في بكاءٍ مرير، واحتضنها زوجها السيد محمود، يحاول أن يهدئ من روعها، لكن صدى كلمات خالد كان أقوى من كل محاولاته. ليلى، التي كانت تجلس كتمثالٍ من الشمع، شعرت بأن قلبها قد توقف عن النبض. نظرت إلى خالد، وقد اكتست ملامحها بالذهول والصدمة. هل هذا هو الرجل الذي أحبته؟ الرجل الذي وعدها بصدقٍ وأمانة؟
"يا خالد!" صاحت السيدة ليلى، والدة ليلى، بصوتٍ مرتفعٍ يقطر ألماً. "كيف فعلت هذا؟ كيف أخفيت عنا كل هذا؟"
لم يستطع خالد أن ينظر إلى وجهها. كانت عيناه مثبتتين على الأرض، وكأنه يبحث عن ثغرةٍ في البلاط لينجو بنفسه. "لقد... لقد كنت خائفاً." قال بصوتٍ متقطع. "خائفاً من كل شيء. من عائلتي، من سمعتي، من نفسي."
"ومن ليلى؟" سألت ليلى، صوتها يحمل حدةً لا تعرفها. "هل كنت خائفاً عليها أيضاً؟ أم أنك لم تفكر بها أصلاً؟"
شعر خالد بوخزةٍ في قلبه. لقد أحب ليلى بصدق، وكان يتمنى لها حياةً سعيدةً وهنية. لكن هذه الحقيقة، التي كانت تخمر في داخله لسنوات، قد انفجرت الآن، مخلفةً دماراً لا يمكن ترميمه بسهولة.
"لقد كنت أريد أن أحمي ليلى." قال خالد، وهو يحاول أن يرفع رأسه لينظر إليها، لكنه لم ينجح. "كنت أريد أن أقدم لها حياةً نقيةً، خاليةً من المشاكل. لم أكن أريد أن تتورط في ماضٍ مظلم."
"وماضٍ مظلم؟" صاحت والدة ليلى. "أنت الآن جعلت الحاضر مظلماً، ومستقبلنا معتماً!"
بدأت السيدة زينب تروي ما عرفته من خالد على مدار السنوات الماضية. "في بداية الأمر، حينما اكتشفنا الحمل، كانت الأمور صعبةً جداً. الفتاة، أم الطفلة، كانت تصر على البقاء مع خالد. خالد كان شاباً، لم يكن يعرف كيف يتصرف. حاولنا أن نساعده. حاولنا أن نجد حلاً. دفعنا لها المال، مقابل أن تبتعد. لكنها كانت تصر على البقاء."
"ثم..." قالت السيدة زينب، وعيناها تفيضان بالدموع، "ثم اختفت. اختفت لسنوات. أخبرنا خالد أنها عادت إلى بلدها، وأنها ستنسى كل شيء. نحن صدقناه. كنا نأمل أن يكون الأمر كذلك. لكن، قبل فترةٍ قصيرة، عادت. عادت ومعها الطفلة."
"الطفلة؟" كرر خالد، كأنها كلمةٌ جديدة عليه.
"نعم، الطفلة." قالت السيدة زينب، وهي تنظر إلى خالد بعتابٍ قاسٍ. "لقد أحضرت الطفلة. قالت إنها تريد أن يعيش خالد مع ابنته. أرادت أن تتزوجه. بالطبع، خالد رفض. لم يكن يريد أن يتزوجها، ولم يكن يريد أن يعترف بالطفلة علناً. كان خائفاً على كل شيء."
"ومن هنا بدأت المشكلة الحقيقية." قال السيد محمود، بصوتٍ أصبح أكثر هدوءاً، لكنه حمل ثقلاً أكبر. "الفتاة، لم تكن تريد أن تترك خالد. استخدمت الطفلة كأداة. أرسلت لنا صوراً، ورسائل تهديد. لم تكن تطالب بالمال فقط، بل كانت تطالب بخالد."
"وهذا بالضبط ما حدث." قال أحمد. "لقد أرسلت لي بعض المعلومات. ليس من خالد، بل من مصادر أخرى. المصدر قال لي أن تلك المرأة، وإن كانت تبدو أنها تريد لابنتها أباً، إلا أن الحقيقة أعمق من ذلك. إنها تريد الانتقام. تريد أن تدمر خالد، وتدمر كل ما بناه."
"الانتقام؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها دخلت إلى عالمٍ لا تفهمه.
"نعم، الانتقام." قال أحمد. "لقد تحدثت معها. لم أذكر اسم خالد، بل تحدثت بشكلٍ عام. ورأيت في عينيها شيئاً من الحقد. شيئاً من الرغبة في تدمير حياة شخصٍ ما."
"وهل تعتقد أن خالد قد فعل شيئاً لها؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى خالد، تحاول أن ترى في عينيه أي دليلٍ على صدق كلامه.
"لا أعتقد ذلك." قال أحمد. "لكن، يبدو أن الأمور لم تنتهِ. لقد قالت لي إنها لن تتوقف، وأنها ستكشف كل شيء. وإن لم يستجب خالد لمطالبها، فإنها ستجعل حياته جحيماً."
"وما هي مطالبها؟" سألت ليلى، تتوقع الأسوأ.
"مطالبها... هي أن يعترف بها، وأن يعيش معها، وأن يعتني بابنته." قال السيد محمود، وهو ينظر إلى خالد. "وهذا بالطبع، مستحيل. خالد لا يريد ذلك، وأنتِ يا ليلى، لا تستحقين أن تعيشي في ظل هذه الظروف."
"ولكن، ما الذي سنفعله الآن؟" سألت السيدة ليلى، وهي تشعر بالإحباط. "إذا كانت الطفلة على قيد الحياة، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً."
"الأمر ليس بهذه البساطة." قال خالد، وهو ينهض أخيراً، ويقف بثباتٍ أمامهم. "الحقيقة ليست كما تظنون. أنا... لقد كذبت عليكم. كل ما قلته لكم عن موت الطفلة، وعن ابتزاز تلك المرأة، لم يكن سوى جزءٍ صغيرٍ من الحقيقة."
نظرت إليه ليلى بعينين متسعتين. "ماذا تقصد؟"
"الفتاة، لم تكن فقط تريد أن تتزوجني." قال خالد، وهو ينظر إلى والدته. "بل كانت تريد أن تدمرني. لقد استغلت علاقتي بها، وحملها، لتوقع بي في فخ. لقد كان الأمر مخططاً له منذ البداية."
"من قبل من؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها على وشك الانهيار.
"من قبل... شخصٍ آخر." قال خالد، وهو يغمض عينيه. "شخصٍ كان يريد أن ينتقم مني، وأن يأخذ مني كل ما أملكه. لقد استخدم تلك المرأة، وطفلتها، كأداة."
"وهذا يعني..." قالت السيدة ليلى، وهي تحاول أن تستوعب.
"هذا يعني أن الطفلة... لم تكن ابنتي." قال خالد، وهو يفتح عينيه. "بل كانت ابنة شخصٍ آخر. شخصٍ كان يريد أن يورطني، وأن يجعلني أتحمل مسؤولية أطفاله."
كانت الكلمات كالصواعق، تتساقط على رؤوسهم. نظر الجميع إلى خالد، غير مصدقين ما يسمعون.
"ابنة شخصٍ آخر؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها دخلت في كابوسٍ حقيقي.
"نعم." قال خالد. "لقد فعلت كل ذلك، لأبعد نفسي عن هذه المشكلة. دفعت لها المال، وسمحت لها بأن تتحدث عني. لكنني لم أقبل أبداً بأن تكون الطفلة ابنتي. لأنني كنت أعرف، في قرارة نفسي، أنني لم أرتكب هذا الخطأ. لقد كنت شاباً، لكنني لم أفعل شيئاً بهذا القدر من السوء."
"وماذا عن تلك المرأة؟" سألت السيدة زينب، وهي تنظر إلى ابنها بشك.
"لقد كانت جزءاً من المؤامرة." قال خالد. "لقد استغلتني، ووعدتني بأنها ستتركني وشأني إذا دفعت لها. لكنها لم تفعل. لقد استمرت في المطالبة، واستمرت في التهديد."
"وهل تعتقد أنها الآن ستتوقف؟" سأل السيد محمود.
"لا أعتقد ذلك." قال خالد. "بل أعتقد أنها ستزداد عناداً. لأنها تعلم أنني لم أعد أملك الكثير لأدفعه. ولأنها تعلم أن لدي حياةً جديدةً الآن، حياةً تريد أن تدمرها."
"ولكن، كيف سنثبت كل هذا؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها عالقةٌ بين جدارين.
"هذا هو السؤال الصعب." قال أحمد. "نحن نحتاج إلى دليل. دليلٍ يثبت أن تلك الطفلة ليست ابنة خالد. دليلٍ يثبت أن كل هذا كان مؤامرة."
"ولكن، من هو هذا الشخص الآخر؟" سألت السيدة ليلى. "من هو الذي يريد أن ينتقم من خالد؟"
نظر خالد إلى ليلى، وعيناه تحملان قلقاً عميقاً. "هو شخصٌ قريبٌ منكم." قال بصوتٍ خافت. "شخصٌ لم يخطر لكم أبداً على بال."
كانت هذه الجملة كافيةً لتجعل الارتياب يدب في نفوس الجميع. من هو هذا الشخص؟ من بين كل هؤلاء الأشخاص، من هو القادر على فعل شيءٍ كهذا؟