ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
همسات في سوق العطارين
بقلم مريم الحسن
في قلب المدينة القديمة، حيث تتنافس الأصوات في سوق العطارين، وتتراقص الألوان على بسطات التوابل العطرية، تجولت "ليلى" بخطىً مترددة. كانت رائحة الورد المجفف والبهارات الحارة تمتزج مع عطر التراب المبلل بندى الصباح، خالقةً لوحةً حسيةً فريدة. كانت عيناها، اللتان تشبهان لون العسل الداكن، تتفحصان الوجوه المارة، وكأنها تبحث عن شيءٍ ضائع، أو تنتظر شخصاً غائباً.
ليلى، ابنة عم يوسف، كانت فتاةً رقيقةً، ذات قلبٍ رحيمٍ وشخصيةٍ هادئة. كانت تمتلك جمالاً أخاذاً، ليس فقط في ملامحها، بل في طيبة روحها ورقي أخلاقها. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت تخفي عاصفةً من المشاعر، وصراعاً داخلياً لم يبح به أحد.
كانت قد سمعت بخبر عودة يوسف إلى المدينة، عودةً بعد غيابٍ طويل. كان غياب يوسف عن المدينة، وعن حياتها، بمثابة فراغٍ كبير. كانت تربطها به علاقةٌ وثيقة، علاقةٌ بدأت منذ نعومة أظفارها، نمت مع مرور السنين، وتعمقت مع كل كلمةٍ، وكل نظرة. لم يكن يوسف بالنسبة لها مجرد ابن عم، بل كان أمانها، وسندها، والحلم الذي طالما راودته.
توقفت ليلى أمام بسطةٍ لبيع الأقمشة الفاخرة، حيث كانت الألوان تتنافس في جذب الأنظار. كانت تداعب بيدها قماشاً حريرياً ناعماً، تتخيل كيف سيبدو عليها. ثم تذكرت يوسف، وكيف كان دائماً يعشق الألوان الهادئة، وكيف كان يفضل البساطة والأناقة.
"ألا تبحثين عن شيءٍ مميز يا آنسة؟" صوتٌ أجشٌ قاطع شرودها.
استدارت ليلى، لتجد نفسها أمام بائعٍ عجوزٍ ذي لحيةٍ بيضاء كثيفة، وعينين لامعتين تحملان حكمة السنين. كان يضع على رأسه عمامةً ملونة، ويرتدي عباءةً فضفاضة.
"أنا فقط أتأمل يا عمي،" أجابت بصوتٍ خفيض، ابتسامةٌ خفيفةٌ ترتسم على شفتيها.
"التأمل فنٌ جميل، ولكن لكل فنٍ غرض،" قال العجوز وهو يبتسم. "هل تبحثين عن هديةٍ لشخصٍ عزيز؟"
تورد وجه ليلى قليلاً. "ربما..."
"أرى في عينيكِ بحثاً عن شيءٍ قديم، عن شيءٍ ثمين. هل هو ذكرى، أم وعدٌ بلقاء؟"
ذهلت ليلى من حدة بصر العجوز. كيف عرف؟ هل كان يمتلك موهبةً خاصةً بقراءة الأفكار؟
"كيف عرفت؟" سألت بصوتٍ مدهوش.
"أنا بائعٌ في هذا السوق منذ خمسين عاماً، يا بنيتي. أرى في عيون الناس قصصهم، وأسمع في صمتهم حديثهم. وأنتِ، تحملين في عينيكِ قصةً لم تكتمل فصولها بعد."
ساد صمتٌ قصير، تخللته أصوات الباعة المتجولين وزبائن السوق.
"إنه... إنه ابن عمي،" قالت ليلى أخيراً، صوتها يحمل نبرةً حزينة. "لقد عاد بعد غيابٍ طويل."
"وما الذي يجعلكِ حزينةً لعودة شخصٍ عزيز؟" سأل العجوز بتعجب.
"لقد... لقد كانت هناك ظروف، وتساؤلات. لم يفهم البعض الأمور على حقيقتها. والآن، لا أدري كيف سأواجهه."
"الحقيقة يا ابنتي، كالشمس، تشرق في وقتها، مهما حاول البعض تغطيتها. وأما الظروف، فهي كالغيم، تعبر وتزول."
أخرج العجوز من تحت الطاولة صندوقاً خشبياً صغيراً، وزينه بنقوشٍ عربيةٍ قديمة. فتحه ببطء، ليظهر بداخله قلادةٌ فضيةٌ رائعة، تحمل نقشاً بسيطاً على شكل زهرة.
"هذه القلادة، لها قصة. كانت ملكاً لامرأةٍ عاشت في هذا السوق قبل خمسين عاماً، امرأةٌ أحبت رجلاً من بلدٍ بعيد. لم يستطيعا اللقاء كثيراً، ولكن حبهما بقي قوياً، كبذرةٍ دفنت في الأرض، تنتظر موعدها مع الربيع. هذه القلادة، كانت رمزاً لوعدٍ بينهما، وعدٌ باللقاء، وعدٌ بالمستقبل."
نظرت ليلى إلى القلادة، وشعرت بقلبها يخفق بقوة. كان شكل الزهرة يشبه كثيراً ما كانت ترسمه نور، زوجة يوسف الراحلة. هل كانت هذه مجرد صدفة؟ أم أن القدر كان يلعب لعبته؟
"إنها جميلة جداً،" قالت ليلى بصوتٍ متهدج.
"جمالها ليس في فضتها، بل في قصتها. وكما أن الحب، حين يكون صادقاً، يخلق معجزات، كذلك هذه القلادة، تحمل معها طاقةً من الأمل والوفاء."
"ولكن... ولكن كيف لي أن أشتريها؟"
"هذه القلادة، لم تُبع يوماً بالمال، بل بالقلب. إذا شعرتِ أنها تحمل معنىً لكِ، وللشخص الذي تفكرين فيه، فلتأخذيها. ولكن بشرطٍ واحد."
"ما هو الشرط؟" سألت ليلى بترقب.
"أن تحمليها لمن يستحقها حقاً، وأن تكون سبباً في لم شمل روحين، أو في تذكير قلبٍ بعهدٍ قديم. إذا فعلتِ ذلك، فلتكن هديتي لكِ."
شعرت ليلى بسعادةٍ غامرة. كانت هذه فرصةً لا تعوض. كانت القلادة، تبدو كأنها مفتاحٌ سحري، يفتح أبواب الأمل، ويغلق أبواب اليأس.
"شكراً جزيلاً لك يا عمي،" قالت بامتنانٍ عميق. "أعدك أن أستخدمها فيما يرضي الله، وفيما يجلب الخير."
حملت ليلى الصندوق الصغير، وودعت العطار العجوز. بينما كانت تسير في أزقة السوق، كان عقلها يتسابق. كيف ستقابل يوسف؟ وماذا ستقول له؟ هل ستقبل القلادة؟ وهل سيفهم معناها؟
كان قلبها يغني، مزيجاً من التوتر والأمل. كانت تشعر بأن القدر قد منحها فرصةً فريدة، فرصةً لتقريب المسافات، وإعادة بناء جسور الثقة.
توقفت أمام محلٍ للعطور، واشتمت روائح مختلفة. ثم تذكرت رائحة يوسف، التي كانت دائماً ما تحمل عبق المسك والعنبر. كانت تتمنى لو تستطيع أن تهدي له عطراً، عطراً يذكرها باللحظات الجميلة التي قضياها معاً.
"هل أعجبكِ شيء؟" سألتها بائعةٌ شابة، ذات ابتسامةٍ مشرقة.
"أنا فقط أبحث عن شيءٍ مميز،" أجابت ليلى.
"لدينا عطرٌ جديد، اسمه 'عبير الأمس'. إنه مزيجٌ من الورد والياسمين، مع لمسةٍ خفيفةٍ من خشب الصندل. يقولون إنه يذكر الناس بالذكريات الجميلة، ويجلب لهم السعادة."
نظرت ليلى إلى الزجاجة الأنيقة، وشعرت بانجذابٍ غريب. "أريد أن أجربه."
بعد أن جربت العطر، شعرت وكأنها قد وجدت ضالتها. كان العطر فعلاً يحمل عبق الماضي، ورائحة الأمل. كان مثالياً ليوسف.
"سآخذه،" قالت ليلى بحزم. "ولكن، هل لديكم علب هدايا أنيقة؟"
"بالتأكيد،" أجابت البائعة، وهي تبتسم. "لدينا أجمل العلب."
بين سوق العطارين، وبين رائحة الأمس، كانت ليلى تجمع خيوط الأمل. كانت تشعر بأن هذه الزيارة، لم تكن مجرد تسوقٍ عابر، بل كانت بدايةً لرحلةٍ جديدة، رحلةٌ قد تعيد ترتيب حياتها، وحياة يوسف.