ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
خيوط المؤامرة وشبح الماضي
بقلم مريم الحسن
شعر خالد بثقل الكلمات التي نطق بها. لم تكن مجرد عباراتٍ عابرة، بل كانت أشبه بخيوطٍ سميكةٍ تنسج حولهم شبكةً من الشك والارتياب. "شخصٌ قريبٌ منكم." كانت هذه الجملة تدور في أذهان الجميع، كصدىً مزعجٍ لا يريد أن يفارقهم.
نظرت ليلى إلى والديها، ثم إلى خالتها، ثم إلى أحمد، ثم عادت لتنظر إلى خالد. لم تستطع أن تجد أي تعبيرٍ في وجوههم يوحي بالذنب أو الخيانة. الجميع يبدو صدمةً، مرتبكاً، بل ومتألماً.
"من تقصد، يا خالد؟" سأل السيد عثمان، والده، بصوتٍ يحمل مزيجاً من الغضب والقلق. "من هو هذا الشخص الذي يفكر في تدمير حياة ابني؟"
ظل خالد صامتاً للحظات، وكأنه يستجمع شجاعته، أو يبحث عن الكلمات المناسبة. "لقد... لقد راقبت الأمر لفترةٍ طويلة." قال أخيراً، بصوتٍ أصبح أعمق وأكثر تأثيراً. "لقد شعرت بأن هناك شيئاً خاطئاً. شعرت بأن تلك المرأة لم تكن تتصرف بمفردها. لقد كانت تتلقى تعليمات. وعندما بحثت، وعندما حاولت أن أجد دليلاً، اكتشفت أن هناك يداً خفيةً تسحب الخيوط."
"ومن هي هذه اليد؟" سأل أحمد، الذي كان يتابع بقلقٍ شديد.
"هي يدٌ تعرفنا جميعاً." قال خالد، وهو يلتفت ليبتعد عن الأنظار، وكأنه يريد أن ينظر إلى جدارٍ يمثل حاجزاً بينه وبين الآخرين. "هي يدٌ نسعى جميعاً لإرضائها. هي يدٌ... عائلية."
انفجرت موجةٌ أخرى من الصدمة. عائلية؟ هل هذا يعني أن أحد أفراد عائلتهم هو العقل المدبر لكل هذه المؤامرة؟
"لا يمكن!" صاحت السيدة ليلى، والدة ليلى. "من منا يستطيع أن يفعل شيئاً كهذا؟"
"هذا ما كنت أقوله لنفسي." قال خالد، وهو يتنهد. "لكن الأدلة... لا تكذب. لقد وجدت اتصالاتٍ مريبة. رسائل بريدٍ إلكتروني مشفرة. كل هذه الأشياء تشير إلى شخصٍ واحد."
"ومن هو هذا الشخص؟" سأل السيد محمود، والد خالد.
"هو... هو شخصٌ كان يريد أن يأخذ كل شيءٍ مني." قال خالد، وصوته يكاد لا يُسمع. "كان يريد أن يربطني به، وأن يجعلني عبداً له. وعندما رفضت، بدأ في التخطيط لتدميري."
"ولماذا لم تخبرنا بكل هذا مبكراً؟" سألت ليلى، وهي تشعر بالخيانة تتضاعف.
"لأنني لم أكن متأكداً." قال خالد. "ولأنني كنت خائفاً. خائفاً من أن أتهم شخصاً بريئاً. وخائفاً من أن أثير فتنةً داخل العائلة. لكن الآن، لم يعد هناك مجالٌ للشك. لقد حان الوقت للكشف عن الحقيقة."
"وما هي الحقيقة؟" سأل السيد عثمان.
"الحقيقة هي أن تلك المرأة، السيدة... (اسم المرأة، يمكن أن يكون خيالياً أو مأخوذاً من سياق آخر لم يتم تقديمه بعد، لكن لنفترض أن الاسم هو 'نورة')... السيدة نورة، لم تكن وحدها. لقد كانت تتلقى أوامرها من شخصٍ آخر. شخصٍ يملك سلطةً ونفوذاً، وشخصٍ يعرف جيداً كيف يلعب لعبة الانتقام."
"ومن هو هذا الشخص؟" سأل السيد محمود.
"هو..." توقف خالد، وكأنه يشعر بوطأة الاعتراف. "هو... (اسم الشخص، لنفترض أنه 'سالم')... سالم."
انفجر السيد محمود في الضحك، لكنه ضحكٌ مريرٌ خالٍ من أي فرح. "سالم؟ سالم بن عمي؟ كيف يمكن أن يفعل شيئاً كهذا؟"
"لقد كان دائماً يشعر بالغيرة مني." قال خالد. "كان يشعر بأنني أفضل منه، وأنني أحصل على كل شيءٍ بسهولة. لقد أراد أن يثبت لنفسه، وللجميع، أنه أقوى مني، وأنه لا يمكن لأحدٍ أن يتفوق عليه."
"ولكن، كيف عرف سالم عن علاقتي بنورة؟" سأل خالد.
"هذا هو الجزء الذي لم أستطع فهمه بشكلٍ كامل." قال خالد. "لكن يبدو أنه كان يراقبني. أو ربما، نورة نفسها قد اتصلت به، وأخبرته بما حدث، ورأت فيه فرصةً لتحقيق أهدافها."
"وهل لديك دليلٌ على ذلك؟" سأل السيد عثمان، وهو ينظر إلى خالد بعينين تحملان مزيجاً من الغضب والحزن.
"لدي بعض الأدلة." قال خالد. "لقد تمكنت من الحصول على بعض الرسائل، وبعض التسجيلات. رسائلٌ تتضمن خططاً، ورسائلٌ تتضمن تعليمات. كلها تشير إلى سالم."
"وهل سيصدق أحدٌ هذا؟" سأل السيد محمود، وهو يضم ابنته ليلى إلى صدره. "هل سيصدق الجميع أن سالم، رجلٌ في عمره، ومن عائلتنا، يمكن أن يفعل شيئاً كهذا؟"
"الحقيقة قاسيةٌ، يا أبي." قال خالد، وهو ينظر إلى والده. "لكنها الحقيقة. ولقد حان الوقت لنواجهها."
"وماذا عنكِ يا ليلى؟" سأل السيد عثمان، متجهاً نحوها. "هل صدقتِ ما يقوله خالد؟"
نظرت ليلى إلى خالد. كانت عينيه تفيضان بالصدق والألم. لقد كان ماضيه مظلماً، لكنه الآن، كان يحاول جاهداً أن يبني مستقبلاً مشرقاً. "أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول." قالت بصوتٍ مرتجف. "كل ما حدث صادمٌ جداً. لكنني... سأثق بخالد. سأثق بأن لديه الدليل، وسأثق بأنه يريد أن ينهي هذا الأمر."
"ولكن، ماذا سنفعل بسالم؟" سأل السيد محمود. "هل سنواجهه؟"
"نعم." قال خالد. "سنواجهه. ولكن بحذر. لأنه إذا عرف بأننا نعرف الحقيقة، فقد يفعل شيئاً أكثر سوءاً."
"وماذا عن نورة؟" سألت السيدة زينب.
"نورة... هي مجرد أداة." قال خالد. "هي تلعب دورها الآن. لكن إذا أبعدنا سالم، فإن دورها سينتهي."
"وهذا يعني أننا سنواجه سالم." قال السيد محمود، وهو يشد على قبضته. "سنواجهه، وسنكشف حقيقته. لن ندع أحداً يدمر حياتنا."
"لكن، كيف سنبدأ؟" سأل السيد عثمان. "إذا كان لديه كل هذه النفوذ، فكيف سنواجهه؟"
"سنبدأ بالدليل." قال خالد. "سنعرض الدليل على كبار العائلة. سنعرضه على من لديهم سلطةٌ وقدرةٌ على اتخاذ القرار. سنكشف كل شيء."
"وماذا إذا رفضوا تصديقنا؟" سأل السيد محمود.
"إذا رفضوا، فإننا سنلجأ إلى طرقٍ أخرى." قال خالد، بنبرةٍ تحمل إصراراً. "لن أدع أحداً ينجو بفعلته. لن أدع أحداً يدمر حياتي، وحياة ليلى."
"ولكن، قبل كل شيء..." قالت ليلى، وهي تنظر إلى خالد، بعينين مليئتين بالأمل، "هل أنت متأكدٌ من أن هذه الطفلة ليست ابنتك؟"
نظر خالد إلى ليلى، وقد اختلطت مشاعره بين الألم والأمل. "أنا متأكدٌ يا ليلى. في قرارة نفسي، كنت أعرف ذلك دائماً. لكنني كنت خائفاً من أن أقول ذلك. وخائفاً من أن أتسبب في المزيد من الألم."
"إذاً، يجب علينا أن نثبت ذلك." قالت ليلى. "يجب أن نثبت أن هذه الطفلة ليست ابنتك، وأن سالم هو العقل المدبر وراء كل هذا."
"سنفعل." قال خالد، وهو يمد يده ليمسك بيدها. "وسنواجه هذه المحنة معاً."
شعرت ليلى بدفءٍ يسري في عروقها، رغم كل ما يحدث. كان خالد قد خان ثقتها بماضيه، لكنه الآن، كان يحاول أن يعيدها. كانت هذه المحنة قاسية، لكنها ربما تكون الفرصة الوحيدة لكي تتخلص من ظلال الماضي، وتبني مستقبلاً قوياً.