ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
لقاءٌ تحت ظل الشجرة العتيقة
بقلم مريم الحسن
كانت الشجرة العتيقة، التي تتوسط ساحة القرية، شاهدةً على أجيالٍ وقصص. أغصانها الممتدة كأذرعٍ تحتضن السماء، وأوراقها المتساقطة تشكل سجادةً ذهبيةً في الخريف، كانت ملاذاً للمتعبين، ومكاناً للقاء العشاق، ومسرحاً لأحلام اليقظة. تحت ظل هذه الشجرة، اختارت "فاطمة" أن تنتظر.
فاطمة، الشابة الجميلة التي ورثت من جدتها عينيها الواسعتين وروحها المرحة، كانت تعيش في القرية منذ ولادتها. كانت تعرف كل شبرٍ فيها، كل حجرٍ، وكل بيت. ولكن هذه المرة، كان انتظارها مختلفاً. كان انتظاراً مشوباً بالترقب، وبالقلق، وبالأمل.
كانت قد سمعت أن "أحمد"، الشاب الذي ترك القرية منذ سنواتٍ بحثاً عن الرزق، قد عاد. أحمد، الذي كانت تربطها به ذكرياتٌ جميلة، ذكرياتٌ لم تستطع الأيام أن تمحوها. كان أحمد هو أول حبٍ في حياتها، وأول شخصٍ جعل قلبها يخفق بهذا الشكل.
تأملت فاطمة أوراق الشجرة المتساقطة، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ حزينة. تذكرت أحمد وهو يقف أمام هذه الشجرة، وهو يغرس فيها بذرةً صغيرة، قائلاً: "لتكن هذه الشجرة شاهداً على حبنا، وعلى وعدنا بأن نعود لنجدها وقد نمت وازدهرت."
مرت سنواتٌ، والشجرة نمت وازدهرت، ولكن أحمد لم يعد. ظنت فاطمة أن حلمها قد تبخر، وأن وعده قد ضاع في زحمة الحياة. ولكن اليوم، ومع عودته، عادت الأمل إلى قلبها.
"هل أنتِ فاطمة؟" صوتٌ عميقٌ وقوي، قاطع شرودها.
استدارت فاطمة بسرعة، لتجد نفسها وجهاً لوجه مع أحمد. كان قد تغير، أصبح رجلاً أكثر نضجاً، وملامحه أصبحت أكثر قوة. ولكن عينيه، نفس العينين اللتين تذكرتهما، كانت تحملان نفس البريق.
"أحمد؟" قالت فاطمة بصوتٍ متهدج، وكأنها لا تصدق ما تراه.
"نعم، أنا أحمد. لقد عدت."
لم تجد فاطمة ما تقوله. وقفت واقفةً، وعيناها لا تفارقان وجهه. كانت ترى في ملامحه تفاصيل قديمة، وتفاصيل جديدة.
"لقد كبرتِ يا فاطمة،" قال أحمد بابتسامةٍ واسعة. "وأصبحتِ أجمل."
"وأنت أيضاً،" أجابت فاطمة، ولا تزال تتأتأ. "لقد عدت."
"نعم، عدت. والحمد لله."
ساد صمتٌ طويل، لم تقطعه سوى زقزقة العصافير فوق الشجرة. كانت الأجواء مشحونةً بالكلمات غير المنطوقة، وبالمشاعر المكبوتة.
"هل تتذكرين هذه الشجرة؟" سأل أحمد، مشيراً إلى جذعها الضخم.
"نعم، أتذكر. لقد زرعت فيها بذرةً."
"كنت متأكداً أنها ستنمو، تماماً كما كنت متأكداً من أننا سنلتقي يوماً ما."
"لماذا تأخرت كل هذه السنين؟" سألت فاطمة أخيراً، صوتها يحمل نبرةً من العتاب.
"الحياة يا فاطمة، ليست دائماً كما نتمنى. لقد سافرت، وعملت، وحاولت أن أبني مستقبلاً يليق بكِ. ولكنني كنت دائماً أشعر بأن شيئاً ما ناقص. شعرت بأن روحي لم تجد راحتها إلا في هذه الأرض، في هذا المكان، وفي وجودك."
"كنتُ أنتظر..." قالت فاطمة بصوتٍ خافت.
"أعلم. وأنا آسف على كل لحظةٍ شعرتِ فيها بالوحدة أو الحزن. ولكن الآن، لقد عدت، ولن أرحل مرةً أخرى."
شعرت فاطمة بدموعٍ تتجمع في عينيها. لم تكن دموع حزن، بل دموع فرحٍ وامتنان.
"هل... هل أنت متزوج؟" سألت فاطمة، بصوتٍ يرتعش.
ابتسم أحمد. "لم أجد بعد المرأة التي تستحق قلبي. كنت دائماً أبحث عنكِ، حتى وأنا بعيد."
"كنتُ أيضاً..." قالت فاطمة، وهي تنظر إلى الأرض.
"هل تريدين أن نعطي فرصةً أخرى لقصتنا؟ قصة حبنا التي بدأت تحت هذه الشجرة؟"
شعرت فاطمة بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها. "نعم، أريد."
"إذن، هل تسمحين لي بأن أطلب يدكِ من والدك؟"
ارتعش جسد فاطمة من الفرح. "نعم، اسمح لك."
"سأذهب لأقابله الآن. وأعدك، أنني لن أدعكِ تنتظرين طويلاً مرةً أخرى."
نهض أحمد، ووضع يده على كتف فاطمة. "سأعود قريباً."
وبينما كان أحمد يبتعد، كانت فاطمة لا تزال واقفةً تحت الشجرة، قلبها يخفق بعنف، وعيناها تلمعان بالفرح. كانت الشجرة، التي كانت شاهداً على وعدٍ قديم، أصبحت الآن شاهداً على بدايةٍ جديدة.