ابتسامتك حياتي الجزء الثاني
صراع الروح في أتون الشك
بقلم مريم الحسن
كانت ليالي فاطمة بعد خطبتها من طارق أشبه بنسيجٍ ممزقٍ بين أملٍ واهٍ وخوفٍ مستحكم. كلما غفت عيناها، استيقظت على كوابيسَ تُلوّنُ مستقبلهما بظلالٍ داكنة. لم يكن القلقُ من الغدِ وحده ما يُثقلُ صدرها، بل كان ذنبٌ خفيٌّ يتسللُ إلى زوايا روحها، يُذكرها بكلماتٍ قالها والدها، وبتلقيحٍ زُرع في قلبها من قِبلِ أقربِ الناسِ إليها.
في ذلك المساء، جلست فاطمة في غرفتها، تُقلّبُ صفحاتِ كتابٍ قديمٍ ورثته عن جدتها، علّها تجدُ فيهِ عزاءً أو إلهاماً. ضوءُ المصباحِ الخافتُ يُلقي بظلالٍ راقصةٍ على الجدران، وكأنها تُجسّدُ الاضطرابَ الذي يعصفُ بداخلها. كان عطرُ الياسمينِ الذي تفوحُ بهِ وسائدُها بالكادِ يُخففُ من وطأةِ الأفكارِ السوداءِ.
"لماذا يا طارق؟" كانت هذهِ الكلماتُ تُرددُها في سِرّها، كصدىً موجعٍ لا يكفُ عنِ الارتطامِ بصخرةِ قلبها. إنها لم تفهمْ كيفَ يمكنُ لإنسانٍ يُحبُّها، ويُبدي لها من الودِّ ما لا يوصف، أن يخفيَ سراً كهذا. سرٌّ لم يخرجْ منها إلا بقطراتٍ من العرقِ والدموعِ، بعدَ إلحاحٍ شديدٍ، وبعدَ أنْ كادتْ أنْ تخنُقَ نفسها بالصمت.
كانتْ تتذكرُ تلكَ الليلةَ بوضوحٍ صارخٍ. عشاءٌ عائليٌّ حميمٌ، ضحكاتٌ مُتداخلة، أحاديثٌ عن المستقبل، عن بيتٍ صغيرٍ يجمعُهما، عن أطفالٍ يُملؤون عليهما حياتهما. ثم، فجأةً، انطفأتْ الأضواءُ في عينيها. سألتهُ بابتسامةٍ ما زالتْ تخبئُ بين طياتها بقايا فرحٍ، "هلْ لديكَ شيءٌ تريدُ أنْ تُخبرني بهِ يا طارق؟ أيُّ سرٍّ صغيرٍ يُضفي على سعادتنا نكهةً خاصَّة؟"
أجابها بصوتٍ هادئٍ، يكادُ يكونُ همساً، "الحياةُ لا تخلو من المفاجآتِ يا فاطمة. وأنا... أنا لا أُخفي عنكِ شيئاً يُمكنُ أنْ يُعكّرَ صفوَ قلوبنا."
ولكنْ، بعدَ أيامٍ قليلةٍ، وعندما كانتْ تُرتّبُ بعضَ أوراقه، عثرتْ على رسالةٍ قديمةٍ، كانتْ مُخبأةً بعنايةٍ فائقةٍ في جيبِ سترةٍ قديمةٍ. الرسالةُ كانتْ موجهةً إلى طارق، تحملُ توقيعَ امرأةٍ لم تعرفها. بدأتْ بقراءةِ ما فيها، فتكشّفتْ لها حقيقةٌ مُرعبة، حقيقةٌ لم تكنْ لتتخيلها في أشدِ كوابيسها. الرسالةُ كانتْ تتحدثُ عن دينٍ كبير، عن قمارٍ، عن رهاناتٍ خطيرة، وعن وعدٍ غادرٍ بتبديدِ كلِّ شيءٍ.
نظرتْ فاطمةُ إلى صورةِ طارق المعلقةِ على الجدار، ابتسامتهُ الواثقةُ، عينيهِ اللتانِ كانتا تُشعّانِ بالصدقِ في نظرها. كيفَ لعينينِ هكذا أنْ تخفيا خلفهما عالماً من الظلام؟ كيفَ لقلبٍ أقسمَ لها بالحبِّ والوفاءِ أنْ يكونَ قد لعبَ بأوراقٍ كهذه؟
تذكرتْ حديثها مع والدها. كانَ قد حذّرها مراراً وتكراراً من بعضِ الأصدقاءِ الذينَ يُرافقهم طارق، من بعضِ الأماكنِ التي يترددُ عليها. كانتْ تُجيبهُ بإنكارٍ، مُدافعةً عنْ طارق، مُؤمنةً برَجاحِ عقلهِ وسُموّ أخلاقه. "أبي، أنتَ تُبالغ. طارقٌ شابٌّ نقيٌّ. هؤلاءِ مجردُ أصدقاءٍ لا أكثر."
لكنْ الآن، كلُّ كلمةٍ قالها والدها كانتْ تقفزُ أمامَ عينيها كحقيقةٍ لا مفرَّ منها. شعرتْ بالخيانةِ، لا من طارق وحده، بل من نفسها أيضاً. كيفَ سمحتْ لغفلتها أنْ تُعميها عنْ حقائقَ كانتْ واضحةً لمنْ يراقبُ منْ بعيد؟
في تلكَ الليلة، قررتْ فاطمةُ المواجهة. لم تستطعْ أنْ تعيشَ في كذبةٍ. الحبُّ الحقيقيُّ، في مفهومها، يقومُ على الشفافيةِ والصدقِ التام. كيفَ يمكنُ أنْ تبنيَ بيتاً مع رجلٍ يخفي أسراراً قد تُهددُ مستقبلها ومستقبلَ أبنائها؟
اتصلتْ بطارق، صوتها مرتجفٌ قليلاً، "طارق، هلْ يمكنُ أنْ نلتقيَ غداً؟ أريدُ أنْ أتحدثَ معكِ في أمرٍ هامٍ جداً."
شعرَ طارقٌ بنبرةِ صوتها، فأجابَ بقلقٍ مكتوم، "بالطبعِ يا حبيبتي. ما الأمر؟ هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟"
"سنعرفُ غداً،" قالتْ فاطمةُ، ثمَّ أغلقتِ الخطَّ قبلَ أنْ يُتمَّ طارقٌ سؤاله.
أدارتْ ظهرها للنافذة، وقفتْ في منتصفِ الغرفة، تنظرُ إلى الفراغ. لم تعدْ ترى الياسمينَ، ولا ضوءَ المصباح. كانتْ ترى فقط صورةَ طارق، تارةً بابتسامتهِ، وتارةً بظلالِ السرِّ الذي يُخفيه. كانتْ هذهِ المواجهةُ ليستْ فقط لاختبارِ صدقِ طارق، بل لاختبارِ إيمانها بنفسها، وبقدرتها على تحملِ مسؤوليةِ قرارٍ قد يُغيرُ مجرى حياتها بالكامل. كانتْ أعمقُ المعاركِ هي المعاركُ الداخلية، معركتها مع شكوكها، ومع رغبتها في الحبِّ، ومع واقعٍ بدأتْ تتكشفُ خيوطهُ المعقدة.
بينما كانتْ تُفكرُ في الكلماتِ التي ستُلقيها، أحسّتْ بثقلٍ هائلٍ على صدرها. إنها لم تكنْ مجردَ امرأةٍ تُخططُ لمستقبلها، بل كانتْ نبضةً في قلبِ عائلة، تحملُ على عاتقها إرثاً من القيمِ والتقاليد. قرارها اليومَ لنْ يؤثرَ عليها وحدها، بل سيترددُ صداهُ في أرجاءِ بيتِها، وبينَ أهلها.
جذبتْ نفساً عميقاً، حاولتْ استجماعَ قوتها. كانتْ تعرفُ أنَّ الصدقَ، حتى لو كانَ مؤلماً، هو السبيلُ الوحيدُ للخلاص. كانَ عليها أنْ ترى ما خلفَ ابتسامةِ طارق، وأنْ تعرفَ الثمنَ الحقيقيَّ لتلكَ الحبِّ الذي بدأتْ تُبنى عليهِ آمالها. لم يكنْ الأمرُ يتعلقُ فقط بـ"إدمانٍ" على حبٍّ لم تعرفْ حقيقتهُ بعد، بل بإدمانٍ على وهمٍ قد يتحطمُ في أيِّ لحظة.
نظرتْ إلى ساعةِ الحائط، عقاربها تتحركُ ببطءٍ مُهين. كلُّ دقيقةٍ تمرُّ كانتْ تُزيدُ من وطأةِ الانتظار. لكنها لم تكنْ تنتظرُ شيئاً سلبياً بالضرورة. ربما، كانتْ هذهِ اللحظةُ هي نقطةَ التحوّل، هي البدايةُ الحقيقيةُ لقصةِ حبٍّ تتجاوزُ السطحَ، وتغوصُ في أعماقِ الروح. لكنْ، إلى أيِّ عمقٍ ستغوصُ؟ هذا ما كانتْ فاطمةُ تسعى لمعرفته.