ابتسامتك حياتي الجزء الثاني

وجع الحقيقة في مرآة الروح

بقلم مريم الحسن

اجتمعَ طارقٌ وفاطمةُ في حديقةِ المنزلِ الهادئة، حيثُ تتراقصُ أوراقُ الشجرِ مع نسائمِ المساءِ العليلة. كانتْ رائحةُ الأرضِ النديةُ تمتزجُ بعطرِ الزهورِ البرية، مُشكّلةً أجواءً رقيقةً، لكنها لم تستطعْ أنْ تُخففَ من ثقلِ ما سيُقال. جلسَ طارقٌ بجانبِ فاطمة، عيناهُ تُبحرانِ في وجهها، يبحثُ عنْ أيِّ أثرٍ للقلقِ الذي شعرَ بهِ في صوتها.

"ما الأمرُ يا فاطمة؟" سألَ بصوتٍ حنونٍ، يحاولُ أنْ يُطمئنها، لكنّ قلقهُ كانَ يتزايدُ معَ كلِّ ثانيةٍ تمرُّ.

أخذتْ فاطمةُ نفساً عميقاً، نظرتْ إلى عينيهِ مباشرةً، وكانَ هذا بحدِّ ذاته تحدٍّ لروحها. "طارق، هلْ أُحبُّكَ؟"

توقفَ طارقٌ لحظةً، ثمَّ ابتسمَ ابتسامةً واسعة، "أنتِ تعرفينَ الإجابةَ يا فاطمة. أنتِ حياتي."

"ولكنْ، هلْ تعرفُ أنتَ حياتي؟" ردّتْ، صوتها أصبحَ أكثرَ صلابةً، "هلْ تعرفُ ما الذي يُعكّرُ صَفْو حياتي؟"

تجمدَ طارقٌ في مكانه، ابتسامتهُ اختفتْ. شعرَ بشيءٍ غريبٍ يتسللُ إلى قلبه، شعورٌ يشبهُ وخزَ السكين. "ماذا تقصدينَ يا فاطمة؟"

"كنتُ أُرتّبُ أغراضكَ،" بدأتْ فاطمةُ، تتجنبُ النظرَ إليهِ الآن، وتُركّزُ على نقطةٍ وهميةٍ في التراب، "عثرتُ على رسالة."

تلوّنتْ ملامحُ طارقٍ بلونٍ باهتٍ. شدّ قبضتيهِ، وأحسَّ ببرودةٍ تسري في أطرافه. "رسالة؟ أيُّ رسالة؟"

"رسالةٌ تتحدثُ عنْ قمارٍ، عنْ ديونٍ، عنْ رهاناتٍ... عنْ وعدٍ بإخفاءِ كلِّ شيءٍ."

كانَ الصمتُ الذي تلا كلماتها أثقلَ من أيِّ كلام. لم ينطقْ طارقٌ بكلمةٍ، بل كانَ يُحدّقُ في الأرضِ كمنْ ابتلعَ لسانه. ملامحهُ كانتْ تنطقُ بالهزيمة، بالذنب.

"لماذا يا طارق؟" سألتْ فاطمةُ، صوتها بدأَ يرتعشُ، "لماذا لم تُخبرني؟ لماذا تركتني أعيشُ في وهمٍ جميلٍ؟"

رفعَ طارقٌ رأسهُ ببطءٍ، عينيهِ كانتْ تلمعانِ بالدموعِ، دموعٌ لم ترها فاطمةُ من قبل. "كنتُ أخشى أنْ أخسركِ يا فاطمة. كنتُ أخشى أنْ تهربي مني إذا عرفتِ. لقدْ وقعتُ في خطأٍ كبيرٍ، خطأٌ أردتُ أنْ أتجاوزهُ قبلَ أنْ يُصبحَ أمراً واقعاً."

"ولكنّكَ لم تتجاوزهُ! بلْ تعمّقتْ فيهِ أكثر!" ارتفعتْ نبرةُ صوتِ فاطمة، وهيَ تُحاولُ أنْ تُسيطرَ على انفعالاتها، "كانَ يجبُ أنْ تُخبرني. الحبُّ لا يُبنى على الأسرارِ والخداعِ يا طارق."

"أنا لم أخْدعكِ!" صاحَ طارقٌ، صوتهُ متهدجٌ، "كنتُ أحاولُ حمايةَ حبنا. كنتُ أعرفُ أنَّ هذا الخطأَ كبيرٌ، وأنَّهُ قدْ يُنهي كلَّ شيء. لكنّني كنتُ أُؤمنُ بأنّني أستطيعُ إصلاحهُ بنفسي."

"بأيِّ ثمن؟" سألتْ فاطمةُ، "بثمنِ كرامتك؟ بثمنِ صدقكَ؟ بثمنِ مستقبلكَ ومستقبلي؟"

"لقدْ فقدتُ السيطرةَ يا فاطمة. بدأتُ بأشياءٍ بسيطة، ثمَّ تزايدَ الأمر. كانتْ مرحلةَ ضعفٍ، مرحلةَ إدمانٍ على المخاطرةِ، على وهمِ الربحِ السريع. لكنّني كنتُ أُحبكِ، وحبّكِ كانَ هوَ المرساةَ التي تُعيدني إلى رُشدي. كنتُ أُخططُ لأنْ أُخبركِ بكلِّ شيءٍ بعدَ أنْ أُسدّدَ كلَّ ديوني، بعدَ أنْ أُصبحَ رجلاً يستحقُّكِ."

"لكنّكَ لستَ وحدكَ في هذهِ الحياةِ يا طارق. هناكَ عائلتي، هناكَ عائلتي التي ستُصبحُ عائلتكَ. ما كانَ لكَ أنْ تُخفي عنهم، وعنّي، أمراً بهذهِ الخطورة. ألمْ تُفكرْ في العواقب؟"

"فكرتُ، بلْ أفكرُ الآنَ بكلِّ لحظةٍ." قالَ طارقٌ، وصوتهُ يخرجُ بصعوبةٍ، "لقدْ أدركتُ الخطأَ الآنَ بكلِّ وضوح. أنتِ، يا فاطمة، كنتِ النورَ الذي كشفَ لي ظلمةَ طريقي. وأنا... أنا أعتذرُ منكَ. أعتذرُ من كلِّ قلبي."

وقفتْ فاطمةُ، كانتْ تشعرُ بالدوار. حبُّ طارقٍ كانَ حقيقياً، لكنّ خطأهُ كانَ أكبرَ منْ أنْ يُستهانَ به. إدمانُ القمارِ، ذلكَ الوحشُ الذي يُهددُ العائلاتِ، كيفَ لم يُدركْ خطورته؟ كيفَ سمحَ لنفسهِ بالانزلاقِ إلى هذا المستنقع؟

"لا أعرفُ ماذا أقولُ يا طارق. لقدْ جرحتني جرحاً عميقاً. ليسَ فقط بسببِ المالِ أو الديون، بل بسببِ الكذب. الكذبُ على منْ يُفترضُ أنْ يكونَ شريكَ حياتكَ."

"أنا أعرفُ ذلك. وأنا مستعدٌّ لتقديمِ أيِّ شيءٍ لتصحيحِ خطئي. سأُخبرُ والديّ، سأُخبرُ والدكِ. سأُسددُ كلَّ ديوني. لنْ أكذبَ عليكِ بعدَ الآن. أعدكِ."

نظرتْ فاطمةُ إلى وجههِ البائس، إلى عينيهِ الصادقتينِ الآن، ولم تستطعْ أنْ تُنكرَ حبها له. لكنّها أيضاً لم تستطعْ أنْ تتجاهلَ الخطرَ الذي يُشكّلهُ هذا الإدمان.

"لقدْ أفسدتَ كلَّ شيءٍ يا طارق. أفسدتَ الثقةَ التي بنيناها. أنتَ لستَ فقط مسؤولاً عنْ أفعالك، بل عنْ آثارها على الآخرين."

"أنا أعرفُ. وأنا سأتحملُ مسؤوليتي. أرجوكِ يا فاطمة، لا تتركي هذا الخطأَ يُدمرُ مستقبلنا. أعطني فرصةً لأُثبتَ لكِ أنني قادرٌ على التغيير."

كانتْ فاطمةُ تقفُ على مفترقِ طرقٍ صعب. حبُّ طارقٍ كانَ قوياً، لكنّ جرحَ الخيانةِ كانَ غائراً. لم يكنْ الأمرُ مجردَ كشفِ سرٍّ، بل كانَ كشفَ ضعفٍ قدْ يُهددُ أسسَ حياتهما. إدمانُ طارقٍ على القمارِ لم يكنْ مجردَ نزوة، بل كانَ معركةً حقيقيةً معَ شيطانٍ داخلي، معركةً كانتْ فاطمةُ الآنَ طرفاً فيها، سواءٌ أرادتْ أمْ لم تُرِد.

"لا أعرفُ يا طارق. الأمرُ أصعبُ مما تتخيل. لم أكنْ أتوقعُ أبداً أنْ أكونَ في هذا الموقف."

"أنا أفهمُ. سأعطيكِ كلَّ الوقتِ الذي تحتاجينه. لكنْ أرجوكِ، لا تُصابي باليأس. لقدْ بدأتُ رحلةَ العلاجِ منْ هذهِ اللحظة."

هزّتْ فاطمةُ رأسها ببطءٍ، وعادتْ عيناها لتُبحرا في وجهه. كانَ حبها لهُ ما زالَ موجوداً، لكنّ الشكَّ قدْ بدأَ يتسللُ إليه. كيفَ يمكنُ لروحٍ واحدةٍ أنْ تُقاومَ هذا الإدمان؟ وهلْ سيكونُ حبها كافياً ليُشفيَ ما أفسدهُ طارق؟ كانتْ هذهِ الأسئلةُ تُلقي بظلالِها على مستقبلهما، وتُشكّلُ التحديَ الأكبرَ في قصتهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%