ابتسامتك حياتي الجزء الثاني

ظلال الماضي ورياح المستقبل

بقلم مريم الحسن

بعدَ لقائهما الحزينِ في الحديقة، شعرتْ فاطمةُ بثقلٍ لم تشعرْ بهِ من قبل. لم يعدِ الأمرُ مجردَ قلقٍ منْ مجهول، بل كانَ خوفاً منْ واقعٍ بدأَ يتكشفُ بكلِّ تفاصيله المؤلمة. كانتْ تُراقبُ طارقاً، تُراقبُ ردودَ أفعاله، تُحاولُ أنْ تقرأَ ما يدورُ في خلدِه. بدا طارقٌ مُختلفاً. كانَ أكثرَ هدوءاً، وأكثرَ انطواءً، وكأنّ عبءَ اعترافهِ قدْ أثقلَ روحهُ أكثرَ مما أراحتْ.

في صباحِ اليومِ التالي، اتصلتْ والدةُ طارقٍ بفاطمة. كانَ صوتها يحملُ نبرةً قلقةً، "أهلاً بكِ يا ابنتي. سمعتُ منْ طارقٍ بما حدث. أنا آسفةٌ جداً لأنّكِ اضطررتِ لمواجهةِ هذا الأمرِ بهذهِ الطريقة."

"لا عليكي يا خالتي. المهمُّ أنَّ الحقيقةَ ظهرتْ." ردّتْ فاطمةُ، مُحاولةً إضفاءَ بعضِ الهدوءِ على صوتها.

"نحنُ نعلمُ بأنّ طارقاً لديهِ بعضُ العاداتِ السيئةِ التي حاولَ التخلّصَ منها. لكنّ هذا الأمرَ، القمار، هوَ شيءٌ جديدٌ علينا. هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ هذا؟"

"نعم يا خالتي. الرسالةُ واضحةٌ."

شعرتْ فاطمةُ ببعضِ التعاطفِ معَ والدةِ طارق، لكنّها لم تستطعْ التنازلَ عنْ حقائقَ رأتها بعينيها. "أعلمُ أنَّ هذا قدْ يكونُ صدمةً لكم. لكنّ طارقاً الآنَ بحاجةٍ إلى دعمكم، وبحاجةٍ إلى المساعدةِ لتجاوزِ هذهِ المحنة."

"بالطبعِ يا ابنتي. سنقفُ معه. لكنْ... أنتِ، ما هوَ قراركِ؟" سألتْ والدةُ طارقٍ، صوتها يحملُ رجاءً خفياً.

"ما زلتُ أُفكّرُ يا خالتي. هذا الأمرُ كبيرٌ جداً. لا أستطيعُ أنْ أُقررَ الآن."

بعدَ مكالمتها معَ والدةِ طارق، شعرتْ فاطمةُ بأنّها مُحاطةٌ بالأسئلةِ منْ كلِّ الجهات. والدها، الذي كانَ قدْ حذّرها، لم يُعلّقْ كثيراً، لكنّ نظراتهِ كانتْ تتحدثُ عنْ "ألمتُ أقلْ لكِ؟". والدتها، رغمَ حزنها، حاولتْ أنْ تكونَ داعمةً، "الحياةُ مليئةٌ بالتحدياتِ يا ابنتي. المهمُّ كيفَ نُواجهها. الحبُّ الحقيقيُّ يتجاوزُ العقبات."

لكنْ، كانَ هناكَ أمرٌ آخرُ يُثيرُ قلقَ فاطمة. صلاح، صديقُ طارقٍ المقرب، والذي كانتْ قدْ التقتْ بهِ عدةَ مرات. كانَ صلاحُ يبدو دائماً رجلاً جاداً، مُحترماً، ومُستقيماً. لكنْ، بعدَ معرفتها بأمرِ طارق، بدأتْ تُفكّرُ في طبيعةِ صداقتهما. هلْ كانَ صلاحُ على علمٍ بأمرِ القمار؟ ولماذا لم يُحذّرْ طارقاً؟

في أحدِ الأيام، وبينما كانتْ فاطمةُ في السوقِ لتُعدَّ بعضَ مستلزماتِ البيت، التقتْ بصلاحٍ بالصدفة. كانَ يحملُ بيدهِ كيساً كبيراً منَ الخضرواتِ والفواكه.

"فاطمة! يا لها منْ صدفةٍ جميلة!" قالَ صلاحٌ بابتسامةٍ ودودة، "كيفَ حالكِ؟"

"بخيرٍ الحمدُ لله. وأنتَ؟"

"بخيرٍ أيضاً. سمعتُ بما حدثَ معَ طارق. أنا حزينٌ جداً لهذا الأمر. أتمنى لهُ كلَّ الخير."

شعرتْ فاطمةُ بتيارٍ منْ الشكِّ يجتاحها. "هلْ كنتَ تعرفُ عنْ هذا يا صلاح؟"

توقّفَ صلاحٌ للحظة، ونظراتهُ بدتْ مُتشتتةً. "يعني... طارقٌ كانَ يمرُّ ببعضِ المشاكلِ الماليةِ. لكنّني لم أكنْ أعلمُ حجمَ الأمر. كنتُ أُحاولُ أنْ أُساعدهُ قدرَ المستطاع، لكنّهُ لم يكنْ يُخبرني بكلِّ شيء."

"هلْ كانَ القمارُ هوَ السببُ؟" سألتْ فاطمةُ مباشرةً، مُحاولةً قراءةَ ردةِ فعله.

تنهّدَ صلاحٌ بعمق، ووضعَ الكيسَ الذي يحملهُ على الأرض. "الحقيقةُ يا فاطمة، هيَ أنَّ طارقاً كانَ يُصارعُ معَ هذا الإدمانِ منذُ فترةٍ. كنتُ أحاولُ مساعدتهُ، لكنّهُ لم يكنْ يرغبُ في الاعترافِ بذلكَ علناً. لقدْ كانَ يُخفي الأمرَ عنْ الجميع، حتى عنْ عائلته."

"ولماذا لم تُخبرني؟ أو تُخبرْ والديّ؟"

"كنتُ أُحاولُ حمايتهُ. وأيضاً... كنتُ أخشى أنْ أُسبّبَ لهُ المزيدَ منَ الضغط. لقدْ كانَ في حالةٍ نفسيةٍ صعبةٍ جداً. ولكنْ، الآنَ بعدَ أنْ انكشفَ كلُّ شيء، ربما يكونُ منَ الأفضلِ أنْ تُعالجَ هذهِ المشكلةُ بشكلٍ علني."

شعرتْ فاطمةُ بغصةٍ في حلقها. لقدْ خانها إحساسها بصلاح. لقدْ كانَ يعلمُ، وكانَ يُحاولُ المساعدةَ بطريقتهم الخاصة، لكنّ صمتهم لم يُوقفْ طارقاً، بلْ ربما شجّعهُ على الاستمرار.

"إذاً، أنتَ كنتَ تعرفُ... وكنتَ تشهدُ عليهِ وهوَ يُدمّرُ نفسه؟"

"لم يكنْ الأمرُ هكذا تماماً يا فاطمة. كنتُ أُحاولُ إقناعهُ بطلبِ المساعدة. لكنّهُ كانَ عنيداً. وخوفي الأكبرُ كانَ أنْ يتسببَ ذلكَ في انقطاعِ علاقتكما، وهوَ ما كانَ يُقلقُه بشدة."

"ولكنْ، هذا الانقطاعُ هوَ ما قدْ يحدثُ الآنَ بسببِ كذبهِ، وبسببِ صمتكم." قالتْ فاطمةُ، وحاولتْ أنْ تُحافظَ على هدوئها، رغمَ شعورها بالغضبِ وخيبةِ الأمل.

"أنا أدركُ ذلك. وأنا آسفٌ جداً. لقدْ كانَ قراري خاطئاً. كانَ يجبُ أنْ أُخبرَ أحداً. لكنْ، دعيني أُؤكدُ لكِ شيئاً، يا فاطمة. طارقٌ يُحبكِ حباً صادقاً. وهوَ الآنَ مُستعدٌّ لتغييرِ حياتهِ بالكاملِ منْ أجلكِ."

"أتمنى ذلكَ يا صلاح. ولكنّ الأفعالَ أبلغُ منَ الأقوال."

تركتْ فاطمةُ صلاحاً واقفاً في السوق، وعادتْ إلى منزلها وهيَ تشعرُ بالضياع. لم تعدْ تعرفُ بمنْ تثق. هلْ كانتْ صداقةُ طارقٍ معَ صلاحٍ دليلَ وفاءٍ، أمْ دليلَ تواطؤٍ؟ وهلْ كانَ طارقٌ قدْ أدركَ حجمَ خطأهُ حقاً، أمْ أنّهُ كانَ يُحاولُ التظاهرَ بذلكَ فقط لإنقاذِ علاقتهما؟

في تلكَ الليلة، وبينما كانتْ تُحدّقُ في سقفِ غرفتها، فكّرتْ في كلِّ شيء. هلْ حبُّ طارقٍ هوَ مجردُ إدمانٍ عاطفيٍّ، أمْ هوَ حبٌّ حقيقيٌّ يستحقُّ المعركة؟ هلْ كانتْ لديها القوةُ الكافيةُ لمساعدتهِ، وهلْ كانَ هوَ لديهِ الاستعدادُ الكاملُ للتغيير؟ كانتْ هذهِ الأسئلةُ تُشكلُ عاصفةً في روحها، وتُلقي بظلالِ الشكِّ على كلِّ ما كانتْ تُؤمنُ به.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%