حب في المدينة الجزء الثالث

مرايا الماضي: حكايات متداخلة

بقلم فاطمة النجار

كانت نور، والدة ليلى، تجلس وحدها في غرفتها، والفنجان الذي يحتوي على قهوتها شبه بارد. كانت تتأمل صورة قديمة لها مع زوجها وابنتها ليلى، يوم كانتا في غاية السعادة، قبل أن تظهر الشوائب في حياة العائلة. تنهدت بعمق. قرار إخفاء حقيقة الماضي عن ليلى لم يكن سهلاً، لكنها كانت تعتقد أنه الأفضل لها. لم ترغب في أن تعكر صفو استعداداتها للزواج، أو أن تجعلها تشك في أحد.

لكنها كانت تشعر بالذنب. تذكرت حديثها مع خالد قبل فترة، حين سألها عن والدها وعن أعماله. كانت إجاباتها مختصرة، وتجنبت الخوض في التفاصيل. كانت تعرف أن خالد رجل ذكي، وأن أي محاولة للتضليل ستظهر له.

"هل كنت صائبة في قراري؟" تساءلت نور بصوت متهدج. "ربما لو وضعت الأمور في نصابها منذ البداية، ما وصلنا إلى هذا الحد." كانت القصة معقدة. قبل سنوات طويلة، كان والد ليلى، السيد عبد الرحمن، رجل أعمال ناجحًا ولكنه كان يميل إلى التسامح أكثر من اللازم. دخل في شراكة مع شخص لم يكن يعرفه جيدًا، شخص اسمه "كمال". في البداية، سارت الأمور على ما يرام، ثم بدأ كمال في التلاعب بالأموال، واقترض مبالغ كبيرة باسم الشركة دون علم عبد الرحمن. وعندما اكتشف عبد الرحمن ذلك، كان قد فات الأوان. فقد الكثير من أمواله، وتعرض لضغوط هائلة، مما أثر على صحته.

كانت عائلة ليلى قد استعادت جزءًا من حقوقها بصعوبة بالغة، لكنها فقدت الكثير، وهذا أثر على سمعة العائلة الاقتصادية لفترة. والأهم من ذلك، أن والد ليلى لم يستطع مسامحة نفسه على ثقته العمياء.

ولكن الحكاية لم تنتهِ هنا. لقد اكتشف السيد عبد الرحمن، قبل وفاته بفترة قصيرة، أن كمال لم يكتفِ بسرقته، بل كان يخطط لعملية احتيال أكبر، تتضمن بيع أراضٍ تابعة للدولة بطرق غير مشروعة، وكان قد شارك في هذه الصفقة شخص من عائلة خالد، شخص لم يكن يعرفه خالد نفسه جيدًا، لكن نور علمت به من خلال بعض الأحاديث.

"يا ليتني تحدثت مع خالد منذ البداية." همست نور. "هو رجل طيب، وأبو خالد كان رجلًا شريفًا. ربما لو عرف خالد الحقيقة، يمكنه أن يساعد في كشف فساد كمال، وربما يبرئ سمعة والده."

كانت تخشى أن يكتشف خالد الأمر بنفسه، وأن يتهم عائلتها بعدم الشفافية. كانت تدرك أن الشكوك قد تراوده، خاصة إذا اكتشف وجود اسم لعائلتها في ملف والد خالد.

في نفس الوقت، كان خالد قد التقى بالسيد عادل، الرجل الذي اتصل به. كان السيد عادل رجلًا كبير السن، ذو هيبة، تحدث ببطء وحذر. "يا بني، أنا آسف لأني أتيت إليك بهذا الأمر القديم. ولكن ما اكتشفته لا يمكن السكوت عنه. والدك، رحمه الله، كان رجلًا له مبادئه. ولم يكن يعلم بخبايا تلك الصفقة. كان هناك لاعبون آخرون في الظل."

شرح السيد عادل لخالد تفاصيل الصفقة العقارية. "كان السيد عبد الرحمن، والد ليلى، شريكًا في الأرض من حيث يعرف، ولكن كمال، هذا الرجل المخادع، استغل ذلك. وقدم أوراقًا مزورة، وحصل على موافقات غير قانونية. وكان السيد عبد الرحمن قد حاول الوقوف في وجهه، لكنه تعرض لتهديدات. أما والدك، فقد كان يعلم أن هناك شيئًا ما خطأ، ولكنه كان مريضًا في ذلك الوقت، ولم يستطع التحرك بنفسه. ولكنه ترك لنا هذه المعلومات، على أمل أن يأتي اليوم الذي يتم فيه كشف الحقيقة."

شعر خالد بصدمة. لم يتوقع أبدًا أن تكون القضية بهذا التعقيد، وأن يرتبط والد ليلى بها. "وهل… هل كان هناك أي شخص آخر متورط؟" سأل خالد، وكانت نبرته تحمل رجاءً أن لا يكون هناك اسم آخر له علاقة بسوء.

تردد السيد عادل قليلاً. "الحقيقة، يا بني، أنني سمعت اسمًا… اسمًا لشخص كان يتلقى أموالًا من كمال، وكان ذلك الشخص قريبًا من عائلة… عائلة السيد عبد الرحمن، ولكن ليس بنفس درجة قربه منه. لا أتذكر الاسم بالضبط، لكنني سمعت همسات."

فكر خالد في والدة ليلى، السيدة نور. كانت لطيفة، ولكن هل كانت تعرف شيئًا؟ هل كانت متورطة بطريقة ما؟ هذه الشكوك بدأت تزعج قلبه. لم يكن يريد أن يشك في أي شخص له علاقة بليلى.

"شكرًا لك يا سيدي." قال خالد، وهو يشعر بثقل المسؤولية. "سأبحث في هذا الموضوع أكثر." بعد خروجه من عند السيد عادل، توجه خالد إلى مكتبه. فتح الملف الذي عثر عليه مرة أخرى. كانت الأوراق تتحدث عن أراضٍ واسعة، وعن صفقة بيع وشراء. ثم وقع بصره على فاتورة إيداع بنكية، موقعة باسم… السيد مراد، خال ليلى.

اتسعت عينا خالد. لم يكن يعرف السيد مراد شخصيًا، لكنه سمع عنه. رجل أعمال يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية. هل يمكن أن يكون خال ليلى متورطًا؟ هل كان هو الشخص الذي تلقى الأموال؟

عاد بذاكرته إلى الوراء. تذكر كيف كانت عائلة ليلى قد مرت بضائقة مالية بعد وفاة السيد عبد الرحمن، وكيف أن السيد مراد قد "ساعدهم" في تجاوز تلك الفترة، بطريقة بدت لها نور دائمًا مشبوهة. هل كان هذا "المساعدة" مدفوعة بثمن؟

شعر خالد بأن الدائرة تضيق. كان يعلم أن عائلة ليلى قد عانت، ولكنه لم يكن يتخيل أن يكون هناك شخص من العائلة قد استغل هذه المعاناة. وكان الأهم، هل هذا يرتبط بفساد كمال؟

كان عليه أن يتحدث مع ليلى. ولكن كيف؟ هل يبدأ بكلمات اتهام؟ أم يصف ما وجده؟ كان يخشى أن تكون الحقيقة مؤلمة جدًا لدرجة أنها قد تدمر كل شيء.

عاد إلى منزل جدته، حيث كانت ليلى لا تزال تتأمل في هدوء الليل. "ليلى، هل يمكن أن نتحدث؟" سألها خالد، وهو يجلس بجوارها. نظرت إليه، وشعرت بنبرته الجادة. "بالطبع خالد. ما الأمر؟" "لقد اكتشفت شيئًا… شيئًا يتعلق بماضيك… وبماضي والدي." بدأت ليلى تشعر ببعض الخوف. "ماذا وجدت؟"

لم يستطع خالد أن يصف لها كل شيء دفعة واحدة. بدأ يتكلم عن اكتشافه لملف قديم، عن صفقة عقارية، وعن اسم والده. كانت ليلى تستمع بانتباه، ولم تقاطعه. ثم وصل خالد إلى الجزء الحساس.

"وجدت… وجدت اسم خالك، السيد مراد، مرتبطًا بتلك الصفقة. كأنه تلقى أموالًا من شخص يدعى كمال." اتسعت عينا ليلى. لم تستطع تصديق ما تسمعه. "خالي مراد؟ مستحيل. هو… هو لم يكن يعلم شيئًا عن فساد. لقد كان دائمًا يدعي أنه يحاول مساعدة العائلة."

"هذا ما أشعر به أيضًا." قال خالد. "ولكن الأوراق لا تكذب. هناك شيء قديم وغامض، وهذا الغموض قد يؤثر علينا." نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه قلقًا لم تعهده من قبل. كان قلقًا عليها، وعليها وعلى مستقبلهم.

"أمي… أمي كانت تعلم شيئًا." قالت ليلى ببطء. "كانت تخبرني بأن هناك أمورًا عائلية، ولكنها لم تفصح عن تفاصيلها. ربما كانت تحاول حمايتي." "ولكن الحماية قد تكون مؤلمة أحيانًا يا ليلى." قال خالد. "علينا أن نعرف الحقيقة، مهما كانت."

في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن زواجها من خالد لم يعد مجرد قصة حب، بل أصبح رحلة كشف عن حقائق مدفونة، حقائق قد تختبر قوتهما وصلابتهما. كان الماضي يهمس بأسراره، وكان المستقبل ينتظر بقلب متوجس.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%