حب في المدينة الجزء الثالث

هبوب رياح الشك

بقلم فاطمة النجار

كانت الأمسية قد غلّت بألوان الغروب الدافئة، ترسم خطوطاً ذهبية وبرتقالية على صفحة السماء، وكأنها لوحة فنان سماوي قرر أن يزين بها مدينتنا الحبيبة. جلس يوسف على مقعده في الشرفة المطلة على الحدائق التي طالما أحب، يستنشق عبق الياسمين المتصاعد، لكن عبق الياسمين لم يعد يلامس روحه كما كان. كانت ثقيلة، مثقلة بهموم بدأت تتسلل إلى هدوئه المستتب، هموم لم يكن يتوقع لها أن تكون بهذا الثقل.

في الأيام القليلة الماضية، كانت همساتٌ غريبة تبدأ بالتردد حوله، كأنها خيوط عنكبوت خفية تنسج حول عالمه الهادئ. بدأ الأمر بأسئلة مبطنة من بعض المعارف، ثم انتقل إلى نظرات مرتجفة عندما يلتقي بأحد. كان الأمر أشبه بوباء صامت، ينتشر بلا صوت، لكنه يترك أثره العميق في النفوس.

تذكر آخر لقاء له مع السيد عبد الرحمن، والد فاطمة. كان اللقاء يحمل طابعاً ودياً، فيه تبادل للأحاديث حول المستقبل، حول ارتباطه بابنته. لكن شيئاً ما كان يغيب عن نظرات السيد عبد الرحمن، بريقٌ كان يختفي ويتجدد، وكأنه يخفي سراً، أو ربما يصارع قراراً مصيرياً. قال له بالحرف: "يا بني، سعادة ابنتي هي غايتي. ولكن هناك أمور قد تتغير، وظروف لا نستطيع دائماً التحكم بها." كانت تلك الكلمات، رغم هدوئها الظاهري، كالصواعق التي ضربت طمأنينة يوسف.

بدأ يوسف يربط خيوط تلك الهمسات والنظرات المبهمة. هل هناك من يحاول التأثير على قرار السيد عبد الرحمن؟ هل هناك من يزرع الشكوك حوله؟ من يمكن أن يكون له مصلحة في ذلك؟ لم يكن ليوصف بأنه شديد الريبة، لكن الظروف بدأت تجبره على التفكير بما لم يخطر له ببال.

في أحد الأيام، وبينما كان ينهي اجتماعه مع أحد الموردين، لاحظ سيارة سوداء تقف على مقربة من مكتبه. لم يكن فيها شيء غريب ظاهرياً، لكنها كانت تقف هناك لفترة غير قصيرة، ثم تتحرك عندما يغادر هو. تكرر المشهد أكثر من مرة، وفي أماكن مختلفة. بدأت تلك الملاحظات الصغيرة تتراكم، لتشكل في ذهنه صورة مزعجة.

اجتمعت هذه الأفكار المضطربة في رأسه، وشعر بضيق في صدره. أراد أن يتحدث مع فاطمة، أن يبوح لها بما يشعر به، لكنه تردد. أخشى أن أثير قلقها دون سبب، أو أن أضعها في موقف حرج. هي أيضاً تبدو هادئة، لكن هدوءها في بعض الأحيان كان يوحي بصمتٍ عميق، وكأنها تحتفظ بشيء بداخلها.

في تلك الليلة، وصله اتصال هاتفي. كان الرقم مجهولاً. تردد قبل أن يجيب. صوتٌ رجولي، بدا متخفياً، قال بصوتٍ خافت: "السيد يوسف؟ لدي معلومات قد تهمك كثيراً. معلومات تخص مستقبلك، ومستقبل خطوبتك. إذا أردت الحقيقة، قابلني غداً عند مقهى "الزيتون" القديم، في الساعة العاشرة صباحاً. وحدك." ثم أغلق الخط.

تجمد يوسف في مكانه. قلبه يدق بسرعة غير معهودة. من هذا المتحدث؟ وما هي تلك "المعلومات"؟ هل هي مجرد خدعة؟ أم أن الأقدار بدأت تكشف عن وجهها الحقيقي؟

في صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف قبل موعده بساعات. لم يذق طعام الفطور، ولم يستطع التركيز في عمله. كل فكره كان منصباً على ذلك اللقاء الغامض. ارتدى أفضل ثيابه، لكن قلبه كان يرتجف. سيارة سوداء لم تكن بعيدة عن منزله عندما خرج، تبعته بصمت. كان الأمر مؤكداً الآن. هناك من يراقبه، وهناك من يريد أن يكشف له شيئاً.

وصل إلى مقهى "الزيتون". لم يكن مكاناً معتاداً لزيارته، لكنه كان يمثل بقعة هادئة في قلب المدينة، بعيدة عن زحام الأعمال. اختار طاولة في زاوية بعيدة، وشغل نفسه بقراءة كتاب لم يقرأ حرفاً منه. انتظر.

عند الساعة العاشرة تماماً، اقترب منه رجل. كان يرتدي ملابس بسيطة، ويبدو عليه الكبر في السن. وجهه لم يكن مألوفاً ليوسف. جلس الرجل على الكرسي المقابل دون دعوة، ووضع أمامه كيس ورقي صغير.

"أنا هنا، يا سيد يوسف،" قال الرجل بصوتٍ واهن، "لأخبرك بما يجب أن تعرفه."

نظر يوسف إليه بتوجس، وقال: "من أنت؟ وماذا تريد؟"

"اسمي مؤقت،" أجاب الرجل، "لكن ما أقدمه لك ليس كذلك. أنا أعمل في الظل، أرى ما لا يراه الآخرون. وأعلم أن هناك من يحاول إفساد سعادتك. هناك من يريد أن يبعدك عن فاطمة."

شعر يوسف بقشعريرة تسري في جسده. "كيف تعرف عن فاطمة؟"

"أعلم كل شيء،" قال الرجل وهو ينقر بإصبعه على الكيس الورقي، "لكن الوقت ضيق، ولا يمكنني أن أطيل. أريد أن أقدم لك هذه."

فتح الرجل الكيس، وأخرج منه مظروفاً سميكاً. قال: "هذا يحتوي على أدلة. صور، ورسائل، وبعض الشهادات. تثبت أن هناك مؤامرة. مؤامرة مدبرة لإيقاعك في الفخ، وإبعادك عن عائلتك، وعن فاطمة. الشخص الذي يقف وراء هذه المؤامرة هو شخص قريب جداً من قلبك، ويعرف تفاصيل حياتك."

استلم يوسف المظروف بيدين مرتعشتين. شعر وكأن الأرض تدور به. "من؟ من هو؟" سأل بصوتٍ بالكاد يُسمع.

تنهد الرجل وقال: "لا يمكنني أن أقول لك اسمه. القانون الأخلاقي يمنعني. لكن أدلة كل شيء موجودة داخل هذا المظروف. أنت الآن أمام مفترق طرق. إما أن تتجاهل هذا، وتترك الأمور تسير كما يريدون، أو أن تستخدم هذه الأدلة لحماية نفسك، وحماية مستقبلك."

نظر الرجل إلى يوسف بعينين تحملان خليطاً من الشفقة والحزم. "تذكر، يا يوسف، أن الحقيقة قد تكون مؤلمة. لكنها في النهاية هي سبيل النجاة."

بعد أن قال ذلك، وقف الرجل دون كلمة أخرى، واختفى بين رواد المقهى، تاركاً يوسف وحيداً مع ثقل المظروف، وثقل الشك الذي بدأ يلتهمه من الداخل.

راح يوسف يقلب المظروف بين يديه، وكأنه يحمل قنبلة موقوتة. هل يصدق هذا الغريب؟ هل هناك حقاً من يتآمر عليه؟ ولماذا؟ من هو هذا الشخص القريب الذي يهدف إلى تدميره؟

عاد إلى مكتبه، وقد خيّم على روحه ظلامٌ لا يشبه ظلام الليل. فتح المظروف بحذر. رأى الصور أمامه. صورٌ التقطت له في أماكن لم يكن يتوقع أن يتم رصده فيها، مع أشخاص لم يكن يفترض أن يعرفهم. ورسائل، فيها لغةٌ شديدة الشراسة، تتحدث عن خططٍ دقيقة لإيقاعه.

كلما تعمق في القراءة، كلما ازدادت علامات الاستفهام في ذهنه، وازداد الشعور بالضياع. بدأت تلوح في الأفق وجوهٌ مألوفة، لكنها الآن تبدو في سياقٍ مختلف تماماً. كان هناك اسمٌ يتكرر في بعض الرسائل، اسمٌ جعل قلبه يهوي إلى أسفل سافلين. اسمٌ لم يكن يتوقع أبداً أن يرتبط بمثل هذه الأفعال.

هذه ليست مجرد همسات، هذه حربٌ حقيقية تدور رحاها حوله. وحينما رأى وجه الشخص الذي يتصدر هذه المكائد، شعر وكأن الهواء قد انقطع عن رئتيه. كان الأمر صادماً، ومؤلماً، ومدمراً. لقد وصل إلى نقطة اللاعودة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%