حب في المدينة الجزء الثالث

أشباح الماضي تطل برأسها

بقلم فاطمة النجار

تصبّب العرق البارد على جبين يوسف، وهو يتصفح الرسائل والصور التي بين يديه. لم تكن الأعين البشرية قد رأت قطّ تلاعباً بالحقائق بهذا الشكل البشع، ولم تكن القلوب لتتحمل وطأة الخيانة التي تتكشف أمامه. كل صفحة كان يقلبها كانت كصخرة تلقى على صدره، تزيد من ثقل الأيام القادمة.

كانت هناك ورقةٌ معينة، عليها ختمٌ غريب، ورسالةٌ طويلة مليئة بالتهديدات والتلميحات. كانت تتحدث عن "دينٍ قديم" يجب أن يُسدد، وعن "ثمنٍ غالٍ" سيُدفع. لكن أغرب ما في الأمر، هو أن بعض هذه الرسائل كانت تحمل توقيعاً، توقيعاً لشخصٍ لم يكن يتوقع أبداً أن يكون له يدٌ في أي صراع، شخصٌ ظن أنه قد طوى صفحة حياته بأكملها.

الاسم الذي كان يتكرر، وبشكلٍ ملفت، هو اسم "طارق". طارق، الذي عرفه يوسف منذ سنوات طويلة، زميله في الجامعة، الذي كان يعتبره أخاً. طارق الذي اختفى فجأة من حياته، دون أن يترك أثراً. الآن، يعود طارق ليظهر كمتآمر، كمن يريد أن يدمر سعادته.

شعر يوسف ببرودةٍ قاتلة تسري في عروقه. طارق؟ لماذا؟ وما هو هذا "الدين القديم"؟ هل يتعلق الأمر بماضٍ دفين، بشيءٍ فعله يوسف ولم يكن يعلم بتوابعه؟

راح يوسف يغوص في ذكرياته، محاولاً استعادة كل تفاصيل علاقته بطارق. كانت أيام الجامعة مليئة بالحماس، والطموح، والمنافسة. طارق كان ذكياً، ومجتهداً، ولكنه كان أيضاً سريع الغضب، ويحمل في داخله حساسية مفرطة تجاه بعض الأمور. هل هناك حادثة معينة، لحظةٌ ما، تسببت في هذا الحقد الدفين؟

تذكر يوم المناقشة النهائية لمشروعهما المشترك. كان هناك اختلافٌ حاد بينهما حول بعض النقاط. طارق كان يريد طريقةً جريئة، حتى لو كانت تحمل بعض المخاطر. بينما يوسف، كان يفضل السلامة، والتأكد من كل شيء. في نهاية المطاف، غيّر يوسف قليلاً من أفكاره، ليتناسب مع رؤية المشروع بشكلٍ أفضل، لكنه شعر بأن طارق لم يغفر له ذلك.

هل كان هذا هو السبب؟ هل مجرد اختلاف في وجهات النظر، ثم قرارٌ عقلاني اتخذه يوسف، قد أدى إلى كل هذا؟ بدا الأمر سخيفاً، لا يليق بحجم الخيانة التي تتكشف أمامه.

ثم تذكر شيئاً آخر. قبل أن يختفي طارق، كان يتحدث كثيراً عن والده. كان والده قد خسر كل شيء في استثمارٍ فاشل، وكان مريضاً. طارق كان يعتقد أن يوسف، بصفته قريباً من بعض رجال الأعمال الناجحين، قد يكون سبباً في عدم حصول والده على مساعدة. هل يمكن أن يكون هذا هو "الدين القديم"؟ هل يشعر طارق بأن يوسف قد تخلى عنه هو ووالده في وقت الشدة؟

لكن حتى لو كان الأمر كذلك، فإن خطة التدمير هذه كانت تفوق الخيال. إنها لا تستهدف يوسف فحسب، بل تستهدف مستقبله، سعادته، وارتباطه بفاطمة.

بدأت الصور تتضح، ولكن بطريقةٍ مرعبة. هناك صورٌ ليوسف وفاطمة، وصورٌ لهما مع عائلتيهما. هذه الصور لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت أهدافاً. والرسائل كانت تتحدث عن كيفية استخدام هذه الصور، وكيفية التلاعب بها، لنشر الشائعات، وإثارة الشكوك حول مصداقية يوسف، وربما حول دوافعه تجاه فاطمة.

كان هناك أيضاً دليلٌ آخر، ورقةٌ صغيرة مطوية بعناية. عند فتحها، وجد يوسف فيها اسم "السيد مراد". السيد مراد، الذي كان يعمل في السابق مع والد يوسف، قبل أن يبتعد عن العمل. السيد مراد، الذي عرف عنه طموحه الجامح، ورغبته في تحقيق مكاسب سريعة، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.

هل كان طارق يتعاون مع السيد مراد؟ هل يستغل السيد مراد حقده القديم تجاه يوسف لتحقيق أهدافه الخاصة؟ يبدو أن المؤامرة أعمق وأكثر تشعباً مما تخيل.

شعر يوسف بالدوار. لم يعد يستطيع الجلوس. نهض من كرسيه، وبدأ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً. كيف سيتعامل مع هذا؟ هل يواجه طارق؟ هل يواجه السيد مراد؟ هل يبلغ السلطات؟

الأهم من ذلك، كيف سيواجه فاطمة؟ وكيف سيواجه والدها؟ كل هذه الأدلة، إن تم الكشف عنها بشكلٍ خاطئ، قد تفسر بشكلٍ سلبي. قد يُنظر إليه كشخصٍ يسعى للتشويش وإثارة المشاكل.

توقف فجأة أمام النافذة. السماء كانت صافية، لكن الظلام في داخله كان أعظم. كان عليه أن يتخذ قراراً، قراراً سيغير مجرى حياته. هذه ليست لعبة، هذه معركةٌ حقيقية.

إذا كان طارق يسعى للانتقام، فإن ما يفعله الآن هو تدميرٌ متعمد. وإذا كان السيد مراد متورطاً، فإن غاياته أبعد من مجرد الانتقام الشخصي، إنها غاياتٌ مادية، وغاياتٌ في السلطة.

ما الذي يدفعهما إلى هذا الحد؟ هل يشعران بأن يوسف يشكل تهديداً لهما؟ هل هناك شيءٌ يمتلكه يوسف، أو شيءٌ على وشك أن يحققه، يجعلهما يائسين لهذه الدرجة؟

بدأت تتكشف أمامه حقيقةٌ مزعجة: أن الماضي، الذي ظن أنه قد طواه بعيداً، لم يمت. بل كان كامناً، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

شعر بقوةٍ داخلية تنمو فيه، قوةٌ لم يكن يعلم بوجودها. لم يكن رجلاً يتخلى عن معاركه بسهولة. لقد وصل إلى نقطةٍ حيث لا مجال للتراجع. عليه أن يواجه الحقائق، مهما كانت مؤلمة.

نظر إلى صورة فاطمة التي كانت معلقة على مكتبه. ابتسامتها الهادئة، وعيناها اللتان تشعان نقاءً. من أجل هذه الابتسامة، ومن أجل المستقبل الذي يطمح إليه معها، عليه أن يقاتل.

لقد أُجبر على خوض هذه المعركة. الآن، عليه أن يجد الطريقة المثلى للفوز بها، بالطريقة التي ترضي الله، وتحفظ كرامته، وتحمي مستقبله.

صوتٌ خافتٌ من الرسائل كان يتردد في ذهنه: "يجب أن نؤكد على ضعف أخلاقه، على عدم جدارته." لم يكن ليسمح لهم بتحقيق ذلك.

خرج من مكتبه، وقد اتخذ قراراً. سيواجه كل شيء. لن يدع أشباح الماضي تدمر حاضره ومستقبله. عليه أن يجمع خيوط هذه المؤامرة، ويكشفها للجميع، قبل أن تدمر كل شيء جميل في حياته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%