حب في المدينة الجزء الثالث
مواجهة الظلال
بقلم فاطمة النجار
كانت شمس الظهيرة تلقي بظلالها الطويلة على أرجاء المدينة، بينما كان يوسف يقود سيارته بخطى ثابتة نحو وجهته. لم يعد هناك مجال للتردد أو التساؤل. الأدلة التي بين يديه كانت كنارٍ تشتعل في روحه، تدفعه نحو مواجهةٍ حتمية. كان قد اتخذ قراره، وسيواجه من يقف وراء هذه المؤامرة، وسيكشف حقيقتهم للعالم.
قبل أن يتحرك، كان قد قام بخطوةٍ احترازية. اتصل بالشيخ عبد الله، رجل الدين المعروف بحكمته ونزاهته، والذي كان له دورٌ في كثير من القرارات الهامة في حياته. بعد شرحٍ موجز للوضع، دون الدخول في التفاصيل الكاملة، استشار يوسف الشيخ فيما يجب عليه فعله. نصحه الشيخ بالصبر، والحكمة، والتوكل على الله، وأن يبدأ بالبحث عن الحقيقة بنفسه، وأن يتجنب التسرع في إطلاق الأحكام. "الحكمة ضالة المؤمن، يا بني," قال له الشيخ، "وأحياناً، يظهر الحق من حيث لا نحتسب."
كانت خطوة يوسف التالية هي البحث عن طارق. لم يكن يعرف أين هو، لكنه تذكر صديقاً مشتركاً لهما، كانا قد تخرجا معاً. اتصل به، وتحدث معه بحذر. كان الصديق متردداً في البداية، لكن بعد إلحاح يوسف، وافق على تزويده بمعلومات عن مكان إقامة طارق.
وصل يوسف إلى حيٍ قديم، مليء بالبيوت المتلاصقة، وشوارع ضيقة. كان المكان بعيداً عن الأضواء، وكأن سكانه قد اختاروا العيش في عالمٍ آخر. توقف أمام بنايةٍ قديمة، تبدو عليها علامات الإهمال. صعد السلالم الخشبية التي كانت تصدر صريراً مع كل خطوة، حتى وصل إلى باب الشقة.
تردد قليلاً قبل أن يطرق الباب. هذا هو طارق، الرجل الذي كان يوماً ما أقرب الناس إليه، والآن هو عدوه اللدود. أخذ نفساً عميقاً، وطرق الباب.
بعد لحظات، فُتح الباب. كان طارق. لم يتغير كثيراً. ما زال لديه نفس النظرة المتعبة، ونفس الشعر الذي بدأ الشيب يغزوه. لكن عينيه كانتا تحملان بريقاً مختلفاً، بريقاً من الغضب المختلط باليأس.
"يوسف؟" قال طارق بصوتٍ متعجب، بدا مختلطاً بشيءٍ من الحذر. "ماذا تفعل هنا؟"
"جئت لأتحدث معك، طارق،" أجاب يوسف بهدوء، رغم ثوران مشاعره. "جئت لأفهم."
سمح له طارق بالدخول. كانت الشقة صغيرة، وفوضوية. تبدو كأنها مهملة منذ فترة. جلس يوسف على كرسي قديم، وطارق على أريكة بالية.
"ماذا تريد أن تفهم؟" سأل طارق، وهو يتجنب النظر في عين يوسف.
"لماذا؟" بدأ يوسف، "لماذا كل هذا؟ لماذا تحاول تدمير حياتي؟"
صمت طارق للحظة، ثم قال بمرارة: "تدمير حياتك؟ أنت من دمر حياتي."
"كيف؟" سأل يوسف، "لم أفعل لك شيئاً."
"لم تفعل؟" ضحك طارق ضحكةً مريرة. "هل نسيت؟ نسيت كيف تركتني أتخبط وحدي؟ نسيت والدي؟ نسيت كيف تخليت عنا في أصعب أوقاتنا؟"
"لم أتخل عنكما،" قال يوسف بصوتٍ حازم، "لقد حاولت مساعدتك. ولكن الظروف كانت معقدة."
"ظروف معقدة؟" استهزأ طارق، "أم أنك كنت مشغولاً ببناء عالمك الخاص، ولم يكن لديك وقتٌ للمشاكل التي كانت تنهش بي؟"
"هذا غير صحيح،" دافع يوسف، "لقد فعلت ما بوسعي. ولكنك لم تكن متعاوناً. كنت دائماً ترى الأمور بمنظورٍ مختلف."
"منظوري كان يرى الحقيقة!" صاح طارق، "بينما أنت كنت تغوص في أحلامك الوردية. والآن، أنت على وشك أن تتزوج من ابنة رجلٍ ثري، وتنسى كل شيء. ألا ينبغي أن أحصل على بعض حقي؟"
"حقي؟" تساءل يوسف. "هل هذا ما تقصده بـ 'الدين القديم'؟ هل تسعى للانتقام؟"
"الانتقام؟" كرر طارق، "أنا أسعى للعدالة. أنت حصلت على كل شيء. نجاح، ثروة، وسعادة. بينما أنا؟ أنا لم أحصل على شيء. بل خسرت كل شيء."
"ولذلك قررت تدميري؟" سأل يوسف، "هل هذا هو الحل؟ هل تعتقد أن هذا سيعيد لك ما خسرته؟"
"لقد اتفقت مع السيد مراد،" قال طارق بصوتٍ خفيض، وكأنه يعترف بخطيئة. "إنه يفهم رغبتي في استعادة ما فقدته. وهو يريدك أن تبتعد عن فاطمة، لأن هذا سيؤثر على والدها، ومن ثم على مصالح معينة."
"السيد مراد؟" تكرر اسم السيد مراد في رأس يوسف، مؤكداً شكوكه. "إنه يستغل ضعفك، طارق. إنه يستغلك لتنفيذ مخططاته."
"لا،" قال طارق، "إنه يعطيني فرصة. فرصة لأثبت أنني لست مجرد شخصٍ فاشل."
"فشلك ليس في عدم امتلاكك للثروة، يا طارق،" قال يوسف بحزن، "فشلك هو في تحويل مرارتك إلى حقدٍ يدمرك ويدمر الآخرين."
"هل تتحدث عن أخلاقي؟" سأل طارق بسخرية. "أنت الذي تتحدث عن الأخلاق؟"
"أتحدث عن ما هو أسمى من ذلك،" قال يوسف. "أتحدث عن الصبر، وعن الرضا، وعن السعي إلى الحلال. ما تفعله الآن ليس حلالاً، ولا هو طريقٌ للنجاة."
"من أنت لتقول لي ذلك؟" صاح طارق.
"أنا شخصٌ كان يعتبرك أخاه،" قال يوسف. "وأنا لا أستطيع أن أرى أخي يدمر نفسه بهذه الطريقة."
"لست أخاك بعد الآن،" قال طارق بحدة. "لقد خسرت كل شيء في ذلك اليوم. والآن، سأستعيد بعضاً مما لي."
"هل تعتقد أن هذا سيحقق لك السعادة؟" سأل يوسف. "هل تعتقد أن تدمير سعادة الآخرين سيعوضك عن خسائرك؟"
"السعادة؟" ضحك طارق، "لم أعرف طعم السعادة منذ زمن طويل."
"أنا أعرف أنك ما زلت رجلاً طيباً في داخلك، يا طارق،" قال يوسف، "وما زلت أرى ذلك. لكن الظلام قد غشاك."
"اخرج من هنا،" قال طارق، مشيراً بيده نحو الباب. "لقد حان وقتي. والآن، سأتأكد من أن السيد مراد يحصل على ما يريد."
"السيد مراد يريد السيطرة، يا طارق،" قال يوسف. "وهو يستخدمك كوسيلة لذلك. ألم تفكر في أن ما تفعله الآن قد يؤدي إلى نهايتك؟"
"نهايتي؟" قال طارق. "بل نهايتك أنت."
نهض يوسف من كرسيه. كان يعرف أنه لن يصل إلى شيءٍ الآن. طارق غارقٌ في مشاكله، ولا يرى سوى الظلام.
"أتمنى أن تعود إلى رشدك، يا طارق،" قال يوسف. "وأتمنى أن تتذكر الأيام الجميلة التي جمعتنا. وإذا احتجت أي شيء، أي مساعدة حقيقية، فأنا هنا."
خرج يوسف من الشقة، وقد أحس بمرارةٍ تفوق المرارة التي شعر بها في أي وقتٍ مضى. لقد واجه طارق، لكنه لم يجد سوى الجدران المتصلبة.
وهو يقود السيارة، لم يستطع إبعاد صورة السيد مراد عن ذهنه. لقد أدرك الآن أن طارق ليس سوى بيدق في لعبةٍ أكبر. ورجلٌ مثل السيد مراد، يمتلك كل هذا الطموح، وكل هذا الحقد، لا يمكن أن يتوقف عند هذا الحد.
لقد رأى يوسف الآن الوجه الحقيقي لهذه المؤامرة. إنها ليست مجرد مؤامرة شخصية، بل هي محاولةٌ لزعزعة استقرار العائلات، وتدمير سمعة الناس، وتحقيق مكاسب غير مشروعة.
لقد كانت هذه المواجهة مؤلمة، لكنها كانت ضرورية. لقد أكدت له أن عليه أن يكون قوياً، وأن يتخذ خطواتٍ أكثر جدية. لم يعد الأمر يتعلق به فقط، بل يتعلق بسمعة عائلته، وبمكانته في المجتمع، وبمستقبله مع فاطمة.
الآن، عليه أن يواجه السيد مراد. الرجل الذي يختبئ في الظل، ويدير خيوط هذه اللعبة الخبيثة.