حب في المدينة الجزء الثالث
كشف المستور
بقلم فاطمة النجار
كانت الأجواء في منزل السيد عبد الرحمن مشحونة بالهدوء الذي يسبق العاصفة. كان الجميع قد اجتمعوا لتناول عشاءٍ عائلي، لكن الابتسامات كانت باهتة، والكلمات محدودة. كان يوسف قد أخبر فاطمة جزئياً بما يدور في حياته، دون أن يفصح عن كل التفاصيل، فقط أشار إلى وجود بعض التحديات. فاطمة، بذكائها المعهود، شعرت أن هناك أمراً جللاً، لكنها لم تستطع استخلاصه من صمت يوسف.
في تلك الليلة، وبعد العشاء، جلس يوسف مع السيد عبد الرحمن في مكتبه. كان يوسف قد أحضر معه نسخةً من الأدلة التي حصل عليها. بدأ يشرح بصوتٍ هادئ، لكنه مليء بالإصرار، قصة المؤامرة المتكشفة. سرد له عن طارق، وعن السيد مراد، وكيف أن هناك من يحاول تشويه سمعته وإثارة الشكوك حوله.
كان السيد عبد الرحمن يستمع بانتباه، وعينيه لا تفارقان يوسف. كانت ملامحه تعكس مزيجاً من الصدمة، والغضب، والحذر. لم يكن يتوقع أبداً أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
"إذن، هذا هو السبب،" قال السيد عبد الرحمن بعد أن انتهى يوسف من حديثه، "سبب التردد الذي شعرت به من بعض الأطراف، وتلك الهمسات التي بدأت تصلني."
"نعم يا عمي،" أجاب يوسف. "لقد سعيت جاهداً لحماية سمعتي، وسمعة عائلتي. لكنني أردت أن تكون على علمٍ بكل شيء قبل اتخاذ أي قرار."
"القرار اتُخذ بالفعل، يا بني،" قال السيد عبد الرحمن، وهو يضرب بيده على الطاولة برفق. "قرارٌ بأن سعادة ابنتي هي الأهم. وهذا يعني أن أي شخصٍ يحاول المساس بها، أو بأسرتها، سيواجهني."
بدأت ملامح السيد عبد الرحمن تتغير. تحول الحذر إلى تصميمٍ حازم. "السيد مراد؟" قال باسمه، وكأنه يستحضر عدواً قديماً. "لقد سمعت عن هذا الاسم من قبل. كان له علاقاتٌ مشبوهة في الماضي. ويبدو أن طموحه لم ينتهِ."
"هو و طارق،" أضاف يوسف. "يبدو أن هناك اتفاقاً بينهما."
"اتفاقٌ على أي أساس؟" سأل السيد عبد الرحمن.
"لا أعرف كل التفاصيل،" أجاب يوسف، "لكن يبدو أن السيد مراد يستغل حقداً قديماً لدى طارق تجاهي، ليحقق مصالحه."
"وما هي مصالحه؟" سأل السيد عبد الرحمن.
"يبدو أنه يريد التأثير على قرارات معينة، وإضعاف بعض المنافسين، وربما الاستيلاء على بعض الفرص التجارية،" قال يوسف. "كل هذا يتم عبر تشويه سمعتي، وإثارة الشكوك حول أخلاقي، وإقناعكم، أو إقناع الآخرين، بأنني لست الشخص المناسب لكم."
"هذا لن يحدث،" قال السيد عبد الرحمن بقوة. "لن نسمح لشخصٍ مثله أن يتحكم بمستقبل عائلتنا."
"لكن كيف سنواجه السيد مراد؟" سأل يوسف. "إنه رجلٌ خطير، ويلعب لعبةً قذرة."
"العبارات القذرة لا تدوم، يا بني،" قال السيد عبد الرحمن. "والحقيقة، مهما طال الزمن، ستنتصر."
في تلك اللحظة، دخلت فاطمة. كانت قد استمعت إلى بعض الحديث من خلف الباب. وقفت تتأمل والديها ويوسف، وشعرت بثقل الموقف.
"ماذا يحدث؟" سألت فاطمة بصوتٍ مرتجف.
نظر إليها يوسف، ثم إلى والدها. شعر بالثبات يتسلل إلى روحه.
"لا تقلقي يا عزيزتي،" قال السيد عبد الرحمن، وهو يمسك بيدها. "الأمور تتضح. وهناك من يحاول العبث بمستقبلنا."
"يوسف؟" قالت فاطمة، تنظر إليه بتساؤل.
"نعم يا فاطمة،" قال يوسف. "هناك من يريد أن يبعدنا عن بعضنا. لكن لن نسمح له بذلك."
"أنا معك،" قالت فاطمة بثقة. "مهما كان الأمر، سأقف إلى جانبك."
"هذا ما توقعته منك،" قال يوسف بابتسامةٍ خفيفة.
"علينا أن نتحرك بسرعة،" قال السيد عبد الرحمن. "لا يمكننا ترك هذا الرجل يخطط في الظل."
"لدينا الأدلة،" قال يوسف. "ولدينا ما يكفي لإثبات تورطه."
"لكن الأدلة وحدها قد لا تكفي،" قال السيد عبد الرحمن. "يحتاج الأمر إلى مواجهة. مواجهة حاسمة."
"أنا مستعد،" قال يوسف.
"وأنا كذلك،" قال السيد عبد الرحمن.
قرروا أن يواجهوا السيد مراد في اليوم التالي. لم يكن هناك وقتٌ للانتظار. كان عليهم أن يضعوا حداً لهذه المهزلة.
في صباح اليوم التالي، في قاعةٍ فاخرة، اجتمع يوسف، والسيد عبد الرحمن، والسيد مراد. كان السيد مراد رجلاً أنيقاً، يمتلك هالةً من السلطة، لكن عينيه كانت تحمل بريقاً بارداً، يوحي بالكثير من الخبايا.
"يا سيد مراد،" بدأ السيد عبد الرحمن بصوتٍ قوي، "لقد اجتمعنا هنا لأمرٍ جلل. أمرٌ يتعلق بمحاولة تدمير سمعة رجلٍ شريف، ومستقبله، وعلاقته بابنتي."
تفاجأ السيد مراد، لكنه حافظ على رباطة جأشه. "لا أعلم ما الذي تتحدث عنه، السيد عبد الرحمن."
"نحن نعلم،" قال يوسف، وهو يضع أمامه مظروف الأدلة. "نعلم عن مخططاتك، ونعلم عن اتفاقك مع طارق. ونعلم عن الأكاذيب التي كنت تحاول نشرها."
نظر السيد مراد إلى الأدلة، ثم إلى يوسف. بدأت ملامحه تظهر عليها علامات الانزعاج، لكنه حاول أن يبدو قوياً.
"هذه اتهاماتٌ باطلة،" قال السيد مراد. "لا يوجد دليلٌ واحد يدعم ما تقولونه."
"بل يوجد الكثير،" قال السيد عبد الرحمن. "لدينا رسائل، وصور، وشهادات. كلها تثبت تورطك."
"ومن هو طارق هذا؟" سأل السيد مراد، متظاهراً بالجهل.
"طارق هو الضحية الذي استغللته،" قال يوسف. "هو شخصٌ يمتلك حقداً قديماً، وأنت استغليت ذلك لتنفيذ خططك."
"هذه مجرد حكايا،" قال السيد مراد. "لا قيمة لها."
"القيمة الحقيقية، يا سيد مراد،" قال السيد عبد الرحمن، "هي في الصدق والأمانة. وهما صفتان تفتقر إليهما تماماً."
"لقد انتهى دورك،" قال يوسف. "والآن، ستواجه عواقب أفعالك."
بدأت الوجوه الأخرى في القاعة، التي كانت تضم بعض رجال الأعمال، تظهر عليها علامات الاستغراب والقلق. كانوا قد أتوا ليسمعوا عن صفقةٍ جديدة، لا عن اتهاماتٍ خطيرة.
"ليس لدي وقتٌ لهذه المهاترات،" قال السيد مراد، وهو يحاول النهوض.
"لن تذهب إلى أي مكان،" قال السيد عبد الرحمن. "لدينا ما يكفي من الأدلة لتقديمك إلى الجهات المختصة."
في هذه اللحظة، دخل رجلان يرتديان ملابس رسمية. كانا قد أُبلغا بالموقف.
"السيد مراد؟" قال أحدهما، "نحن هنا لنتحدث معك بخصوص بعض الشكاوى المقدمة ضدك."
شعر السيد مراد بالذعر. لقد انكشفت أوراقه. حاول أن يتحدث، لكن الكلمات تاهت منه.
"لقد انكشف كل شيء، يا سيد مراد،" قال يوسف. "لم تعد قادراً على التلاعب بالحقائق."
كانت تلك اللحظة هي ذروة المواجهة. لقد نجحوا في كشف المستور، وفي مواجهة الظل الذي حاول تدمير حياتهم.