حب في المدينة الجزء الثالث

بينَ وهجِ الماضي ونداءِ الحاضر

بقلم فاطمة النجار

كانتْ "نور" تجلسُ في ركنٍ هادئٍ من مقهى "الأنوار"، تتأملُ كوبَ قهوتها الساخنة، وتستمعُ إلى ضجيجِ الحياةِ الذي يحيطُ بها. القاهرةُ، بشوارعها المكتظةِ وزحامها الأبدي، كانتْ مسرحاً لأحداثٍ تتكشفُ يوماً بعدَ يوم، وكلُّ حدثٍ يحملُ في طياته قصصاً لا تنتهي. لم تكنْ "نور" مجردَ فتاةٍ عادية، بل كانتْ تحملُ في عينيها ذكاءً ثاقباً، وفي قلبها أحلاماً كبيرة.

تعملُ "نور" في دارِ نشرٍ مرموقة، وتقضي معظمَ وقتها بينَ أوراقِ الكتبِ ورائحةِ الحبرِ القديم. كانتْ تحبُّ عملها، شغوفةً بكلِّ كلمةٍ مكتوبة، وبكلِّ قصةٍ تُروى. لكنَّ حياتها الشخصيةَ كانتْ تشهدُ فراغاً، فراغاً لا تستطيعُ الكتبُ وحدها أن تملأه.

اليوم، كانَ هناكَ موعدٌ مهمٌ في حياتها. موعدٌ لم تكنْ متأكدةً من نتائجه. كانَ "يوسف"، الشابُّ الذي تقدمَ لخطبتها قبلَ أشهر، قد طلبَ لقاءً عاجلاً. لم تكنْ تفهمُ سببَ هذهِ العجلة، لكنَّ قلبها كانَ ينبضُ بخوفٍ وترقب.

"مساءُ الخير يا نور"، ناداهُ صوتٌ مألوفٌ، صوتٌ يحملُ دفئاً ممتزجاً ببعضِ الارتباك.

التفتتْ "نور"، فوجدتْ "يوسف" يقفُ أمامها، بابتسامةٍ مهذبةٍ اعتادتْها. كانَ يرتدي بدلةً أنيقةً، وعيناهُ تبحثانِ عن إجاباتٍ في عينيها.

"مساءُ النور يا يوسف"، ردتْ، وقد حاولتْ أن تبدو هادئةً. "تفضلْ بالجلوس".

جلسَ "يوسف" مقابلها، وطلبَ لنفسه فنجانَ قهوةٍ. سادَ صمتٌ قصيرٌ، كانَ مليئاً بالتوتر.

"نور..." بدأَ يوسف، وقد بدا متردداً. "أتيتُ اليومَ لأتحدثَ معكِ في أمرٍ مهمٍ جداً. أمرٌ يتعلقُ بمستقبلنا".

"أنا أستمعُ"، قالتْ نور، وقلبها يدقُّ بقوة.

"كما تعلمين، نحنُ مخطوبانِ منذُ فترة، والعائلةُ تنتظرُ موعدَ الزفافِ بفارغِ الصبر. لكنَّني... لكنَّني مررتُ بفترةٍ صعبةٍ جداً في الأيامِ الماضية".

"هل أنتَ بخير؟" سألتْ نور، وقد شعرتْ بقلقٍ حقيقي.

"جسدياً، نعم. لكنَّ روحياً... أشعرُ بضياعٍ كبير"، قالَ يوسف، وقد نظرَ إلى خارجِ النافذة. "لقد تحدثتُ معَ والدي، وحكيتُ لهُ عن شعوري. وفي الحقيقة، لقد اكتشفتُ أمراً قد يغيرُ كلَّ شيء".

تسارعتْ أنفتا نور. "ما هو هذا الأمر؟"

"والدي... اكتشفَ مؤخراً أنَّ لديهِ ديوناً كبيرةً جداً. ديونٌ ورثها عن جدهِ، ولم يكنْ يعرفُ بها. لقد أثرتْ هذهِ الديونُ على كلِّ شيءٍ في حياته، وعلى مستقبلهِ ومستقبلِ عائلتهِ. وهو الآنَ في وضعٍ لا يُحسدُ عليه".

"يا إلهي!" قالتْ نور، وقد شعرتْ بالصدمة. "وهذا يعني...؟"

"وهذا يعني، يا نور، أنَّني لا أستطيعُ أن أُكملَ الزواجَ منكِ الآن"، قالَ يوسف، وقد بدتْ كلماته ثقيلةً كالصخر. "لا أستطيعُ أن أبدأَ حياةً جديدةً وأنا أحملُ هذا الثقلَ على كتفي. أخشى أن أُفشلَ حياتكِ، وأن أُفشلَ نفسي. والدي يحتاجُ إلى مساعدتي، ويجبُ أن أكونَ بجانبهِ في هذهِ المحنة".

شعرتْ نورٌ وكأنَّ الأرضَ تميدُ بها. كلُّ أحلامها، كلُّ خططها، كلُّ آمالها، انهارتْ في لحظة. "هل تعني أنكَ... تفسخُ الخطوبة؟"

"لا، ليسَ تماماً"، قالَ يوسف، وقد بدا عليهِ الألم. "أنا أحبكِ يا نور، وأريدُكِ. لكنَّني أحتاجُ إلى وقتٍ. وقتٍ لأُساعدَ والدي، ولأُصلحَ أموري. ربما... ربما نحتاجُ إلى تأجيلِ الزواجِ لبعضِ الوقت. ربما لعامٍ، أو عامين، أو حتى أكثر. حتى أستطيعَ أن أقفَ على قدمي، وأن أُقدمَ لكِ حياةً كريمةً تستحقينها".

كانتْ الكلماتُ تتطايرُ من فمِ يوسف، لكنَّ نوراً لم تسمعْ إلا صوتَ انكسارِ قلبها. عامٌ؟ عامان؟ ومن يضمنُ أنَّ الأمورَ ستُصلحُ؟ ومن يضمنُ أنَّ حبَّهم سيصمدُ أمامَ هذا الزمنِ الطويلِ من الانتظار؟

"لكنَّ... لكنَّ عائلتي كانتْ تستعدُّ للفرح"، قالتْ نور، وقد بدأتْ الدموعُ تتساقطُ على وجهها. "لقد أعلنا الخطوبةَ للجميع".

"أعلمُ ذلك، وأنا آسفٌ جداً"، قالَ يوسف، وقد مدَّ يدهُ ليلمسَ يدها، لكنَّه تراجعَ في اللحظةِ الأخيرة. "لكنَّني لا أرى حلاً آخر. لا أريدُ أن أبنيَ بيتنا على أساسٍ واهٍ. أريدُ أن أُقدمَ لكِ الأمانَ الذي تستحقينهُ".

وقفتْ نورٌ فجأةً، وقد ارتجفتْ قدماها. "يوسف، أنا... أنا أحتاجُ إلى بعضِ الوقتِ لأفكرَ. لا أستطيعُ أن أُجيبَكِ الآن".

"خذي وقتكِ يا نور"، قالَ يوسف، وقد بدتْ عيناهُ مليئةً بالأسى. "لكنَّني أتمنى أن تتفهمي موقفي. إنَّها ليستْ لحظةَ ضعف، بل لحظةُ مسؤولية".

غادرتْ نورٌ المقهى، تاركةً وراءها يوسفَ وحيداً، وقلبها يعتصرُ ألماً. كانتْ القاهرةُ تبدو أمامها وكأنها مدينةٌ غريبة، لا تعرفُ فيها أحداً. كلُّ شيءٍ كانَ يتغير، وكلُّ شيءٍ كانَ يتبددُ كالدخان. هل كانَ هذا نهايةَ كلِّ شيء؟ هل كانتْ أحلامُها مجردَ سراب؟

في طريقِ عودتها إلى المنزل، رأتْ "ليلى" واقفةً عندَ بابِ مبناها، تتحدثُ معَ "عمر". بدا عليهما السعادةُ والهدوء، يتناقضانِ بشدةٍ معَ ما تشعرُ بهِ نور. شعرتْ بغيرةٍ شديدة، ورغبةٍ في أن تكونَ مكانَها.

"ما بكِ يا نور؟" سألتْ ليلى، وقد لاحظتْ حزنها.

"لا شيء"، أجابتْ نورٌ بصوتٍ مخنوق. "فقط... أشعرُ بالتعب".

"هل أنتِ متأكدة؟" سألتْ ليلى، وعيناها تلمعانِ بالاهتمام.

"نعم، أنا متأكدة"، قالتْ نورٌ، وحاولتْ أن ترسمَ ابتسامةً على وجهها، لكنَّها لم تنجح.

عادتْ نورٌ إلى غرفتها، وأغلقتْ البابَ خلفها. جلستْ على سريرها، والدموعُ تنهمرُ من عينيها بغزارة. لم تكنْ تعلمُ ماذا تفعل. هل تُصدقُ كلامَ يوسف؟ هل تنتظرُ؟ أم تبحثُ عن طريقٍ آخر؟

نظرتْ إلى صورةٍ لها معَ يوسف، صورةٌ جمعتهما في إحدى المناسباتِ السعيدة. بدتْ وجوههما مليئةً بالأملِ والفرح. هل يمكنُ أن يعودَ ذلكَ الفرح؟ أم أنَّه قد ضاعَ إلى الأبد؟

كانتْ هذهِ اللحظةُ لحظةَ مفترقِ طرقٍ في حياتها. لحظةٌ ستُحددُ مسارَ مستقبلها. هل ستستسلمُ لليأس، أم ستجدُ القوةَ لتُكملَ طريقها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%