حب في المدينة الجزء الثالث

غواية الليل وسقوط الروح

بقلم فاطمة النجار

كان الليل قد استوى على عرشه في مدينة القاهرة، يصب ظلاله الطويلة على الشوارع الصاخبة، ويخفي في طياته أسراراً لا تبوح بها إلا النفوس المضطربة. في شقته الفاخرة التي تطل على النيل، كان كريم غارقاً في عالمه الخاص. لم يكن عالماً من أحلام اليقظة الجميلة، بل عالماً من الهذيان والخدر، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، وتتلوى الأرواح المتعبة بحثاً عن سلوى مؤقتة.

لقد سقط. سقط من عليائه، ليس سقوطاً مدوياً يصدم الجميع، بل سقوطاً صامتاً، ابتلاعياً، يلتهم أعماق روحه ببطء. لم تعد رؤية ليلى في منامه سوى وميض باهت، ذكرى بعيدة لامرأة تجسد كل ما كان يحلم به، وكل ما يخشى أن يفقده. لكن إغراء الزجاجة كان أقوى، صوتها الداعي كان أشد إلحاحاً، يعده بالنسيان، بالهروب من ضغوط الحياة، من فشله المتلاحق، ومن شبح ليلى الذي بات يطارده في صحوه ومنامه.

في تلك الليلة، كانت الغواية أشد. لقد حاول. حاول أن يقاوم، حاول أن يغلق عينيه ويردد آيات قرآنية، لكن شبح الانهيار كان يحاصره. بدأت يداه ترتجفان، وعرق بارد يتصبب على جبينه. نظر إلى صورة ليلى الموضوعة على مكتبه، صورة ابتسامتها الهادئة، وعينيها اللتين تعكسان نقاءً وروعة. تذكر وعده لها، وعده بأن يكون رجلاً يستحقها، رجلاً يبني المستقبل بيديه، لا رجلاً تحكمه شهواته.

لكن الحقيقة كانت أشد قسوة. لقد كذب على نفسه، وكذب عليها. لم يكن الرجل الذي ادعاه. لم يكن لديه القوة الكافية لمواجهة شياطينه الداخلية. أصبح مجرد جسد يسكنه ضعف، وروح تلفها الظلمة.

تناول الزجاجة، ارتشف منها رشفة طويلة. شعر بالدفء ينتشر في عروقه، يهدئ رجفته، يزيل عنه ثقل الهموم. لكن هذا الهدوء لم يكن إلا وهم، سحابة رمادية ستنقشع لتكشف عن واقع أشد سواداً. بدأت الأصوات تتداخل في رأسه، أصوات تلومه، وأصوات أخرى تبرر له. "لا بأس يا كريم، أنت تمر بضائقة. هذا هو الحل الوحيد. ستتجاوز الأمر، وستعود أقوى."

كانت تلك الأصوات كالحيات التي تلتف حول روحه، تهمس له بأكاذيب تمنحه شعوراً زائفاً بالأمان. في غمرة السكر، بدأت تتشكل في ذهنه خطط جديدة. خطط تائهة، مشوشة، لا تمت للواقع بصلة. كان يرى نفسه فارساً يعود منتصراً، يلتقي بليلى، يعتذر لها، ويعدها ببداية جديدة. لكن هذه الرؤى لم تكن إلا أوهاماً خلقتها مادة الإدمان.

في غرفته، تناثرت الأوراق، وملابس غير مرتبة، وزجاجات فارغة. كان عالمه قد تحول إلى فوضى تعكس فوضى روحه. في لحظة صحو عابرة، نظر إلى يديه المدمرتين، إلى بشرته الشاحبة، إلى عينيه الغائرتين. هل هذا هو كريم الذي عرفته ليلى؟ هل هذا هو الرجل الذي وعد بأن يحميها ويصونها؟

شعرت والدته بالقلق. كانت تعرف أن ابنها يعاني، لكنها لم تكن تدرك حجم المشكلة. حاولت مراراً أن تقترب منه، أن تتحدث إليه، لكنه كان يصدها بكلمات جارحة، أو بصمت أشد إيلاماً. "أمي، أنا بخير. فقط أحتاج بعض الوقت." كانت هذه كلماته التي اعتاد عليها. لكن خلف تلك الكلمات، كانت هناك روح تتآكل، وصحة تنهار.

في تلك الليلة، وبينما كان الليل يزداد سكوناً، وبينما كانت المدينة تنام، كان كريم في معركة خاسرة. معركة ضد نفسه، ضد إدمانه الذي بات يلتهمه قطعة قطعة. كان يدرك، في أعماق روحه، أنه في طريقه إلى الهاوية، لكنه لم يكن يملك القوة أو الإرادة لإنقاذ نفسه. كانت ليلى مجرد ذكرى في خضم هذا الضباب الكثيف، ضباب يمنعه من رؤية الطريق، ومن رؤية نفسه الحقيقية.

الساعة تدق. كل دقة تبتعد به عن الأمل، وتقربه من اليأس. لقد بدأ الفصل الأكثر قتامة في حياته، فصل سيترك ندوباً عميقة، وربما، سيكون ثمنه باهظاً جداً. هل هناك فرصة للنجاة؟ هل هناك بصيص نور في نهاية هذا النفق المظلم؟ أم أن غواية الليل قد حكمت على روحه بالسقوط الأبدي؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%