حب في المدينة الجزء الثالث

شظايا الأمل في وحل الخطايا

بقلم فاطمة النجار

كان الفجر قد بزغ، ناشراً خيوطه الذهبية الأولى على أسطح المنازل، لكنها لم تكن تحمل دفئاً لكريم. بل كانت مجرد تذكير بساعة أخرى مضت، بساعة أخرى أضاعها في غياهب الإدمان. لم يستطع النوم، فالسكر قد خدر جسده، لكن روحه كانت تقف في حالة تأهب، تتلقى الصدمات تباعاً.

نهض من فراشه، يتلمس طريقه في الظلام المتبقي، باحثاً عن شيء يملأ فراغه الداخلي. لم يكن يبحث عن طعام، ولا عن شراب. بل كان يبحث عن ذاك الشعور المفقود، عن القوة، عن الكرامة. لكن كل ما كان يجده هو مرارة الألم، وثقل الذنب.

تسللت والدته إلى غرفته، تحمل صينية فطور بسيطة، لكنها تحمل معها قلباً مثقلاً بالحب والقلق. وجدته جالساً على الأرض، ظهره مسند على السرير، ينظر إلى الفراغ بعينين فقدتا بريقهما. "صباح الخير يا بني." قالت بصوت مرتجف.

لم يرد. استمر في تحديق الفراغ، كأنما يرى فيه صوراً لا يراها أحد سواه.

"ألم تأكل شيئاً منذ البارحة؟" سألت بحنان، واضعة الصينية أمامه.

رفع رأسه أخيراً، نظراته تائهة. "لا أريد شيئاً أمي." قال بصوت أجش.

"لا تقل هذا يا كريم. جسدك يحتاج إلى طعام. وصحتك..."

قاطعها بحدة لم يعتد عليها منها: "صحة؟ أي صحة تتحدثين عنها؟ أنا مجرد شبح يا أمي. شبح يلاحقه الماضي."

شعرت بالخوف. أمسكت بيده، كانت باردة جداً. "لا تقل هذا. أنت لست شبحاً. أنت ابني. وابنك بحاجة إليك. وحفيدنا المنتظر بحاجة إلى أب قوي."

اسم حفيده المنتظر، اسم ليلى، كان كالصاعقة. انتفض واقفاً، وكأنما لدغته أفعى. "لا تتحدثي عنها. لا تتحدثي عن المستقبل. المستقبل غير موجود."

"كيف تقول هذا؟ ألا تدرك أن أملنا الوحيد هو في هذا الطفل؟ ألا تدرك أن وجودك القوي سيمنح ليلى القوة؟"

"القوة؟ أنا؟ أنا أضعف رجل عرفته هذه الأرض." صرخ، ثم انهار جالساً مرة أخرى، يضم وجهه بيديه، ويرتجف.

كانت والدته تراه ينهار، لكنها لم تكن تعرف كيف تصل إليه. كانت تحاول أن تمنحه الأمل، لكن كلماتها بدت له وكأنها تأتي من عالم آخر، عالم لم يعد ينتمي إليه.

في مكان آخر، في شقتها الهادئة، كانت ليلى تقضي أيامها بصبر. كانت تتذكر كريم، تتذكر وعوده، تتذكر حبه. كان قلبها ما زال ينبض بحبه، لكن الشك بدأ يتسلل إليه. لقد مرت فترة طويلة منذ سمعت منه. رسائلها كانت تعود دون جواب، ومكالماتها لم تجد آذاناً صاغية.

في كل مرة كانت تتأمله، كانت ترى صورته وهي يتركها في الأمس، وعده لها بأن يتزوجها. كان ذلك الوعد بمثابة جسر يعبرها إلى حياة جديدة، حياة مبنية على الاحترام والحب الحلال. لكن هذا الجسر بدا الآن وكأنه يتهاوى.

زارتها خالتها، السيدة فاطمة، امرأة حكيمة وعطوفة. "ماذا بك يا ليلى؟ أراك مهمومة."

تنهدت ليلى. "أشعر بالقلق يا خالتي. كريم لم يعد كما كان. لا أسمع منه. أشعر أن شيئاً ما يحدث."

نظرت إليها السيدة فاطمة بعينين مليئتين بالتعاطف. "يا ابنتي، الرجال في هذه الدنيا يمرون بابتلاءات كثيرة. قد يكون غارقاً في عمله، أو ربما يواجه مشكلة خاصة."

"لكن هذا الصمت... هذا الغياب... إنه يقتلني." قالت ليلى، والدموع تتجمع في عينيها.

"الصبر يا ليلى. الصبر مفتاح الفرج. استعيني بالله، وأكثري من الدعاء."

كانت كلمات السيدة فاطمة بلسمة لروح ليلى، لكنها لم تستطع أن تزيل تماماً ثقل القلق الذي كان يخنقها. لقد حاولت أن تتحدث إلى والدتها عن كريم، لكن والدتها كانت دائماً تتجنب الحديث عن الموضوع، وتبدو وكأنها تخفي شيئاً.

في تلك الأثناء، كان كريم قد اتخذ قراراً. قراراً قاسياً، مؤلماً، لكنه بدا له في تلك اللحظة الوحيد الممكن. لقد أدرك أن إدمانه أصبح عائقاً أمام كل شيء. أمام ليلى، أمام عائلته، أمام مستقبله. لكنه لم يكن يملك الأدوات أو المعرفة اللازمة لمواجهة هذا العدو اللعين.

جلس على مكتبه، وأمامه ورقة بيضاء. حاول أن يكتب لليلى، أن يشرح لها، أن يعتذر. لكن الكلمات خانته. كل كلمة كانت تبدو زائفة، كل جملة كانت تعكس ضعفه. أخيراً، جمع كل ما لديه من قوة، وكتب بضع كلمات موجزة: "ليلى، آسف. لا أستطيع. يجب أن أبتعد. ابحثي عن سعادتك بعيداً عني."

كانت هذه الكلمات بمثابة حكم بالإعدام على حبهما، على كل ما حلم به. لقد مزق الرسالة، ثم مزق قلبه.

في هذه الأثناء، كانت والدة كريم قد اكتشفت بالصدفة بعض الأدلة التي تشير إلى ما كان يعاني منه ابنها. نظراته المتعبة، شحوب وجهه، وتغير سلوكه. عندما وجدت زجاجات فارغة مخبأة، أدركت الحقيقة المرعبة.

صرخت. صرخة مدوية هزت أركان الشقة. صرخة أم اكتشفت أن ابنها يغرق.

ركض كريم نحوها، خائفاً. "ماذا هناك أمي؟"

"أنت! أنت تفعل هذا بنفسك! لقد رأيت! رأيت كل شيء!" قالت، وجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالدموع.

لم يستطع الإنكار. انهار أمامها، يعترف بضعفه، بخطيئته. "سامحيني أمي. لقد ضعفت. لم أعد أستطيع."

عانقته أمه بقوة، بكاء مرير يهز جسديهما. "سنقاتل هذا. سنقاوم. معك يا بني. معك."

كانت تلك اللحظة، رغم قسوتها، بداية الطريق. بداية شرارة أمل صغيرة، تتسلل عبر وحل الخطايا. الشرارة التي قد تقود كريم إلى بر الأمان، أو تغرق معه في ظلام أعمق. هل ستكون والدته كافية لإنقاذه؟ هل ستتمكن ليلى من الصمود أمام هذا الألم؟ أم أن القدر قد رسم لهما طريقاً مختلفاً، طريقاً مليئاً بالفقد والخسارة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%