حب في المدينة الجزء الثالث
سجن الروح وصرخة التوبة
بقلم فاطمة النجار
كانت والدة كريم، السيدة نفيسة، امرأة صلبة الإيمان، لكن قلبها كان يتفطر ألماً وهي ترى ابنها يصارع وحشه الداخلي. لقد أيقنت أن المشكلة أعمق من مجرد ضغوط الحياة، وأنها بحاجة إلى مساعدة متخصصة. بعد ليالٍ طوال قضتها في الدعاء والتضرع، قررت أن تأخذ زمام المبادرة.
"كريم يا بني،" قالت له صباح أحد الأيام، وقد استجمع كل قوتها. "لقد قررت. سنذهب إلى مركز متخصص. سيساعدونك على تجاوز هذه المحنة."
نظر إليها كريم بعينين غائرتين، تحملان مزيجاً من الخوف واليأس. "مركز؟ أمي، أنا لا أريد الذهاب إلى أي مكان. أنا بخير."
"لا يا بني، لست بخير. ونحن لن نتركك تضيع. سأذهب معك. وسنقف بجانبك. كلنا."
كانت إصرار والدته أقوى من مقاومته. رأى في عينيها حباً لا ينضب، وتصميماً لا يلين. وبصعوبة، استجاب لطلبها.
كان المركز أشبه بسجن أنيق. غرف بسيطة، أطباء مهنيون، وبرامج علاج صارمة. في الأيام الأولى، قاوم كريم. كان يشعر بالغضب، بالإهانة. كان يرى نفسه ضعيفاً، عاجزاً. كان يحن إلى جرعة الخدر التي كانت تخفف عنه ألمه، لكنه الآن محروم منها.
كانت جلسات العلاج النفسي أشبه بالحفر في أعماق روحه. الطبيبة، الدكتورة هدى، امرأة متمرسة، بدأت بأسئلة بسيطة، ثم تعمقت في جروحه. "كريم، لماذا لجأت إلى هذا؟ ما الذي تخفيه؟"
في البداية، كان يكذب. يختلق الأعذار. لكن شيئاً فشيئاً، بدأت جدرانه تنهار. بدأت شظايا الذكريات تتكشف. ذكريات الطفولة، الضغوط التي تعرض لها في العمل، شعوره بعدم الكفاءة. والأهم، ذكريات ليلى.
"لقد كنت أحبها كثيراً،" اعترف بصوت خافت، والدموع تنهمر على خديه. "لكنني شعرت أنني لا أستحقها. أنني سأخذلها. وأن هذا هو الطريق الوحيد للهروب من واقعي."
كان الاعتراف بضعفه أشد ألماً من أي شيء آخر. كان يشعر وكأن روحه تجردت من كل دفاعاتها، وأصبحت مكشوفة على مصراعيها.
في هذه الأثناء، كانت ليلى تعيش أياماً عصيبة. الرسالة التي تلقاها كريم، والتي كتبها بيده، كانت قد وصلت إليها. لم تكن من كريم نفسه، بل من والدته، السيدة نفيسة، التي قررت أن تبلغها بالحقيقة، وأن تطلب منها الصبر والدعاء.
"يا ابنتي، كريم يمر بظروف صعبة جداً. إنه يعاني من مرض يحتاج إلى علاج. إنه يتلقى المساعدة حالياً. وأنا أطلب منكِ، باسم حبكما، أن تتحلي بالصبر. وأن تدعي له."
قرأت ليلى الرسالة، وقلبها يدق بعنف. كان هناك مزيج من الألم والفهم. لقد أدركت أن كريم لم يبتعد عنها عن إرادة، بل عن ضعف. هذا الفهم لم يقلل من ألم البعد، لكنه خفف من ثقل الشعور بالخيانة.
"هل هو بخير يا أم كريم؟" سألت بصوت مرتجف.
"إنه في طريقه إلى الشفاء يا ابنتي. لكنه يحتاج إلى وقت، وإلى دعم."
"سأدعو له. وسأصلي. وسأنتظره." قالت ليلى، متخذة قراراً بأن لا تستسلم.
كانت والدة كريم تزوره بانتظام، تحدثه عن ليلى، عن طفلهما المنتظر. هذه الأحاديث كانت بمثابة حبل نجاة له، تذكره بما ينتظره، بما يجب أن يكافح من أجله.
"ليلى تسأل عنك، يا كريم. وهي تدعو لك. إنها تنتظرك."
كانت كلمات والدته تحمل وزناً هائلاً. رأى في ليلى شعلة الأمل، ومنارة العودة. لقد أدرك أن إدمانه لم يسرق منه فقط صحته وكرامته، بل كاد أن يسرق منه أغلى ما يملك.
بدأت جلسات العلاج الجماعي. كان كريم يرى أناساً آخرين يعانون من نفس المشكلة، يتشاركون قصصهم، يتلقون الدعم. هذا الشعور بأنه ليس وحده، وأن هناك من يفهمه، بدأ يخفف من عزلته.
"لقد كنت أنظر إلى إدماني على أنه هروب،" قال في إحدى الجلسات. "لكنني الآن أدرك أنه كان سجن. سجن بنيته بنفسي، ثم سمحت له بأن يقيدني."
كانت تلك اللحظة، لحظة الاعتراف بالذنب، هي بداية التوبة الحقيقية. التوبة التي لا تقتصر على الندم، بل تشمل العزم على التغيير.
في أحد الأيام، وبينما كان يجلس في حديقة المركز، يتأمل السماء، جاءت فكرة إلى ذهنه. فكرة جريئة، ربما تكون صعبة، لكنها ضرورية. لقد قرر أن يواجه ليلى. أن يعتذر لها، أن يكشف لها عن كل شيء، وأن يطلب منها فرصة أخرى.
"أمي،" قال لها في زيارته التالية. "أريد أن أرى ليلى."
نظرت إليه والدته بعينين تشعّان بالأمل. "هل أنت مستعد يا بني؟"
"أعتقد ذلك. أريد أن أخبرها بالحقيقة. وأن أطلب منها أن تسامحني."
لم يكن الطريق سهلاً. لم تكن المعركة قد انتهت. لكن في قلب سجن الروح، كانت هناك صرخة توبة قد انطلقت، صرخة تحمل معها وعداً بالمستقبل، ووعداً بالشفاء. هل ستستقبل ليلى هذه التوبة؟ هل ستكون قادرة على مسامحة الرجل الذي كاد أن يضيع كل شيء؟