زوجي الغريب الجزء الثالث

وشوشات الماضي المتسللة

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات الفجر الباكر تلفّ القصر بعبقٍ منعش، تحمل معها وعدًا بيومٍ جديد. استيقظت ليلى على صوت العصافير المغردة، وفتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها وحيدةً في سرير الزوجية. لم يكن أينشتاين بجوارها. لقد اعتادت على غيابه المفاجئ في ساعات الليل المتأخرة، حينما كان يغوص في أبحاثه، أو يخرج للتأمل في سكون الصحراء. كانت هذه العادة، رغم أنها تثير في قلبها قلقًا خفيفًا، إلا أنها لم تكن لتزعجها حقًا.

نهضت من فراشها، وارتدت جلبابها الفضفاض، وتوجهت إلى المطبخ لإعداد الفطور. كانت تحب أن تبدأ يومها بهدوءٍ و سكينة، بعيدًا عن صخب العالم. وبينما كانت تحضّر الشاي، سمعت صوت خطواتٍ تقترب. التفتت لتجد والدتها، السيدة آمنة، واقفةً عند باب المطبخ، تحمل في يديها سلةً مليئةً بالفاكهة الطازجة.

"صباح الخير يا ابنتي," قالت آمنة بابتسامةٍ دافئة. "كيف حالك؟"

"صباح النور يا أمي," ردت ليلى، واحتضنت والدتها بحنان. "أنا بخير، والحمد لله. ولكن يبدو أنكِ تشعرين بقلقي."

ضحكت آمنة بخفة. "وكيف لا أشعر، وأنا أمك؟ أرى في عينيكِ بعض الحيرة، وبعض الشوق. هل كل شيءٍ على ما يرام مع أينشتاين؟"

تنهدت ليلى. "كل شيءٍ على ما يرام، يا أمي. إنه رجلٌ رائع، ذكيٌ وعميق. ولكنني أشعر أحيانًا أنني لا أفهمه تمامًا. يبدو ككتابٍ عظيم، صفحاته كثيرة، وأسراره أعمق."

جلست آمنة على كرسيٍ قريب، وأشارت لليلى بالجلوس بجوارها. "يا ابنتي، كل زواجٍ له تحدياته، وخاصةً الزواج بين شخصين مختلفين. أينشتاين رجلٌ فريد، وهذا يتطلب منكِ صبرًا، وفهمًا، وثقةً كبيرة."

"أنا أثق به، يا أمي," قالت ليلى، وعيناها تلمعان بصدق. "ولكن هناك أمورٌ لا أفهمها. أحيانًا يتحدث عن أمورٍ لا أفهمها، وعن أماكن غريبة. ويختفي لساعاتٍ طويلة دون أن يخبرني."

"هذه طبيعة العقول الكبيرة يا ابنتي،" قالت آمنة بحنان. "إنهم يعيشون في عالمٍ خاص بهم. المهم هو أن تتواصلا، وأن تخبري زوجكِ بما تشعرين به. الزواج بناءٌ، ويبنى بالكلمات الصادقة، وبالقلوب المفتوحة."

في تلك الأثناء، كان أينشتاين يجلس في مكتبه، وهو يقلّب في مجموعةٍ من الوثائق القديمة. كانت تلك الوثائق تخصّ تاريخ عائلته، وتاريخ "جماعة العرفان" التي كان يسعى للكشف عن أسرارها. كان قد علم أن هناك مؤامرةً تُحاك حوله، وأن هناك من يسعى لإيذائه وإيذاء ليلى.

"يجب أن أكون حذرًا," تمتم لنفسه. "لم أعد أعمل وحدي. أصبحت مسؤولًا عن سعادة ليلى، وعن سلامتها."

كان قد اكتشف مؤخرًا أن بعض أعضاء "جماعة العرفان" هم من كانوا يتآمرون ضد والده في الماضي. وكانوا يسعون الآن للسيطرة على إرثه، وعلى أبحاثه. وكانوا يستخدمون كل الوسائل الممكنة، حتى الخبيثة منها، لتحقيق أهدافهم.

"لا يمكن أن أدعهم ينجحون," قرر بحزم. "لن أسمح لهم بأن يدمروا حياتي، وحياة ليلى."

في المساء، عادت ليلى إلى غرفتها، لتجد أينشتاين جالسًا على أريكته، يقرأ كتابًا. بدا هادئًا، ولكن عيناه كانت تحملان شيئًا من القلق.

"مرحبًا بعودتك," قالت ليلى، وجلست بجواره.

"مرحباً بكِ يا حبيبتي," قال أينشتاين، ووضع الكتاب جانبًا. "كيف كان يومك؟"

"كان يومًا عاديًا،" أجابت ليلى. "ولكنني افتقدتك."

نظر إليها أينشتاين بعمق، وشعر بالامتنان لوجودها في حياته. "وأنا أيضًا افتقدتكِ. كنتُ مشغولًا ببعض الأمور."

"ما هي تلك الأمور؟" سألت ليلى بتردد. "هل هي متعلقةٌ بعملك؟"

تردد أينشتاين للحظة. لم يكن يرغب في إقلاقها. ولكنه علم أن الصدق هو أساس الثقة. "نعم، هي متعلقةٌ بعلمي، وببعض المسائل المعقدة التي أحاول حلها."

"هل يمكنني المساعدة؟" سألت ليلى بصدق. "أنا لا أفهم الكثير في علمك، ولكنني أستطيع أن أستمع، وأن أدعمك."

ابتسم أينشتاين ابتسامةً دافئة. "وجودكِ بجانبي هو كل الدعم الذي أحتاجه يا ليلى. أنتِ مصدر قوتي."

ثم، قرر أن يشاركها جزءًا مما يشغل باله. "هناك بعض الأشخاص، الذين لديهم أجنداتٌ خفية، ويسعون إلى السيطرة على ما أعمل عليه. ولكنني لن أسمح لهم بذلك."

شعرت ليلى بالخوف، ولكنها حافظت على هدوئها. "لا تقلق، يا أينشتاين. أنت قويٌ بما يكفي لمواجهة أي شيء. ونحن معًا."

في تلك الليلة، أحسّت ليلى بأنها أقرب إلى زوجها من أي وقتٍ مضى. لم يكن مجرد زوجٍ غريب، بل كان شريكًا في رحلةٍ لم تعد تعرف وجهتها، ولكنها كانت تثق بأنها تسير في الطريق الصحيح.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان رئيس "جماعة العرفان" يتحدث مع أحد مساعديه. "لقد بدأنا بالتقرب من الهدف," قال بصوتٍ خافت. "الرجل الغريب، وعائلته، هم مجرد خطواتٍ على طريقنا. سنحصل على ما نريد، مهما كلف الأمر."

كانت خطتهم تتضمن زرع بذور الشك في عقل ليلى، وإثارة الخلاف بينها وبين أينشتاين. كانوا يعلمون أن ليلى، بقلبها الرقيق، قد تكون نقطة ضعفٍ لأينشتاين.

"هل كل شيءٍ جاهز؟" سأل المساعد.

"نعم، يا سيدي. لقد أرسلتُ إلى شخصٍ ما في القصر، ليقوم بتزويدنا بالمعلومات اللازمة. ولن ننتظر طويلاً حتى تبدأ الأحداث في التطور."

كانت تلك "الشخص" هو أحد الخدم القدامى في القصر، رجلٌ طمّاع، باع ولاءه للمال. وكان هذا الرجل قد بدأ بالفعل في جمع المعلومات عن حياة ليلى وأينشتاين، ويسلّمها إلى جماعة العرفان.

في نهاية هذا الفصل، وقفت ليلى تتأمل في سماء الليل المرصعة بالنجوم. شعرت بأن هناك شيئًا ما يحدث، شيئًا لا تفهمه. ولكنها لم تكن لتسمح للخوف بأن يتملكها. لقد عرفت أن حياتها مع أينشتاين لن تكون هادئة دائمًا، ولكنها كانت مستعدةٌ لمواجهة التحديات، من أجله، ومن أجل حبّهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%