زوجي الغريب الجزء الثالث
غيمةٌ في سماء السعادة
بقلم ليلى الأحمد
استقرت نفوس آل الزين بعد رحلة العمرة المباركة، وعادت زينب تحمل في قلبها سكينةً لا تُوصف، وفي عينيها بريقُ رضىً عميق. كانت الأيام تمضي هادئةً، تتخللها لقاءاتٌ تجمعها بزوجها الغريب، سيف. لم يعد ذاك الرجل اللغز الذي كان، بل أصبح نبعَ حنانٍ ودعمٍ، وشريكَ حياةٍ يُشاركها أدق تفاصيل يومها. عادت لعملها في الجمعية الخيرية، وكان شغفها يتجدد كل يوم وهي ترى الأثر الطيب الذي تتركه على حياة المحتاجين.
في أحد الأيام، بينما كانت تعكف على ترتيب بعض الأوراق في مكتبها، وردها اتصالٌ هاتفيٌّ أدخل بعض القلق إلى قلبها. كانت المتصلة السيدة منى، والدة زميلتها سارة، والتي كانت زينب تحرص على زيارتها في منزلها لمواساتها بعد وفاة زوجها.
"مساء الخير يا ابنتي زينب، كيف حالك؟" صوت السيدة منى بدا متعبًا بعض الشيء.
"مساء النور يا خالتي، الحمد لله بخير. كيف حالك أنتِ؟" أجابت زينب، وشعرت بقلقٍ مفاجئ.
"لستُ بخيرٍ يا ابنتي. سارة... سارة في المستشفى."
تجمدت زينب في مكانها. "المستشفى؟ ما بها سارة؟"
"لا أدري تفاصيل دقيقة، لكنها شعرت بآلامٍ شديدةٍ ونُقلت. يقولون إنها حالةٌ خاصةٌ وتحتاج لرعايةٍ مكثفة."
تسارعت دقات قلب زينب. كانت سارة زميلتها المقربة، وصديقتها الحنونة، لم تتحدثا منذ أيام، ولم تشكُ سارة من أي مرض. "هل تعرفين أي مستشفى؟ سأحضر حالاً."
"مستشفى الأمل، في قسم العناية المركزة."
لم تتردد زينب. ودعت زملائها وأخبرتهم بضرورة مغادرتها، ثم انطلقت بسيارتها مسرعةً إلى المستشفى. كانت الصور تتصارع في ذهنها: ابتسامة سارة المشرقة، حديثهما عن مستقبل الجمعية، خططهم المستقبلية... كل ذلك بدا هشًا أمام خبرٍ كهذا.
وصلت إلى مستشفى الأمل، ودخلت بقلقٍ شديد. وجدت السيدة منى جالسةً في صالة الانتظار، وجهها شاحبٌ وعيناها دامعتان. احتضنتها زينب بحرارة.
"كيف حالها الآن يا خالتي؟" سألت بصوتٍ مختنق.
"لم يسمحوا لنا بالدخول لرؤيتها. يقولون إنها في حالةٍ مستقرةٍ لكنها تحتاج لوقتٍ ليتعافى جسدها."
جلست زينب بجانبها، تحاول أن تُخفف من روعها. "إن شاء الله ستكون بخير. سارة قويةٌ وتتجاوز كل الصعاب."
مرت ساعاتٌ طويلةٌ ثقيلة. انضم إليهم بعد ذلك أخ سارة، وصلاواتٌ ودعواتٌ لا تتوقف. في إحدى هذه الأثناء، اقتربت منها ممرضةٌ بابتسامةٍ خجولة.
"عذرًا، هل أنتِ السيدة زينب؟"
"نعم، أنا هي."
"الدكتورة تريد التحدث معكِ في غرفتها. إنها بخصوص السيدة سارة."
شعرت زينب ببرودةٍ تسري في عروقها. ذهبت مع الممرضة وهي تدعو الله أن يكون الخبر مطمئنًا. وجدت أمامها دكتورةً ذات وجهٍ بشوشٍ، لكن نظراتها تحمل بعض الجدية.
"تفضلي يا سيدة زينب، اجلسي."
جلست زينب، تتنفس بصعوبة. "خير يا دكتورة؟"
"سارة بخيرٍ الآن، وهي في مرحلة النقاهة. لكن ما حدث لها كان مفاجئًا جدًا. اكتشفنا أثناء الفحوصات أنها كانت تعاني من... حالةٍ وراثيةٍ نادرةٍ تتطلب مراقبةً مستمرةً. والأمر الأكثر أهميةً، أن حالتها تتطلب راحةً تامةً لفترةٍ طويلة، وقد لا تتمكن من ممارسة عملها بنفس الوتيرة التي اعتادت عليها."
صدمت زينب. "وراثية؟ راحة تامة؟"
"نعم. وللأسف، يبدو أن هناك عاملًا قد يكون فاقم الأمر لديها مؤخرًا." ثم نظرت الدكتورة في سجلات سارة. "هل كانت سارة تمر بضغوطاتٍ عاطفيةٍ أو نفسيةٍ مؤخرًا؟"
تذكرت زينب بعض الأحاديث التي دارت بينهما قبل بضعة أسابيع، عن قلق سارة من أمرٍ ما، عن علاقةٍ معقدةٍ مع أحد أقربائها. كانت سارة ترفض الخوض في التفاصيل، لكن زينب شعرت أن هناك شيئًا ما يؤرقها.
"لم تتحدث لي كثيرًا، لكنها كانت تبدو قلقةً بعض الشيء في الفترة الأخيرة. كانت هناك بعض الأمور العائلية."
"هذا يفسر الكثير. هذه الحالة الوراثية تجعلها أكثر عرضةً للتأثيرات الخارجية، خاصةً الضغوط النفسية. يجب أن تحصل على قسطٍ وافرٍ من الراحة، وأن تتجنب أي مسبباتٍ للتوتر قدر الإمكان."
خرجت زينب من غرفة الدكتورة وهي تحمل همًا جديدًا. لم يكن فقط مرض سارة، بل كانت قلقةً من طريقة إبلاغها بهذا الخبر. سارة، التي تعلقت بجمعيتهم كأنها بيتٌ لها، كيف ستستقبل خبر ابتعادها عنها؟
عندما دخلت زينب لزيارة سارة في غرفتها، وجدتها مستيقظةً، وجهها شاحبٌ لكن عينيها فيها بعض الوهج. ابتسمت سارة ابتسامةً ضعيفة.
"زينب! شكرًا لحضورك. ظننت أنني لن أراكِ مرةً أخرى."
"لا تقولي هذا يا سارة. أنتِ قويةٌ وستعودين أفضل مما كنتِ."
لم تستطع زينب أن تخفي قلقها. جلست بجانبها، وأمسكت بيدها. "سارة، الدكتورة أخبرتني... عن حالتك."
احمر وجه سارة قليلًا. "نعم، قدر الله وما شاء فعل."
"لكن... عملكِ؟ الجمعية؟"
انحنت نظرات سارة نحو يديها. "أعرف. دكتورة قالت لي أنني أحتاج لراحةٍ طويلة. قد... قد لا أستطيع الاستمرار بنفس الوتيرة."
شعرت زينب بحزنٍ عميقٍ يخترق قلبها. "سارة، أنتِ لستِ وحدكِ. سنفعل كل ما بوسعنا. سنُقسم العمل، وسنجد حلولًا. أهم شيءٍ الآن هو صحتكِ."
"لكن الجمعية هي كل شيءٍ بالنسبة لي. هي المكان الذي وجدت فيه نفسي، والمكان الذي أخدم فيه أهلي وناسي."
"وهذا ما سنستمر في فعله. لا تقلقي بشأن العمل. سأتولى الأمر."
في هذه الأثناء، كان سيف يعود من رحلة عملٍ قصيرة. وصل إلى المنزل وهو يحمل معه حقائبه، وشعر بالارتياح لعودته إلى زوجته. عندما دخل المنزل، وجد زينب تجلس في الصالة، تبدو شاردهً.
"زينب، هل أنتِ بخير؟" سألها وهو يقترب منها.
"أهلاً بك يا سيف. نعم، بخير. فقط... بعض الأخبار غير السارة."
جلست بجانبها، وطلبت منه أن يُحضر لها كوبًا من الماء. ثم بدأت تحكي له ما حدث لسارة، وما سمعته من الدكتورة. كان سيف يستمع بانتباهٍ شديد، وتعابير وجهه تتغير بين القلق والتفكير.
"مسكينة سارة. حالتها تستدعي كل الاهتمام." قال سيف بعد أن أنهت زينب حديثها. "ولكن، هل قالت الدكتورة بالضبط ما هي الضغوطات العائلية التي أثرت عليها؟"
"لم تتحدث عن تفاصيل، قالت إنها أمورٌ خاصة."
"أتفهم. لكن ربما، ربما يمكننا أن نجد طريقةً لمساعدتها في التغلب على هذه الضغوطات. ربما يمكنني أن أتحدث مع بعض معارفنا الذين لديهم خبرةٌ في مثل هذه الأمور."
نظرت زينب إلى زوجها بدهشةٍ وإعجاب. كان دائمًا حاضرًا، يبحث عن حلولٍ، ويُقدم يد العون. "شكرًا لك يا سيف. هذا لطفٌ منك."
"لا داعي للشكر. سارة زميلتكِ، وأصبحتِ جزءًا من حياتنا. علينا أن نتكاتف."
في تلك الليلة، لم تنم زينب كثيرًا. كانت تفكر في سارة، وفي مستقبل الجمعية، وفي هذه الحياة التي تحمل دائمًا مفاجآتٍ غير متوقعة. لكن وسط كل هذا، كانت تشعر بامتنانٍ كبيرٍ لوجود سيف بجانبها، فهو لم يكن مجرد زوجٍ، بل كان سندًا وحضنًا دافئًا، يمنحها القوة لتواجه تحديات الحياة. غيمةٌ قد تعكر صفو السماء، لكن وجود شمسٍ ساطعةٍ كشمس سيف، يجعل الغيمة تبدو أقل وهنًا، وأكثر قابليةً للتبدد.