زوجي الغريب الجزء الثالث

رياحٌ تغير مسار السفينة

بقلم ليلى الأحمد

بعد زيارتها لسارة، وجدت زينب نفسها في دوامةٍ من التفكير. لم يكن مرض زميلتها المقربة سوى غيضٍ من فيضٍ من القضايا التي بدأت تتكشف في حياتها، والتي هدّدت بإحداث زعزعةٍ في استقرارها الجديد. كانت سارة، في غرفتها بالمستشفى، تتلقى زياراتٍ متفرقةً من عائلتها. والدتها، وشقيقها، وبعض الأقارب. لكن زينب لاحظت غيابًا لافتًا لشخصٍ واحدٍ كان دائمًا حاضرًا في حياة سارة: خالها، السيد أحمد.

لم تكن زينب تعرف السيد أحمد جيدًا، لكنها سمعت سارة تتحدث عنه بين الحين والآخر. كانت تتحدث عن تاريخٍ طويلٍ من البخل والاستغلال، وعن علاقةٍ كانت تحاول جاهدةً الانفكاك منها. في إحدى المرات، خلال إحدى أحاديثهما الخاصة، لمح سارة وهي تبكي، وتتحدث عن تهديداتٍ تلقاها، وعن ضغوطٍ ماليةٍ يمارسها عليها خالها. كانت سارة تخشى مواجهة هذا الأمر بشكلٍ علني، خوفًا من تفاقم المشكلة.

في يومٍ من الأيام، وبينما كانت زينب تتفقد سجلات الجمعية، وقع بصرها على ملفٍ قديمٍ يعود لعامين مضيا. كان الملف يتضمن تفاصيل عن طلبٍ للمساعدة المالية من أسرةٍ كانت تعاني من أزمةٍ حادةٍ. والمدهش، أن اسم السيدة التي قدمت الطلب كان "منى عبد الرحمن"، والدة سارة. كان الطلب مرفوضًا، مع ملاحظةٍ تفيد بأن الأسرة لديها إمكانياتٌ أخرى لتغطية احتياجاتها.

شعرت زينب ببعض الغرابة. سارة كانت دائمًا تتحدث عن وضع أسرتها المالي كوضعٍ بسيطٍ، لكنها لم تكن تبدو فقيرةً إلى الحد الذي يدفعها لطلب المساعدة من الجمعية. بل إن والدتها، السيدة منى، التي كانت تعيش في فيلا كبيرة، ومنزلها كان عامرًا بالأثاث الفاخر، حسب وصف سارة.

قررت زينب أن تتحدث مع سارة في هذا الشأن، فور استقرار حالتها الصحية. في هذه الأثناء، بدأت تتكشف لديها خيوطٌ أخرى من التعقيدات. السيد سيف، زوجها، كان مشغولًا بمسؤوليات عمله المتزايدة، ولكن ذلك لم يمنعه من متابعة حالة سارة عن كثب، وإبداء اهتمامه الكبير. كان يتواصل مع زينب بشكلٍ يومي، للاطمئنان على سارة، وللاطمئنان عليها.

"هل هناك أي جديد يا زينب؟" سألها سيف عبر الهاتف.

"لا جديدٌ يُذكر. حالتها مستقرةٌ، لكن الأطباء ما زالوا يوصون بالراحة التامة. لقد تحدثت معها اليوم، وبدت أكثر هدوءًا. لكنني ما زلت قلقةً بشأن مستقبلهما في الجمعية. إنها حقًا روح الجمعية."

"لا تقلقي. سأتواصل مع أحد المحامين الذين أعرفهم، ربما لديه خبرةٌ في قضايا تعويضاتٍ أو دعمٍ للأشخاص الذين يمرون بظروفٍ صحيةٍ مشابهة. لا نريد أن نضطر للتخلي عن سارة."

"شكرًا لك يا سيف. أنت حقًا سندٌ لي."

"وهذا واجبي. لا تقلقي. سأحاول ترتيب لقاءٍ مع هذا المحامي غدًا، لعلي أجد ما يفيد."

في اليوم التالي، ذهبت زينب لزيارة سارة مرةً أخرى. كانت سارة تجلس في شرفتها، تتأمل السماء. بدت أكثر نشاطًا، لكن عينها ما زالت تحمل بعض الحزن.

"زينب، تفضلي." قالت سارة وهي تبتسم.

جلست زينب بجانبها. "كيف حالك اليوم؟"

"أفضل بكثير. الحمد لله. الأطباء يقولون إنني أتعافى بسرعة."

"هذا خبرٌ رائعٌ. سارة، لدي سؤالٌ، أرجو ألا تُنزعجي."

نظرت سارة إلى زينب بعينين متسائلتين. "تفضلي."

"أتذكرين عندما طلبتِ المساعدة من الجمعية قبل عامين؟"

ارتعش جسد سارة قليلًا، وتغير لون وجهها. "نعم... أتذكر."

"لم أفهم لماذا، والدتكِ كانت دائمًا تبدو بخير، والمنزل... بدا دائمًا عامرًا."

تنهدت سارة بعمق. "الحياة ليست دائمًا كما تبدو من الخارج يا زينب."

"أعلم ذلك. لكنني شعرت بالفضول. ما الذي حدث وقتها؟"

ترددت سارة قليلًا، ثم قالت بصوتٍ منخفض: "كانت تلك الفترة صعبةً جدًا. خالتي... خالتي كانت تمر بضائقةٍ ماليةٍ كبيرة، وكانت تحتاج لمبلغٍ عاجلٍ لعمليةٍ جراحيةٍ طارئة. لم يكن لديّ ما يكفي من المال، ووالدتي لم تستطع المساعدة. لجأتُ إلى الجمعية... ولم يتم قبول طلبي."

"ولماذا لم يتم قبول طلبك؟ هل تعرفين السبب؟"

"قالوا إن لديّ مواردٌ كافية، وهذا غير صحيح. بل إنني كنتُ أنا من أُعطي أمي بعض المال في تلك الفترة، لتساعدني في تدبير أموري. لكن... لم يكن لديّ الجرأة لأقول لهم ذلك."

"وهل تمكنتِ من تدبير الأمر في النهاية؟"

"نعم، ولكن بصعوبةٍ بالغة. اضطررتُ لبيع بعض المقتنيات الثمينة جدًا. لم يكن لديّ خيارٌ آخر."

صدمت زينب. كان الأمر أكثر تعقيدًا مما كانت تتصور. شعرت بمسؤوليةٍ مضاعفةٍ تجاه سارة، ليس فقط كزميلةٍ، بل كشقيقةٍ وجدت نفسها في مواجهةٍ مع أقرب الناس إليها.

"ومنذ ذلك الوقت، هل استمر خالك في الضغط عليك؟"

"نعم. دائمًا ما يطلب مني المال، ويُهددني بأن يفضح أسراري. أسرارٌ لا علاقة لها بي، بل تخص عائلتنا. إنها أسرارٌ عائليةٌ قديمة، يحاول ابتزازي بها."

"لا أصدق هذا. هذا غير مقبولٍ على الإطلاق."

"أعلم. لكنني كنتُ خائفةً. خائفةً من كلام الناس، ومن ردة فعل والدي."

"سارة، أنتِ لستِ وحدكِ. الآن، لدينا من يساعدكِ. سيف، زوجي، تحدث مع محامٍ. سنرى ما يمكننا فعله لمواجهة هذا الظلم."

ارتعش وجه سارة، وأمسكت بيد زينب بحرارة. "هل تفعلون ذلك حقًا؟"

"بالتأكيد. لن نسمح لأحدٍ باستغلالكِ أو تهديدكِ."

في هذه الأثناء، كان السيد سيف قد انتهى من لقائه مع المحامي. كان المحامي، السيد خالد، رجلًا متمرسًا، وقد استمع إلى حديث سيف بانتباه.

"ما تصفينه يا سيدي، يبدو أنها قضايا ابتزازٍ واضحة، وربما استغلالٍ مباشرٍ للحالة الصحية للسيدة سارة." قال المحامي خالد. "الأمر يتطلب جمع المزيد من الأدلة، ولكن إذا تأكدنا من وجود تهديداتٍ فعليةٍ أو ضغوطٍ غير قانونية، يمكننا التقدم بشكوى. والأهم، أننا قد نجد طريقةً لتقديم دعمٍ قانونيٍّ للسيدة سارة، لحمايتها من هذه التهديدات."

"ممتاز. أنا مستعدٌ لدعمها بكافة السبل الممكنة. سارة زميلةُ زوجتي، ونحن نعتبرها جزءًا من عائلتنا. أريد أن أرى نهايةً لهذه المعاناة."

"سأبدأ في جمع المعلومات اللازمة. نحتاج إلى تفاصيل دقيقة حول التهديدات، والتواريخ، وأي شهودٍ محتملين."

عاد سيف إلى المنزل وهو يحمل خبرًا مطمئنًا لزينب. "لقد تحدثت مع المحامي. الوضع يبدو صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا. لديه خبرةٌ كبيرةٌ في قضايا مشابهة، ووعد ببذل كل ما في وسعه لمساعدة سارة."

"هذا خبرٌ مفرحٌ جدًا يا سيف. كنتُ قلقةً عليها. إنها روحٌ طيبةٌ وقعت فريسةً لأشخاصٍ لا ضمير لهم."

"نعم. ولكن الآن، الأمور ستتغير. بإذن الله."

نظرت زينب إلى زوجها، وشعرت بأن الأمواج العاتية التي بدأت تضرب سفينة حياتها، قد بدأت تجد مرسىً آمنًا. لم يكن سيف مجرد رجلٍ قوي، بل كان رجلًا يُعطي معنىً حقيقيًا للشراكة، وللإنسانية. لقد أصبحت تدرك أكثر فأكثر، أن هذا الزواج، رغم بدايته الغريبة، كان رحلةً مباركةً تتكشف فيها أجمل المعاني.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%