زوجي الغريب الجزء الثالث
همسات الماضي وزوابع الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
جلست نور على مقعدها الوثير في غرفة المكتبة، تغمض عينيها محاولةً استيعاب ما سمعته للتو. كانت الكلمات تتردد في أذنيها كصدىً بعيد، كلماتٌ قادرة على هدم عالمها الذي بنته بصبرٍ وحب. يوسف، الرجل الذي أحبته، الذي وثقت به، الذي اختارته سنداً لها ولأبنائها... لم يكن كما ظنت. المكتبة، التي كانت دائماً ملاذها الآمن، المكان الذي تلجأ إليه لتهدئة عواصف روحها، بدت الآن كغرفةٍ تخنقها جدرانها، وكأن الكتب المعتقة بدأت تهمس بأسرارٍ مؤلمة.
لم تكد تمر أسابيع قليلة على عودتها إلى حضن زوجها، الحاجة الماسة للدفء والأمان بعد سنواتٍ قاسية، حتى فُتح أمامها بابٌ لم تتوقع أبداً أن يُفتح، بابٌ يقود إلى ماضٍ لم تكن تعرف شيئاً عن خيوطه المتشابكة. والدة يوسف، السيدة فاطمة، التي كانت تبدو لها ملاكاً رحيماً، تفوح منها رائحة الطيبة والعطف، تكشفت لها الآن بوجهٍ آخر، وجهٌ يحمل ندوباً من زمنٍ قديم، ندوبٌ حفرتها ظروفٌ قاسية وجراحٌ لم تندمل.
كانت المكالمة الهاتفية قد بدأت عادية، حديثٌ وديٌ عن الأبناء، وعن أحوال العائلة، ثم تطورت إلى همساتٍ غامضة، ثم إلى اعترافٍ مفاجئ، اعترافٌ هزّ أركان عالم نور. "ابنتي العزيزة، هناك أمورٌ أثقلت كاهلي سنين طوال، وأخشى أن تظل حبيسة صدري حتى ألقى الله. قد تتغير نظرتك لي، وقد تتغير نظرتك له... ولكن الحق يعلو ولا يُعلى عليه." لم تفهم نور وقتها ثقل هذه الكلمات، وظنتها مجرد تداعيات لشيخوخةٍ بدأت تستولي على السيدة فاطمة. لكن سيل الاعترافات التي تبعت كان كفيلاً بأن يلقي بظلٍ كثيفٍ على كل شيء.
"يوسف... هو ليس ابني الوحيد." صدمةٌ كبرى. لم تكن تعلم بوجود أي أخوة ليوسف، فكيف يكون الأمر كذلك؟ "كان له أختٌ توفيت صغيرة، رحمة الله عليها. لكن... قبل زواجي الأول، كانت هناك قصةٌ أخرى. قصةٌ طويلةٌ مع رجلٍ أحببته، وحملت منه... ولكن الظروف جبرتني على التخلي عن هذا الحمل. نعم، نعم يا ابنتي، لقد تخلّيت عن طفلةٍ وجدها خالك، وأخذها ليربيها بعيداً عن الأنظار. لقد خشيت العار، وخشيت على سمعة عائلتي. وعندما كبر يوسف، وظننت أني قد شفيت من الماضي، تزوجت والده، وعشت حياتي."
شعرت نور بالغثيان. طفلة؟ تخلت عنها والدة زوجها؟ طفلةٌ تركت لتواجه مصيرها؟ بدأت تتذكر صوراً باهتة، وجوهاً غريبة مرت في حياتها، لم تكن تعلم لمَ شعرت تجاه بعضها بذلك القرب الغامض، وذلك الألم المجهول. هل كانت تلك الطفلة... هي؟
"والطفلة التي وجدها خالك، أين هي الآن؟" سألت نور بصوتٍ مختنق، تكاد الكلمات تضيع في زحمة المشاعر المتضاربة.
"ابنتي، هذا هو الجزء الأصعب. لقد كانت تلك الطفلة... هي أنتِ يا نور."
جمدت نور في مكانها. الدم يتدفق في عروقها بارتفاعٍ جنوني، ثم ينسحب فجأةً تاركاً إياها أشبه بتمثالٍ من ثلج. هي؟ هي الطفلة التي تخلت عنها والدة زوجها؟ هي الابنة الضائعة التي تركت لمصيرها؟ كل ما عاشته، كل ما تذكرته عن طفولتها المليئة بالوحدة، بالبحث عن انتماء، عن جذور... كل هذا كان له تفسيرٌ قاسٍ ومؤلم.
"كيف؟ متى؟" سألت بصوتٍ مهزوز، ممسكةً بطرف طاولة المكتبة بيدين مرتعشتين.
"جدك، والد أمك، رحمة الله عليه، كان صديقاً لخالك. لقد وجد تلك الرضيعة، ولم يستطع تركها. لقد أحبها، ورأى فيها الأمل. لم يعرف حقيقتها، ولم نعرف نحن من تبناها. حتى كبرت، وجاء يومٌ تقدم فيه يوسف لخطبتك. وقتها... وقتها بدأت الشكوك تتراكم لدي. تشابهٌ غريبٌ في الملامح، في بعض التصرفات، في نظرة العين التي كانت تراودني كشبحٍ من الماضي. كلما رأيتك، شعرت بشيءٍ في أعماقي يهتز. وعندما سمعت اسم جدتك لأمك، تأكدت. لقد كانت أمي، جدتك، هي من أعطتني هذه الطفلة، بحجة أنها أختٌ لهم. أخفت أمي الحقيقة عن الجميع، وعن نفسها أيضاً ربما، ولكن ضميرها لم يطمئن."
تنفست نور بعمق، ولكن الهواء بدا وكأنه يرفض الدخول إلى رئتيها. كل شيءٍ أصبح ضبابياً. حياتها، علاقتها بيوسف، حبها له... كيف يمكن أن يكون زوجها هو أخاها من أمها؟ كيف يمكن أن يكون قد ورث والدته التي تخلت عنها؟ التفكير في الأمر جعل معدتها تتقلب.
"ولماذا الآن؟ لماذا لم تقولي لي من قبل؟" سألت بمرارة، والنظرات تتجه نحو صورة يوسف المعلقة على الحائط، صورةٌ يبتسم فيها لها بحبٍ ودفء. هل كان يعلم؟ هل كان يخفي عنها الحقيقة؟
"لقد ترددت طويلاً، يا ابنتي. أخشى عليكِ، وأخشى عليه. والخوف من كشف هذا السر... كان أكبر من أي شيء. ولكن رؤية ألمك، رؤية حبك ليوسف، جعلني أشعر أن الواجب يدفعني نحو الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. والخوف الأكبر... هو أن تكتشفوا الأمر بطريقةٍ أخرى، بطريقةٍ تجعل الألم مضاعفاً."
"وهل يوسف يعلم؟" كان هذا السؤال هو الأهم، هو ما كان يقرع طبول الخوف في صدرها.
صمتت السيدة فاطمة لبرهة، وبعدها همست بصوتٍ يكاد لا يُسمع: "نعم. لقد أخبرته منذ سنوات. ولم يعرف كيف يتعامل مع الأمر. لقد أحبكِ، ولكنه عاش في صراعٍ دائم. كان يظن أنكِ قد اكتشفتِ الأمر، وأنه يخفي عنكِ الحقيقة. ولكن بعد عودتكِ، وبعد أن رأى كم تحبينه، وجد في نفسه الشجاعة ليواجه الأمر."
شعرت نور ببردٍ جليدي يسري في عروقها. يوسف يعلم. كل هذا الوقت، كان يعلم. كان يراها، يتحدث معها، ينام بجانبها، وكل هذا الوقت كان يعلم بهذا السر المروع. هل كان هذا هو السبب في غربته أحياناً، في صمته الطويل، في تلك النظرات الحائرة التي كانت تلمحها في عينيه؟ هل كان يشعر بالذنب؟ بالخزي؟
"وهل... هل أنتِ متأكدة؟" سألت نور، رافضةً في أعماقها تصديق هذا القدر الذي يرميها إلى هذا المصير.
"يا ابنتي، لا يمكن أن أخفي عنكِ. لقد رأيتُ رسالةً كنتِ تحملينها معكِ عندما كنتِ طفلةً صغيرة، رسالةٌ من أمكِ إلى جدتكِ، فيها تفاصيلٌ عن مولدكِ. لقد كانت في حوزة جدتكِ. وعندما كبرتِ، رأيتُ تلك الرسالة بين أوراق جدتكِ. وتأكدتُ كل الشكوك."
وقفت نور، وخطواتها متثاقلة، كأنها تحمل ثقل العالم على كتفيها. اتجهت نحو النافذة، تنظر إلى السماء الملبدة بالغيوم. نفس السماء التي كانت تراها وهي طفلة، تتمنى لو أن لها أماً حقيقية، أماً تحتضنها. والآن، ها هي الحقيقة، مرةٌ وحارقة.
"يجب أن أتحدث مع يوسف." قالت نور بصوتٍ هادئ، خالٍ من أي تعبير. لقد استنفدت طاقتها من الصراخ والبكاء. الآن، عليها أن تواجه.
"ولكن كيف؟ وماذا سنقول؟" سألت السيدة فاطمة بقلق.
"لا أعرف. ولكن يجب أن نعرف. يجب أن نعرف كل شيء."
خرجت نور من المكتبة، تاركةً خلفها رائحة الكتب القديمة وهمسات الماضي. لم تعد المكتبة ملاذاً، بل أصبحت شاهداً على حقيقةٍ كشفت عنها. خطواتها كانت ثقيلة، ولكنها كانت تتجه نحو قلب العاصفة. مستقبلها، مستقبلها مع يوسف، أصبحت غامضةً كضبابٍ كثيف. هل سيبقى الحب قوياً بما يكفي ليجتاز هذه العقبة؟ أم أن الحب، في هذه الحالة، محرمٌ من الأساس؟
كانت هذه هي اللحظة الفاصلة. لحظةٌ حطمت كل ما كانت تؤمن به. لحظةٌ أجبرتها على مواجهة واقعٍ لم تتخيله يوماً، واقعٌ يعيد تشكيل هويتها، ويعيد تعريف معنى عائلتها. كان هذا هو الطريق نحو المجهول، طريقٌ لا رجعة فيه.