زوجي الغريب الجزء الثالث

عاصفة الحقيقة وأشباح الماضي

بقلم ليلى الأحمد

جلست نور في صالة المعيشة، وعيناها مثبتتان على الباب، تنتظر بصبرٍ موصولٍ بتوترٍ شديد. كل صوتٍ خافت، كل حركةٍ بعيدة، كانت تثير في قلبها رعشةً أملٍ متبوعاً بخيبة. كانت الساعات تمر ببطءٍ قاتل، تحمل معها ثقل الكلمات التي قيلت، وثقل الأسئلة التي لم تجد لها إجابةً بعد. لم تعد تشعر بالوحدة، بل شعرت بوجود أشباحٍ قديمة تتجول في أرجاء المنزل، أشباحٌ صنعتها أسرارٌ مدفونة.

قبل بضع ساعات، كانت قد تركت والدة يوسف، السيدة فاطمة، تنهي مكالمتها الهاتفية، تاركةً نور في دوامةٍ من المشاعر المتناقضة. لم يكن أمامها سوى انتظار يوسف، الرجل الذي كان، ولا يزال، محور عالمها، والرجل الذي أصبح الآن، وبشكلٍ مفاجئ، جزءاً من كابوسٍ لم تحلم به.

لم تكن قد أخبرت يوسف بعد بما سمعته. كيف يمكن أن تبدأ؟ كيف يمكن أن تتهمه، أو حتى تسأله، عن أمرٍ بهذه الضخامة؟ لقد كان الأمر أشبه بأن تضع حكماً بالإعدام على زواجها، على حبها، على مستقبلها، بمجرد كلمة. ولكن الصمت كان أشد إيلاماً. كانت تشعر بأنها تخونه، تخون نفسها، تخون الحقيقة، بالصمت.

تذكرت يوسف وهو يعود ذات مساءٍ من العمل، يحمل في عينيه تعب اليوم، ولكنه كان يبتسم لها ابتسامةً تقول كل شيء. تذكرت كيف كان يطمئنها، كيف كان يدعمها، كيف كان يبني معها عالماً آمناً. والآن، هل كان هذا العالم مبنياً على وهم؟ على كذبةٍ كبيرة؟

"لا، لن أسمح بذلك." قالت نور لنفسها بصوتٍ خافت، ممسكةً بقلبها بيدها. "يوسف يحبني. وأنا أحبه. يجب أن يكون هناك تفسير."

ولكن تفسيراً كهذا، تفسيراً يربط بينها وبين زوجها بصلة دمٍ لم تكن متوقعة، يربطها بأمٍ تخلت عنها، ويفرض عليها واقعاً محرماً... أي تفسيرٍ يمكن أن يقنع القلب، أو العقل؟

فجأةً، سمعت صوت مفتاحٍ يدور في الباب. تسارعت أنفاس نور. نهضت واقفةً، وحاولت ترتيب أفكارها، وترتيب مشاعرها المتناثرة. الباب انفتح، وظهر يوسف، يحمل حقيبته، ويبدو عليه الإرهاق.

"السلام عليكم." قال يوسف، ابتسامةٌ خفيفة ترتسم على شفتيه.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجابت نور، محاولةً أن تبدو طبيعية، ولكن صوتها كان مشوباً بارتعاشٍ لم تستطع السيطرة عليه.

اقترب منها يوسف، ومد يده ليحتضنها، ولكن نور تراجعت قليلاً. لحظةٌ صمتٍ غريبة. شعر يوسف بشيءٍ غير طبيعي.

"ما بكِ يا حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟" سأل وهو ينظر إلى وجهها بعينين تتسائلهما.

"يوسف... يجب أن نتحدث." قالت نور، وصوتها بالكاد يُسمع.

نظر إليها يوسف بتفحص. رأى في عينيها ما لم يره من قبل. مزيجاً من الحزن، والخوف، والغضب، والألم.

"ما الأمر؟ هل حدث شيء؟" سأل بحذر، مدركاً أن هذا ليس حديثاً عادياً.

جلست نور مجدداً، وأشارت له بالجلوس بجانبها. جلس يوسف، وقلبه يخفق بتوتر. كان يشعر أن شيئاً ما قد تغير، وأن شيئاً ما سيتغير.

"لقد تحدثتُ مع والدتكِ اليوم." بدأت نور، والجملة الأولى كانت كضربةٍ سيف.

اتسعت عينا يوسف قليلاً. كان يعلم أن والدته قد اتصلت بنور، وكان يخشى هذه اللحظة.

"وماذا قالت لكِ؟" سأل يوسف، صوته أصبح أكثر جدية.

"قالت لي... أشياءً. أشياءٌ عن الماضي. عنكِ. عني."

سكت يوسف. كان يعرف إلى أين تتجه المحادثة. كانت عيناه تتجهان نحو الأرض، ثم تعودان لتنظران في عينيها، ولكن بنظرةٍ لم يعد فيها ذلك الإقدام والجُرأة.

"أمي... أمي ليست قوية كما تبدو، يا نور. الماضي يحمل لها الكثير." قال يوسف، محاولاً تلطيف الأجواء، ولكنه كان يعلم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

"الماضي يحمل لها الكثير، أم تحمل هي الكثير؟" سألت نور، ونبرتها بدأت تشتد. "لقد أخبرتني، يوسف. أخبرتني بكل شيء."

نظر إليها يوسف، والصدمة بادية على وجهه. لم يتوقع أن تكون والدته قد وصلت إلى هذا الحد. لقد وعدته بأنها لن تخبر نور، أو على الأقل، أنها ستنتظر الوقت المناسب.

"ماذا... ماذا بالضبط أخبرتك؟" سأل يوسف، وهو يتصبب عرقاً بارداً.

"أخبرتني أني... أني ابنتها. وأنك... أنك أخي." قالت نور، وكل كلمة كانت تخرج منها كسمٍ قاتل.

جمد يوسف في مكانه. لقد كان يعرف هذه الحقيقة، لقد كان يعيش معها، ولكنه لم يكن يتوقع أن تأتي بهذه الطريقة، بهذه القوة، وبهذا التوقيت. لقد كان يأمل أن يكون هناك فرصةٌ لترتيب الأمور، لتقديم الحقيقة تدريجياً، ولكن يبدو أن القدر كان له رأيٌ آخر.

"هذا... هذا صحيح." قال يوسف بصوتٍ منخفض، بالكاد يُسمع.

"صحيح؟ صحيح؟" أعادت نور الكلمة، وارتفعت نبرتها، وهي تقف فجأةً. "كيف يمكن أن يكون هذا صحيحاً؟ أنا زوجتك، يوسف! أنا التي أحببتها، أنا التي بنيت معكِ حياةً! كيف يمكن أن نكون... إخوة؟"

"يا نور، أرجوكِ، حاولي أن تهدئي." قال يوسف، وهو يقف هو الآخر.

"أهدأ؟ كيف تطلب مني أن أهدأ، يوسف؟ هذه ليست مجرد كذبة، هذه ليست خيانة عادية. هذه... هذه كارثة! هل كنت تعلم بهذا الأمر طوال الوقت؟ هل كنت تعلم وأنت تنظر في عيني، وأنت تقول لي أحبك؟"

"كنت أعلم. لقد علمت منذ زمنٍ طويل. عندما كنت صغيراً، تحدثت أمي معي. كنت أظن أنها مجرد أوهام، أن الأمور قد اختلطت عليها. ولكن عندما كبرت، وعندما رأيتكِ... وعندما اكتشفت أمي رسالتكِ... تأكدت."

"تأكدت؟ تأكدت أني ابنتها، وتأكدت أنك أخي. ولكن لم تتأكد من أنك لم تتزوج أختك؟ ألم تفكر في هذا، يوسف؟ ألم تفكر في العواقب؟"

"لقد عشت في صراعٍ دائم، يا نور. كان الحب يأخذني إليكِ، والعلم بهذه الحقيقة كان يدفعني بعيداً. كنت أعيش في جحيمٍ لا يوصف. حاولت أن أنسى، حاولت أن أجد تفسيراً آخر، ولكن لا يوجد. الحقيقة مرة، وقاسية."

"ولماذا لم تقل لي؟ لماذا تركتني أعيش هذه الحياة، أعيش هذا الحب، وأنا لا أعلم؟"

"كنت خائفاً، يا نور. خائفاً من أن أخسركِ. كنت خائفاً من ردة فعلكِ. كنت أظن أنكِ ستكتشفين الأمر بنفسك، وأنني سأجد طريقةً لنتجاوز الأمر. ولكني لم أستطع. لقد كان الأمر أثقل من أن يتحمله قلبٌ واحد."

"أثقل من أن يتحمله قلبٌ واحد؟ وماذا عن قلبي، يوسف؟ ماذا عن حياتي التي بنيتها معك؟ هل كان كل هذا هباءً؟ هل كان كل هذا مجرد تمثيل؟"

"لا، يا نور! أقسم لكِ بالله، لم يكن تمثيلاً أبداً. حبي لكِ كان حقيقياً، وما زال. ولكن... ولكن هذه الحقيقة... تجعل كل شيءٍ مستحيلاً."

"مستحيلاً؟ نعم، مستحيلاً. لا يمكن أن أعيش مع أخي. هذا حرام، يوسف. حرامٌ شرعاً، وحرامٌ في كل القوانين الإنسانية."

نزلت دموع نور بغزارة، ممزوجةً بألمٍ لا يوصف. كل لحظةٍ قضتها مع يوسف، كل كلمة حب، كل نظرة، كل قبلة... كل هذا تحول إلى شعورٍ بالخزي، بالذنب، وبالحرام.

"ولكن... ماذا عن أطفالنا؟" سألت نور بصوتٍ مكسور.

"هذا... هذا هو ما جعل الأمر أكثر تعقيداً. لا أعرف ما سيحدث. ولكن يجب أن نفكر ملياً."

"نفكر؟ ما الذي يمكن أن نفكر فيه؟ هل سنقول لأطفالنا أننا كنا نعيش في معصية؟ هل سنقول لهم أن حبنا كان محرماً؟"

"لا، لن نفعل ذلك. ولكن علينا أن نجد حلاً. حلاً يرضي الله، وحلاً يحمي أطفالنا."

وقفت نور، واقتربت من النافذة، تنظر إلى الخارج. الشارع هادئ، ولكن داخلها، كانت هناك عاصفةٌ تدمر كل شيء. أشباح الماضي قد استيقظت، والحقيقة المرة قد ألقت بظلالها القاتمة على مستقبلها.

"لم أتخيل يوماً أن الحب يمكن أن يكون بهذا الألم، يوسف. لم أتخيل أن أعظم نعمةٍ في حياتي، زواجنا، يمكن أن يتحول إلى أعظم نقمة."

"أنا آسف، يا نور. أنا آسف لأنني لم أستطع أن أخبركِ. أنا آسف لأننا وقعنا في هذا الموقف."

"الأسف لا يكفي، يوسف. الحقيقة... الحقيقة أكبر من أي أسف."

كانت هذه لحظةٌ فاصلة، لحظةٌ كشفت عن عمق المأساة. لقد تحطم عالم نور. ولم يعد أمامها سوى البحث عن طريقٍ للخروج من هذه العاصفة، طريقٍ لا تعرف نهايته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%