زوجي الغريب الجزء الثالث

ظلال الشوق ووشوشات الحنين

بقلم ليلى الأحمد

وقفت لمى عند نافذة غرفتها، تراقب قطرات المطر تتسابق على الزجاج، وكأنها تعكس اضطراب مشاعرها. كانت الشمس قد غابت خلف الأفق، تاركةً السماء في حلةٍ رماديةٍ قاتمة، تمامًا كحلة قلبها. منذ عودة رائد من سفره، شعرت وكأن شيئًا ما قد تغير. لم يكن الأمر مجرد بعدٍ جسدي، بل كان هناك بُعدٌ روحيٌّ قد ابتعد، تاركًا فراغًا باردًا في صدرها.

كان رائد، ذلك الرجل الذي لطالما رأت فيه الأمين، الحكيم، والسند، يبتعد ببطءٍ عن عالمها. لم يكن الأمر صريحًا، بل كان يتجلى في تفاصيل صغيرة، في نظراتٍ شاردة، في همساتٍ لم تعد توجه إليها، في انشغالٍ متزايدٍ بأمورٍ بدت لها غريبة. كانت تعرف أنه يعمل بجد، وأن أعباء الشركة قد ازدادت، لكنها كانت تشعر أن هناك ما هو أبعد من ذلك.

في الأيام الأولى لعودته، حاولت لمى أن تستعيد الألفة التي كانت تربطهما. أعدت له طعامه المفضل، وتحدثت معه عن يومها، وسألته عن تفاصيل سفره. لكن رائد كان يبدو شارد الذهن، إجاباته مقتضبة، وكأن كلماته تُنتزع منه انتزاعًا. كان يقضي ساعاتٍ طويلةٍ في مكتبه، مغلقًا الباب خلفه، ولم تعد الموسيقى الهادئة التي كان يفضلها تملأ أرجاء المنزل. بدلاً من ذلك، كانت تسمع صوت طقطقةٍ غريبة، أشبه بصوت نقرٍ متواصل، تأتي من داخل مكتبه.

في إحدى الليالي، عندما تأخر رائد كعادته، لم تستطع لمى الانتظار أكثر. تسللت إلى خارج غرفتها، متجهةً نحو مكتبه. كان ضوءٌ خافتٌ يتسلل من تحت الباب، ومعه ذلك الصوت المزعج. وضعت أذنها على الباب، وقلبها يخفق بسرعة. كانت الكلمات التي تسمعها غير مفهومة، ممزوجةً بتأوهاتٍ خفيضة. فجأة، سمعت رائد يصرخ باسمٍ لم تعرفه: "ليلى... لا تتركيني!".

تجمدت لمى في مكانها، كمن صُعق. ليلى؟ من هي ليلى؟ ولماذا ينطق باسمها بهذه الحرقة؟ هل كان يحلم؟ أم أن هناك قصةً قديمةً دفنت تحت رمال الماضي؟ عادت إلى غرفتها، وجلست على حافة سريرها، تشعر ببرودةٍ تتسرب إلى عظامها. لم تكن الغيرة طبيعتها، لكن هذه المرة، كان الألم أعمق من مجرد شك. كان هناك شعورٌ بأن شيئًا ثمينًا قد بدأ يتآكل، وأن حبها، الذي طالما اعتقدت أنه صلبٌ كالصخر، قد بدأ يتصدع.

في اليوم التالي، حاولت لمى أن تتجاهل ما سمعته. ربما كان مجرد إرهاق، أو ضغط عملٍ أثر على عقله. لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل. بدأت ترى علاماتٍ أخرى. كان رائد يبتعد عن وجبات العائلة، مكتفيًا ببعض الطعام السريع الذي يتناوله أمام حاسوبه. كان هاتفه لا يفارقه، يقضي فيه ساعاتٍ وهو يقلب صفحاتٍ لا تعرفها، تتسلل منه ضحكاتٌ عابرةٌ أو تنهيداتٌ عميقة. كانت تشعر بأنها أصبحت شبحًا في بيتها، تسير في أروقته دون أن يلتفت إليها أحد.

في أحد الأيام، وأثناء تنظيفها لغرفة المكتب، لاحظت لمى وجود علبةٍ صغيرةٍ من البخور، ذات رائحةٍ نفاذةٍ لم تألفها. كانت موضوعةً في زاويةٍ مهملة، كأنها بقايا شيءٍ قديم. شعرت لمى برعشةٍ خفيفة. كانت رائحة البخور هذه تذكرها بشيءٍ، بشيءٍ لم تستطع تحديده، لكنه كان مرتبطًا بشعورٍ بالاضطراب.

قررت لمى أن تواجهه. كانت تخشى هذه المواجهة، تخشى أن ترى في عينيه ما يؤكد شكوكها، لكنها لم تعد تحتمل الصمت. جلست أمامه في المساء، بعد أن عاد من مكتبه، وهو يبدو أكثر إرهاقًا من أي وقتٍ مضى.

"رائد،" بدأت بكلماتٍ مترددة، "هل كل شيءٍ على ما يرام؟ أشعر أنك بعيدٌ عنا."

نظر إليها رائد، لكن عينيه لم تحملان دفءها المعتاد. كان فيهما بريقٌ خافتٌ، كبريقِ ضوءٍ في آخر الليل.

"أنا بخير يا لمى،" قال بصوتٍ مرهق، "مجرد بعض الضغوط في العمل."

"لكن الأمر يبدو أكثر من ذلك،" أصرت لمى، "كنت أسمعك تتحدث في نومك... تنطق اسمًا غريبًا."

ارتعش رائد قليلًا، وكأنها قد لمسته في وترٍ حساس. سرعان ما استعاد رباطة جأشه، لكن عينيها لاحظتا ذلك.

"ربما كنت تحلم،" قال، يحاول أن يبتسم، "العمل متعبٌ جدًا."

"رائد،" رفعت لمى صوتها قليلًا، "أنا زوجتك، وأم أولادك. أرى فيك التغيير. أشعر بك وأنت تغرق في شيءٍ لا تشاركني فيه. هل هناك شيءٌ تخفيه عني؟"

ساد الصمت، لم يكسره سوى صوتُ نبضاتِ قلبِ لمى التي كانت ترتطم بصدريها. كان رائد ينظر إليها، وفي عينيه صراعٌ لا تفهمه. لم يكن غضبًا، ولا لامًا، بل كان مزيجًا من الإرهاق، والأسى، وشيءٍ آخر، شيءٌ أشبه بالخجل.

"لمى،" قال أخيرًا، بصوتٍ أعمق مما اعتادته، "لا يوجد شيءٌ تخفيه. أرجوكِ، لا تقلقي. سأكون أفضل قريبًا."

لكن لمى لم تشعر بالاطمئنان. كانت كلمات رائد أشبه بالضمادات التي توضع على جرحٍ عميق، لا تعالجه بل تخفيه مؤقتًا. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، وأن الظلال بدأت تزحف حولها، تحمل معها وشوشاتٍ من الحنين إلى زمنٍ كانت فيه حياتها أكثر وضوحًا، وأكثر أمانًا.

لم تستطع لمى أن تنام تلك الليلة. قلبتها أفكارٌ شتى. هل كانت ليلى شخصًا حقيقيًا؟ أم أنها كانت مجرد رمزٍ لما كان رائد يفتقده؟ هل كان يفتقدها هي؟ أم يفتقد ماضيه؟ أم أنه كان يبحث عن ملاذٍ آخر غير بيته، غير زوجته؟

في غرفته، كان رائد مستيقظًا هو الآخر. نظر إلى سقف الغرفة المظلم، وشعر بثقل العالم على صدره. كانت لمى بجانبه، تتنفس بهدوء، وكأنها لم تدرك عمق المأزق الذي وقعا فيه. لم يكن الأمر يتعلق بزوجةٍ أخرى، أو بحبٍ قديم. كان الأمر يتعلق بنفسه، بنفسه التي بدأت تضيع في متاهةٍ لم يكن يعرف كيف يخرج منها. كانت هناك رغبةٌ جامحةٌ، شهوةٌ خفيةٌ، تجذبه نحو عالمٍ آخر، عالمٍ كان يبحث فيه عن سكينةٍ لم يجدها في حياته المستقرة، في زواجه المبارك. كان يشعر بالذنب، لكنه كان يشعر أيضًا بجاذبيةٍ لا تقاوم. كانت رائحة البخور، وكلمات الهيام، والنقر المتواصل على لوحة المفاتيح، كلها جزءًا من هذا العالم الجديد الذي أدمنه، عالمٌ بدأ يلتهم حياته ببطءٍ، ويهدد كل ما بناه.

ارتعش جسده بذكرياتٍ قديمة، وصورٍ عابرةٍ لم يكن يعرف مصدرها. كانت تلك اللحظات التي شعر فيها بفراغٍ روحي، بحاجةٍ ماسةٍ لشيءٍ يعيد إليه إحساسه بالحياة، قد قادته إلى هذا الطريق. كان يبحث عن تجديد، عن إثارة، عن هروبٍ مؤقتٍ من روتين الحياة. لكنه وجد نفسه أسيرًا، سجينًا لرغباتٍ قادته إلى هذا العذاب.

تنهد رائد تنهيدةً طويلة، محاولًا أن يجمع شتات نفسه. نظر إلى لمى النائمة، وجهها الهادئ في ضوء القمر الخافت. هل يستطيع أن ينجيها؟ هل يستطيع أن ينقذ نفسه؟ أم أنهم سيبتلعهم هذا السراب الذي سقط فيه؟ كانت هذه الليلة بدايةً لتحولاتٍ عميقة، بدايةً لمواجهاتٍ أشد، وبدايةً لرحلةٍ شاقةٍ نحو فهمٍ أعمق لما يعنيه الحب، ولماذا قد يبحث الإنسان عن ظلالٍ في عز ضوء الشمس.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%