زوجي الغريب الجزء الثالث

همسات الماضي ولحن المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

بعد تلك المواجهة العنيفة، ساد صمتٌ جليديٌّ بين لمى ورائد. لم يكن صمتًا هادئًا، بل كان صمتًا مشحونًا بالكلمات التي لم تُقال، بالاتهامات المبطنة، والخوف من المستقبل. كانت لمى تشعر بأنها محاصرة، وأن باب الأمل قد أغلق في وجهها. كان رائد، الرجل الذي وثقت به، قد أصبح غريبًا، غريبًا يسير في دروبٍ مظلمةٍ لا ترى فيها هي سوى الهلاك.

لم تعد تلك الضحكات العابرة تملأ أرجاء المنزل، ولم تعد تلك النقاشات الهادئة تدور بينهما. كان رائد يقضي معظم وقته في مكتبه، مغلقًا الباب، تاركًا لمى في عالمٍ من الوحدة والقلق. كانت تسمع بين الحين والآخر صوت طقطقةٍ خافتة، ورائحة البخور الغريبة تتسلل من تحت الباب، تذكرها بماضيٍّ أصبح حاضرًا مؤلمًا.

لمى، التي كانت دائمًا رمزًا للقوة والصبر، شعرت بأنها تتآكل من الداخل. كانت تحاول أن تتذكر الأيام الجميلة، أيام الحب والانسجام، لكنها كانت تجد صعوبةً في ربط تلك الذكريات بالرجل الذي أصبح أمامها الآن. كان يبدو وكأنه فقد شيئًا من روحه، شيئًا من إنسانيته.

في أحد الأيام، وبعد أن فشلت كل محاولاتها للتواصل معه، قررت لمى أن تبحث عن مساعدة. لم تكن تريد أن تخبر أهلها بما يحدث، خشيةً أن يشعروا بالقلق وأن تزيد الأمور تعقيدًا. فكرت في صديقتها المقربة، سارة، التي كانت دائمًا نعم المستشارة.

"سارة،" قالت لمى، وصوتها بالكاد مسموع، "أحتاج إلى التحدث معك. الأمر يتعلق برائد."

استمعت سارة إلى لمى بانتباهٍ شديد، وعبر وجهها تعابير القلق والتعاطف. كانت تعرف رائد جيدًا، وتعرف كم كانت لمى تحبه.

"لمى،" قالت سارة بعد أن انتهت لمى من حديثها، "هذا وضعٌ صعبٌ جدًا. لكن لا تيأسي. يجب أن تواصلي محاولاتك. هل تحدثتِ إليه عن الأثر الذي يتركه هذا التصرف على حياتكما، وعلى الأطفال؟"

"حاولت،" أجابت لمى بحسرة، "لكنه لا يسمع. إنه يعتقد أنه اكتشف سر السعادة، وهو غارقٌ في عالمه."

"ربما يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه من الخارج،" قالت سارة، "شخصٌ آخر ليحذره، لينقذه قبل أن يغرق بالكامل. هل فكرتِ في استشارة شخصٍ مختص؟"

ترددت لمى. فكرة استشارة مختصٍ كانت مخيفةً لها. كيف يمكنها أن تشرح هذا الأمر الغريب، هذه الانتكاسة الروحية التي يبدو أنها أصابت رائد؟ لكنها أدركت أن لم يكن لديها خيارٌ آخر.

"ربما،" قالت لمى، "لكن أين أجد هذا الشخص؟"

"سأبحث لكِ عن طبيبٍ نفسانيٍّ متخصصٍ في الإدمان، أو في اضطرابات الشخصية،" قالت سارة، "وسأكون معكِ في كل خطوة."

في هذه الأثناء، كان رائد قد بدأ يشعر ببعض التغييرات في حياته. لم تكن مجرد سعادةٍ وهمية. كانت هناك بالفعل لحظاتٌ من الوضوح، لحظاتٌ شعر فيها بالندم على ما يفعله. كانت تلك اللحظات تأتيه غالبًا في الصباح الباكر، قبل أن يبدأ يومه "الروحي". كان ينظر إلى لمى وهي نائمة، ويشعر بغصةٍ في حلقه. كان يتذكر حبها، وتضحيتها، وصبرها.

كان يلوم نفسه على ما يفعله بها، وعلى ما يفعله بنفسه. كانت تلك "الجرعات" التي يتناولها، وذلك البخور، تمنحه شعورًا زائفًا بالقوة والسعادة، لكنها في الحقيقة كانت تسرق منه شيئًا ثمينًا: قدرته على الشعور بالحب الحقيقي، وعلى تقدير قيمة ما لديه.

في أحد الأيام، بينما كان رائد يتصفح مجلدات عمله، وجد رسالةً قديمةً من والده، كان قد احتفظ بها في ملفٍ خاص. كانت الرسالة تتحدث عن أهمية الأسرة، وعن الأمانة، وعن السعادة التي لا تأتي إلا من رضا الله وراحة النفس. تذكر رائد كلمات والده، وحكمته، وصبره. كان والده رجلًا بسيطًا، لكنه كان يملك قلبًا كبيرًا، ونفسًا مطمئنة.

بدأ رائد يفكر. هل ما يفعله الآن هو فعلاً السعادة؟ أم أنه مجرد هروبٍ مؤقتٍ من واقعه؟ هل يستحق كل هذا التضحية؟ هل يستحق أن يخسر لمى، وأن يخسر أولاده، وأن يخسر نفسه؟

قرر رائد أن يذهب في نزهةٍ بعيدةً عن المنزل. سار في شوارع المدينة، يتأمل وجوه الناس، يتأمل حياتهم البسيطة، المليئة بالتحديات، لكنها مليئةٌ أيضًا بالحب والعطاء. رأى أمهاتٍ يحملن أطفالهن، وأزواجًا يسيرون جنبًا إلى جنب، يتبادلون الابتسامات. شعر بالوحدة، ووحدةً قاتلة.

عندما عاد إلى المنزل، كانت لمى تنتظره. كان في عينيها مزيجٌ من الأمل والخوف.

"رائد،" قالت، بصوتٍ هادئٍ هذه المرة، "لقد تحدثت مع سارة. وفكرت في الأمر كثيرًا. أنا لا أريد أن أخسرك."

نظر رائد إليها، ورأى في عينيها الحب الذي لطالما بحث عنه. رأى الأمل الذي لم يستطع هو أن يمنحه لنفسه.

"لمى،" قال، وكلماته متقطعة، "أنا... أنا لست بخير. أنا أضيع."

انهارت لمى، واحتضنته بقوة، تبكي. "أنا هنا يا رائد،" قالت، "أنا لن أتركك تضيع."

في تلك اللحظة، شعر رائد بأن شعاعًا من النور قد اخترق ظلامه. أدرك أنه لم يكن وحده في هذه المعركة. أدرك أن الحب أقوى من أي إدمان، وأقوى من أي وهم.

"أرجوكِ يا لمى،" قال، ويده ترتجف، "ساعديني."

في الأيام التالية، بدأت لمى ورائد في رحلةٍ جديدة. رحلةٍ نحو الشفاء. بدأت لمى بالبحث عن طبيبٍ نفسانيٍّ متخصص، وبدأت في إقناع رائد بالذهاب معه. كان الأمر صعبًا، وكان رائد يتردد كثيرًا، لكن لمى كانت تذكّره بماضيهم الجميل، وبمستقبلهم الذي يمكن أن يكون أجمل.

في إحدى الجلسات، تحدث رائد إلى الطبيب عن "حكيم"، وعن تلك "الجرعات السحرية". شرح له الطبيب أن ما كان يعيشه هو نوعٌ من الإدمان النفسي، وأن تلك المواد كانت تؤثر على كيميائية دماغه، وتجعله يرى العالم من منظورٍ مشوه.

"الأمر لن يكون سهلاً يا رائد،" قال الطبيب، "لكن لديكِ ما هو أهم من ذلك، لديكِ حب زوجتك، وأسرتك. هذه هي أقوى دوافع الشفاء."

كانت لمى تشعر بالأمل يتجدد في قلبها. كانت ترى في رائد بدايةً للتغيير. كانت ترى في عينيه تلك الشرارة التي كانت تبحث عنها. كانت تعلم أن الطريق طويلٌ وشاق، لكنها كانت مستعدةً للسير فيه، يدًا بيدٍ مع رائد، نحو لحنٍ جديدٍ لمستقبلهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%