الفصل 16 / 25

حب في المدينة

الكشف الصادم والوعد المكسور

بقلم فاطمة النجار

امتلأت أرجاء منزل أم أحمد بالتوتر المكتوم. كانت الأم، بقلبٍ يعتصر ألماً وحيرة، تبحث عن علاماتٍ تؤكد أو تنفي ما سمعته من هند. كانت تحاول أن ترى فاطمة بعينٍ جديدة، عينٍ يبحث فيها الشك عن الدليل. وفي كل لقاءٍ، وفي كل حديثٍ، كانت تبحث عن أدنى بادرةٍ تدعم كلام هند، ولكنها لم تجد شيئاً. كانت فاطمة كما عرفتها دائماً: طاهرة، متواضعة، وملتزمة.

ولكن، هل يمكن أن يكون الظاهر خداعاً؟ هل يمكن أن تختبئ الأفاعي في جنةٍ؟ تساءلت أم أحمد في قرارة نفسها، مستعينةً بكلمات هند التي بدت كأنها تنهش في سلامها الداخلي. لقد سمعت هند تتحدث عن "شابٍ آخر"، وعن "خطة". كانت هذه الكلمات كافيةً لزرع القلق في قلب أي أمٍ تخاف على ابنها.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت أم أحمد تستعد لتناول الإفطار، جاءت فاطمة لزيارتها، حاملةً معها طبقاً من الحلويات الرمضانية التي أتقنت صنعها. بدت فاطمة كما هي دائماً، مشرقةً بابتسامةٍ هادئة. "السلام عليكم يا خالتي،" قالت فاطمة وهي تضع الطبق على المائدة. "وعليكم السلام يا فاطمة،" أجابت أم أحمد، وبدت نبرة صوتها أشد فتوراً من المعتاد. "ماذا بكِ يا خالتي؟ هل أنتِ متعبة؟" سألت فاطمة، تشعر بشيءٍ غريب. "لا، لستُ متعبة. ولكن… لدي بعض الأسئلة." شعرت فاطمة بأن قلبها بدأ يخفق بقوة. كانت تعرف أن هذا السؤال قادم، ولكنها لم تكن مستعدةً له. "أسئلة؟" كررت فاطمة، محاولةً أن تتصنع الهدوء. "نعم. سمعتُ بعض الأمور عنكِ يا فاطمة. أمورٌ تقلقني. أمورٌ تتعلق بخالد." كانت كلمات أم أحمد كالصواعق. جلست فاطمة، وعيناها تتوسعان. "ماذا سمعتِ يا خالتي؟" سألت بصوتٍ خافت، يكاد يختنق. "سمعتُ أنكِ مرتبطةٌ بشابٍ آخر، وأن علاقتك بخالد ليست سوى… مجرد تمثيل. سمعتُ أنكِ تخدعين ابني." شعر فاطمة وكأن الأرض تدور بها. لم تستطع أن تتكلم. كيف يمكن لشخصٍ أن يخترع مثل هذه الأكاذيب؟ "خالتي… هذا غير صحيح. تماماً. أنا… أنا أحب خالداً، وأحترمه. ولم أكن يوماً مرتبطةً بأحدٍ غيره. أنتِ تعرفينني." "ولكن هند… هند أخبرتني." "هند؟" تكررت الكلمة على لسان فاطمة، وقد أدركت أن هند هي من يقف وراء كل هذا. "هند… هند كاذبة. هي تحاول إفساد علاقتي بخالد." "لماذا تفعل هند ذلك؟" سألت أم أحمد، لا تزال تشعر بالشك. "لأنها… لأنها تغار. لأنها تحب خالداً أيضاً. ولكنها لا تستطيع أن تتهمه بشيءٍ، فتتجه إلى اتهامي أنا." بكت فاطمة، والدموع تنهمر على خديها. لم تتحمل أن تُتهم بشيءٍ لم تفعله، وأن يُنظر إليها كخائنة. "خالتي، أنا ابنةٌ ملتزمة، وأعلم حق الله عليّ. كيف يمكن أن أفعل شيئاً كهذا؟" كانت أم أحمد تنظر إلى فاطمة، وترى صدق دموعها، وترى النقاء الذي يفيض من عينيها. بدأت تشعر بالذنب. لقد سمحت للشك بأن يتسلل إلى قلبها، وأن يسيطر عليها. "سامحيني يا ابنتي،" قالت أم أحمد، بقلبٍ نادم، "لقد سمحتُ لهذه الأكاذيب بأن تؤثر عليّ. ولكن… ما هي قصة هند؟ لماذا تفعل ذلك؟" حينها، سردت فاطمة لأم أحمد قصة حبها لخالد، وكيف تطورت علاقتها به، وكيف أن هند لطالما حاولت التقرب من خالد، وكيف أنها حاولت في السابق أن تفرق بينه وبين اهتماماته. تحدثت عن لقائها الأول، وعن الأحاديث التي جمعتهما، وعن الصدق الذي رأته في عينيه. "أنا أحب خالد يا خالتي،" قالت فاطمة، "وأريده زوجاً لي. وأعلم أنه يريدني أيضاً. أما هند… فهي تحاول أن تخلق المشاكل، لأنها ترى سعادتنا." استمعت أم أحمد إلى فاطمة بعناية. شعرت بأن ابنتها بريئة، وأن هند كانت تحاول التلاعب بمشاعرها. كان هذا اكتشافاً صادماً. لقد أوشكت أن تدمر مستقبل ابنها بسبب كلامٍ من فتاةٍ غيورة. "اطمئني يا فاطمة،" قالت أم أحمد، وقد استعادت رباطة جأشها، "أنا أصدقكِ. وسأتعامل مع هند."

في هذه الأثناء، كان خالد يشعر بأن علاقته بفاطمة بدأت تتباعد. كان يلاحظ أنها أقل تحدثاً، وأكثر صمتاً. كان يحاول أن يسألها، ولكنها كانت دائماً تجيبه بـ "كل شيء على ما يرام". كان هذا الصمت المطبق هو ما يقلقه أكثر من أي شيء آخر.

في يومٍ آخر، قرر خالد أن يواجه هند. كان قد سمع بعض الأحاديث التي تشير إلى دورها في إثارة الشكوك. "هند،" قال خالد وهو يلتقيها في حديقةٍ قريبة، "لماذا تتصرفين هكذا؟" نظرت هند إلى خالد بخوفٍ، ولم تتوقع منه المواجهة. "ماذا تقصد يا خالد؟" "أعلم أنكِ تحدثتِ مع والدتي. وأعلم أنكِ قلتِ لها أشياءً عن فاطمة." احمر وجه هند، وبدأت دموعها تنهمر. "أنا… أنا فقط كنت خائفةً عليك يا خالد. فاطمة… لستُ متأكدةً منها." "لستِ متأكدةً منها؟" سأل خالد بجدية، وقد بدأت نار الغضب تشتعل في صدره. "لقد كنتِ تعرفين فاطمة منذ فترة. لم يكن لديكِ أي اعتراضٍ عليها في السابق. ما الذي تغير؟" "تغير… تغير أني أحبك يا خالد. كنت أتمنى أن تكون لي. ولكنك… اخترتَها." "هند،" قال خالد بحزم، "أنا أحببتُ فاطمة، وأتزوجها. أنتِ تعلمين أن مشاعركِ هذه لا يمكن أن تتطور إلى شيءٍ. لقد أحسنتِ صنعاً حينما لم تبوحي بها سابقاً. ولكن الآن… أنتِ تحاولين أن تدمريني." "ولكن… ولكنني لم أرد أن تكون سعيداً معها!" قالت هند ببكاء، ولم تستطع أن تخفي مشاعرها. "هذا هو خطأك يا هند. سعادتي تعتمد على اختياراتي، وعلى رضا الله. أنتِ تطلبين مني أن أكسر وعدي لفاطمة، وأن أخون ثقتها، وأن أكون سبباً في إيذائها. هذا ما لا يمكن أن أفعله." انتهى اللقاء بين خالد وهند. كان ذلك بمثابة نقطة تحول. فقد كشف خالد عن مشاعره الحقيقية تجاه فاطمة، ورفض بشكلٍ قاطعٍ أي محاولةٍ لإيذائها. أما هند، فقد شعرت بأن باب الأمل قد أغلق أمامها، وأنها قد خسرت كل شيء.

كان هذا الكشف الصادم، والوعد المكسور الذي حاولت هند أن تخلقه، بمثابة اختبارٍ لعلاقة خالد وفاطمة. هل ستتمكن هذه العلاقة من تجاوز هذه العثرات؟ هل ستكون الثقة المكسورة قابلةً للإصلاح؟ الأسئلة تتدفق، والأحداث تتصاعد، مهددةً بتغيير مسار كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%