حب في المدينة
ضوء القمر وأسرار الواحة
بقلم فاطمة النجار
في تلك الليلة، تحت سماء الصحراء المرصعة بآلاف النجوم، والتي بدت أقرب إلى الأرض منها إلى أي مكان آخر، وجدت ليلى نفسها في خيمة فاخرة، مفروشة بالبسط العجمية الملونة، ومضاءة بمصابيح زيتية تبعث نوراً ذهبياً دافئاً. كان "عمر" قد استقبلها بالترحيب، وأمر بتقديم الطعام والشراب لها، ثم تركها لترتاح.
كانت عيناها لا تزالان تتابعان كل تفصيل في الخيمة، كل نقش على السجاد، كل حافة على الأثاث. كانت تفكر في والديها، وتدعو الله أن يكونا بخير. لم تكن معتادة على الابتعاد عن منزلها، خاصة في مثل هذه الظروف. لكنها كانت تعلم أن واجبها لا يحتمل التأجيل.
وبينما كانت تفكر، انفتحت ستارة الخيمة، ودخل عمر. لم يكن وحده، بل كان معه رجل آخر، أكبر سناً، يرتدي ملابس تقليدية، وعلى وجهه علامات السنين والخبرة.
"ليلى، أرجو أن تسمحي لي بتقديم هذا الرجل. إنه عمي، "الشيخ أحمد"، شيخ قبيلة هذه الواحة. لقد أطلعتُه على رسالة والدك، وهو بدوره يرغب في مقابلتك."
تقدم الشيخ أحمد بابتسامة وقورة، وانحنى قليلاً احتراماً. "أهلاً بكِ يا ابنتي في بيت الضيافة. إن رسالة الشيخ سالم تحمل أخباراً ثقيلة، لكن لحسن الحظ، جاءت إلينا امرأة شابة قوية مثل عينيكِ. كم هو كبير الثقة التي وضعها فيكِ."
جلست ليلى، وشعرت بثقل نظرتهما عليها. "أشكركم على حسن استضافتكم. والدي أودعني هذه الرسالة، وهو يثق في حكمة الشيخ أحمد لاتخاذ ما يلزم."
بدأ عمر يتحدث، بصوته الهادئ الرصين: "الرسالة يا ليلى، تتحدث عن صفقة تجارية مع قبيلة مجاورة، صفقة كان والدك يأمل أن تتم لتأمين مستقبلنا. لكن هذه القبيلة، بقيادة رجل يدعى "جابر"، بدأت تضع شروطاً تعسفية، بل إنها تطلب ضمانات تتجاوز ما يمكننا تقديمه. والدك يخشى أن تكون نوايا جابر ليست صافية، وأنه يسعى لاستغلال ضعفنا."
"قال والدي إن جابر قد يرسل إليكم وفداً قريباً، وإنه يجب عليكم التعامل معه بحذر شديد. وأمرني بإخباركم بأنه يملك معلومة عن صفقة أخرى، صفقة قد تكون بديلاً عن هذه الصفقة، لكنها تتطلب سراً تاماً."
ساد الصمت للحظة، بينما كانت كلمات ليلى تتردد في الخيمة. ثم تحدث الشيخ أحمد: "جابر... أعرفه. رجل ماكر، له سمعة ليست بالطيّبة. خشيتنا دائماً كانت أن يرى في ضعفنا فرصة. صفقة والدك، إن كانت حقيقية، قد تكون طوق نجاة لنا."
"ولكن كيف نثق بهذه الصفقة السرية؟" سأل عمر، وقد ظهرت على ملامحه علامات التفكير. "ليس لدينا سوى كلمتك، وكلمة والدك. وجابر يضغط علينا بالفعل، ووفده سيصل قريباً."
"والدي لم يذكر تفاصيل الصفقة الأخرى"، قالت ليلى، وهي تشعر ببعض الإحباط. "فقط قال إنها تتطلب سراً، وأنكم ستعرفون تفاصيلها عند وصولي. لكن هناك شيئاً آخر ذكره... قال إن جابر قد يحاول استمالة بعض الرجال في الواحة، أو ربما يثير المشاكل."
ارتعش الشيخ أحمد قليلاً. "هذا ما كنا نخشاه. بعض الرجال هنا، ضعفاء النفوس، قد يغريهم بريق الذهب أو الوعود البراقة. يجب أن نكون حذرين."
عاد عمر ليتحدث، وقد لمعت عيناه بقرار. "إذاً، يجب علينا التحرك بسرعة. وفد جابر سيصل، ولا يمكننا الانتظار. يجب أن نحدد موقفنا. بالنسبة للصفقة السرية، والدك قال إنكِ ستقدمين تفاصيلها؟"
نظرت ليلى إلى عمر، ثم إلى الشيخ أحمد. شعرت بثقل المسؤولية يزداد. "نعم، والدي قال إنني سأقدم التفاصيل. لكنني... أنا لم أتلقَ كل التفاصيل. قال لي والدي إنني سأشعر بالوقت المناسب، وأنني سأعرف كيف أتصرف."
بدا عمر متفاجئاً قليلاً، لكنه سرعان ما استجمع رباطة جأشه. "الوقت المناسب... يبدو أن هذه المسألة تتطلب حكمة أكبر مما توقعت. هل لديكِ أي دليل مادي على هذه الصفقة الأخرى؟ أي وثيقة، أو رمز؟"
هزت ليلى رأسها. "لا. فقط كلمة والدي."
تنهد الشيخ أحمد. "هذا يضعنا في موقف صعب. الاعتماد على كلمة واحدة، مهما علت مكانة قائلها، لا يكفي في مواجهة جابر. لكننا لا يمكننا أيضاً أن نرفض عرض والدك دون تحقيق. ربما يجب علينا الانتظار حتى وصول وفد جابر، ونرى ما لديهم."
"لا!" قال عمر بحدة، ثم خفف من حدة صوته. "لا يمكننا الانتظار. جابر قد يستغل فترة الانتظار هذه لزرع الفتنة. يجب أن نتحرك. ليلى، أنتِ هنا، وهذا يعني أن والدكِ يعتمد علينا. ما رأيكِ؟ هل لديكِ أي فكرة، أي إحساس، عن كيف ومتى ستعرفين تفاصيل الصفقة الأخرى؟"
نظرت ليلى إلى ضوء القمر المتسلل من فتحة الخيمة، وهو يلون الرمال باللون الفضي. شعرت أن الصحراء تراقبها، وأن النجوم تشجعها. "والدي قال إنني سأشعر بالوقت. ربما... ربما عندما يأتي جابر. ربما سيخلق الموقف بنفسه الظروف التي ستجعلني أفهم."
"هذا استنتاج غامض، يا ليلى"، قال الشيخ أحمد، ولكن كان في صوته شيء من الأمل. "لكننا سنثق بكِ. سنرى ما سيحدث عند وصول وفد جابر. وفي هذه الأثناء، سنحاول جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عنهم. عمر، جهّز رجالك، وأمر الحراسة بتشديدها. لا نريد أن يفاجئنا أحد."
نهض عمر، وقال: "سأفعل ذلك. وشكراً لكِ يا ليلى على شجاعتك. لقد وضعتِ ثقلاً كبيراً على أكتافنا، ونحن سنحمله بكل أمانة."
في تلك الليلة، غفت ليلى وقلبها مليء بالأمل والقلق. كانت تعلم أن قرارها بالقدوم، وثقتها في كلمات والدها، قد وضعت مصير عائلتها، بل ومصير هذه الواحة، على مفترق طرق خطير. ووسط صمت الليل، وبينما كانت رياح الصحراء تهمس حول الخيمة، شعرت ليلى أن هناك قوى خفية تعمل، وأن قصتها لم تبدأ للتو، بل كانت تتجذر بعمق في تراب هذه الأرض، ومع كل نسمة هواء، تتكشف أسرار جديدة.