حب في المدينة
ضباب الشك وظلال الماضي
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، لكن ضوءها الباهت لم يستطع اختراق غيوم القلق التي حاصرت ليلى. ظلت جالسة على الأرض، محاطة بأوراق جدتها، وعينيها تحدقان في الفراغ، وقلبها يرتجف كجناح فراشة مكسور. كل كلمة قرأتها كانت أشبه بقطرة سم تترسب في أعماق روحها، تعكر صفو حياتها الهادئة، وتلقي بظلال داكنة على مستقبلها.
كانت تفكر في أحمد، في ابتسامته الهادئة، في عينيه اللتين كانتا تبدوان بحراً من الصدق، في دفء يديه التي كانت دائماً تحتضن يديها بحنان. هل كان كل هذا مجرد تمثيل؟ هل كان كل ما بينهما مجرد وهم، نسجه أحمد ليحقق مكاسب شخصية؟ كيف له أن يخفي عنها كل هذا؟ كيف له أن يسمح لها بالتعلق به، وأن يخططوا لمستقبلهم، بينما يخفي هذا السر المظلم؟
لم تكن تتخيل يوماً أن يكون الماضي بهذا القدر من الثقل. لقد رأت في والدتها نموذجاً للمرأة الصالحة، وفي والدها الرجل النبيل. لكنها الآن تكتشف أن قصة حب والدتها لم تكن صافية، وأن زواجها لم يكن عن اختيار حر، بل كان نتيجة لظروف اضطررت فيها للتنازل. وهذا التنازل، قد يكون قد ألقى بظلاله على حياتهم، وعلى مستقبلهم.
تذكرت كلمات جدتها: "لقد وضع أحمد يديه في هذه القصة يا ليلى." ماذا كان يقصد أحمد؟ هل كان على علم كامل بما يحدث؟ هل كان يعلم بهذا الاتفاق القديم؟ وما هو دور هذا الاتفاق في حياتهم الآن؟ هل كان الزواج المقترح بينها وبين أحمد مجرد خطوة ضمن خطة أوسع؟
شعرت بالضياع. لم تعد تعرف من هي، وما هو مصيرها. لقد اختفت الثقة التي كانت تبني عليها حياتها، وحلت محلها الريبة والشك. أرادت أن تهرب، أن تختبئ في مكان بعيد، بعيداً عن كل هذه الحقائق المؤلمة. لكنها عرفت أن الهروب لن يغير شيئاً، وأن مواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد للسلام.
تسللت إلى مطبخ منزل جدتها، حيث كانت رائحة الهيل والقهوة لا تزال تفوح في الأجواء، تذكرها بلياليها الهادئة معها. أعدت لنفسها كوب قهوة، وأضافت إليه كمية كبيرة من الهيل، علها تجد فيه بعض العزاء. جلست بجوار النافذة، تحدق في الشارع الذي كان يعج بالحياة، لكن حياتها هي بدت وكأنها توقفت.
كانت تفكر في أحمد. هل ستبوح له بما عرفت؟ هل ستواجهه بهذه الحقائق؟ ماذا سيكون رد فعله؟ هل سينكر؟ هل سيعترف؟ هل سيتهمها بأنها لم تثق به؟
تذكرت آخر لقاء بينهما، كان مليئاً بالأمل والسعادة. كان أحمد يتحدث عن مستقبلهم، عن منزلهم، عن أطفالهم. كانت قد رأته ينظر إليها بعينين تفيضان بالحب. هل كان كل هذا التمثيل؟ هل كان يخدعها؟
"لا، لن أفكر في ذلك." همست لنفسها. "أحمد ليس شخصاً كهذا. لابد أن هناك تفسيراً. لابد أن هناك شيئاً لا أعرفه."
حاولت أن تبحث عن أي دليل، أي كلمة، أي إشارة في أوراق جدتها، قد تشير إلى أن أحمد بريء، أو أن هناك تفسيراً منطقياً لكل ما يحدث. لكن كل ما وجدته كان يصب في خانة الشك. كان هناك تلميحات واضحة إلى اتفاقيات مالية، إلى وعود قديمة، وإلى دور قد لعبه أحمد في إتمام هذه الاتفاقيات.
"لا يمكن أن يكون الأمر بهذه السهولة." قالت لنفسها، وهي تضغط على شفتيها. "لابد أن هناك سوء فهم. لابد أن هناك شيئاً أكبر من ذلك."
في تلك اللحظة، سمعت صوت جرس الباب. قلبها انتفض. من يمكن أن يكون في هذا الوقت؟ نظرت من النافذة، ورأت سيارة أحمد تقف أمام المنزل. تجمدت في مكانها، يديها ترتجفان. هل جاء لزيارتها؟ أم جاء ليواجهها بشيء؟
لم تستطع أن تتحرك. شعرت وكأنها محاصرة، بين الماضي والمستقبل، بين الشك واليقين. لم تعد تعرف ما هو الصحيح.
سمعت خطواته تقترب من الباب. ارتفعت ضربات قلبها. ماذا ستفعل؟ هل ستفتح له الباب؟ هل ستتظاهر بأنها نائمة؟
ثم، تذكرت آخر كلمات جدتها: "الحب الحقيقي يبحث عن الحقيقة، ولا يخشاها."
جمعت شتات نفسها، ونهضت ببطء. توجهت نحو الباب، وفتحتها.
كان أحمد واقفاً أمامها، بابتسامة خفيفة على وجهه، لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً من القلق. "ليلى؟ كنت قلقاً عليكِ. لم تردي على اتصالاتي."
نظرت إليه، وحاولت أن تقرأ ما في عينيه. هل كانت ترى صدقه، أم ترى خداعه؟
"لقد كنت... مشغولة." قالت ليلى بصوت بالكاد مسموع.
"هل أنتِ بخير؟" سأل أحمد، ومد يده ليلمس وجهها، لكنها تراجعت قليلاً.
شعر أحمد ببرودها، وتغيرت ملامحه. "هل هناك خطأ ما؟ هل حدث شيء؟"
كانت ليلى تشعر وكأنها على وشك الانفجار. لم تعد تستطيع تحمل هذا الصمت. "أحمد، أحتاج أن أتحدث معك."
"بالتأكيد يا حبيبتي. ماذا هناك؟" قال أحمد، وحاول أن يحتضنها، لكنها منعته.
"لا. ليس الآن." قالت ليلى، وشعرت بوخزة من الألم. "أحتاج أن أسألك عن بعض الأمور."
تردد أحمد للحظة، ثم قال: "حسناً. تفضلي."
بدأت ليلى، بصوت مرتجف، بسرد ما عرفته. تحدثت عن أوراق جدتها، عن رسالة والدتها، عن الاتفاق القديم. وكل كلمة كانت تخرج منها، كانت تزيد من توتر الأجواء، وتلقي بظلال أغمق على مستقبلهم.
كان أحمد يستمع إليها، ووجهه يكتسي بلون شاحب. لم يكن ينطق بكلمة، فقط يحدق بها، وعيناه تعكسان خليطاً من المفاجأة، والخوف، والأسى.
عندما انتهت ليلى من كلامها، ساد صمت ثقيل. صمت حمل في طياته آلاف الأسئلة، وآلاف الإجابات غير المعلنة.
"ليلى..." بدأ أحمد، بصوت خافت. "ما سمعتيه... ليس كله صحيحاً."
"وما هو الصحيح إذاً يا أحمد؟" سألت ليلى، والصوت يرتعش فيها. "أخبرني. أريد أن أعرف الحقيقة كاملة."
كانت ليلى تقف أمامه، بقلب مثقل، وعينين تبحثان عن النور في ظلام الشك. كانت على وشك أن تعرف الإجابة، الإجابة التي ستحدد مصيرها، ومصير حبها.