حب في المدينة
عباءة الغموض ورجل الظلال
بقلم فاطمة النجار
مرت الأيام على ليلى في الواحة، أيام تمازج فيها ضيف الصحراء الأصيل مع دفء البشر. كانت تقضي معظم وقتها في مساعدة نساء الواحة في أعمالهن، تتعلم منهن صناعة السجاد، وتحضير الطعام، وسقاية النخيل. كان الجميع يعاملها بلطف واحترام، كأنها ابنة الواحة منذ زمن طويل. لكن قلبها لم يهدأ تماماً. كانت تنتظر وصول وفد جابر، وتتساءل عن هذا الرجل الغامض الذي خلق هذا التوتر، وعن الصفقة الأخرى التي وعد بها والدها.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تساعد في سقاية بستان صغير، لمحت ليلى رجلاً يقف على مسافة بعيدة، يراقبها من خلف إحدى أشجار النخيل. كان يرتدي ملابس داكنة، وقبعته تخفي معظم وجهه. لم يكن رجلاً من أهل الواحة، فقد كان يقف بوقار غريب، ونظراته ثاقبة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم يكن عمر أو الشيخ أحمد. كان غريباً، يحمل في حضوره هالة من القوة والصمت.
عندما لاحظت أن عينيه مثبتتان عليها، ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، ثم استدار واختفى بين الأشجار. عادت ليلى إلى عملها، لكن قلبها كان يخفق بسرعة. لم تفهم لماذا شعرت بهذا الارتباك. هل كان الرجل يراقبها؟ هل كان جزءاً من الصفقة؟
عادت إلى خيمتها، وفي رأسها أسئلة كثيرة. في المساء، عندما التقت بعمر، تحدثت معه عما رأته.
"رأيت رجلاً غريباً يراقبني اليوم. كان واقفاً عند حدود البستان. لم يكن من هنا."
نظر عمر إلى الأرض للحظة، ثم رفع بصره إليها. "هل تذكرين ملامحه؟"
"لا. كان يرتدي قبعة داكنة، ووجهه لم يكن واضحاً. لكنه كان يشعرني بشيء... بشيء لا أعرف كيف أصفه. كأنه يحمل سراً."
"ربما كان أحد أتباع جابر"، قال عمر ببرود. "يستطلع المكان قبل وصولهم. يجب أن نكون حذرين. الشيخ أحمد أمر بتشديد الحراسة حول الواحة."
"لكن لم يكن يبدو عدائياً"، قالت ليلى. "كان فقط... يراقب."
"في الصحراء، يا ليلى، المراقبة قد تكون بداية كل شيء"، قال عمر، وقد بدت عيناه تحملان قدراً من القلق. "هل رأيتِ شيئاً آخر؟"
"لا. لكنني شعرت أنني أعرفه. ليس كشخص، بل كشعور."
تنهد عمر. "ربما هو مجرد وهم. ولكن، بما أنكِ هنا، ولا تزالين تنتظرين الإشارة التي ذكرها والدكِ، فربما يكون هذا الرجل له علاقة بالأمر. هل كنتِ تتوقعين أن يأتي أي شخص من قبل والدكِ؟"
"لا. والدي قال إنني وحدي هنا."
"حسناً، ليلى. علينا أن نكون مستعدين لكل شيء. لقد وصل وفد جابر غداً. يجب أن نضع خطة لكيفية التعامل معهم."
في اليوم التالي، وصلت قافلة كبيرة إلى الواحة. كان جابر نفسه على رأسها، يحيط به رجال كثر، معظمهم يرتدون أسلحة واضحة. كان جابر رجلاً مفتول العضلات، ذو لحية سوداء كثيفة، وعينين صغيرتين تلمعان بخبث. كان يبدو قوياً، ولكنه يحمل في هيئته شيئاً من القسوة.
استقبله عمر والشيخ أحمد عند مدخل الواحة، ببروتوكول رسمي، لكن ببرود واضح. بدأت المفاوضات في خيمة كبيرة، نصبوها خصيصاً لاستقبال الوفد. جلست ليلى في مؤخرة الخيمة، بعيدة عن الأنظار، لكنها كانت تسمع كل شيء.
كان جابر يتحدث بلهجة قوية، وكلماته مليئة بالتهديدات المبطنة. كان يطالب بشروط لم تكن في الحسبان، شروط تتجاوز كثيراً ما ذكره والد ليلى. كان يريد جزءاً كبيراً من الأراضي الزراعية، وكمية وفيرة من التمور، بل وحتى السيطرة على طرق التجارة.
"يا شيخ أحمد"، قال جابر، بصوت مدوٍّ. "لقد أتيتُ إليكم بحسن نية، ولكن يبدو أنكم لا تقدرون قيمة شراكتي. إذا كنتم لا تريدون الصفقة، فليكن. ولكن تذكروا، أنتم في الصحراء، وأنا أتحكم في طرق الماء. ومن يعاديني، قد يجد نفسه عطشاناً."
شعر الشيخ أحمد بالغضب، لكنه حافظ على رباطة جأشه. "جابر، شروطك هذه ظالمة، وتتجاوز ما اتفقنا عليه. نحن لا نبيع أرضنا بهذه السهولة."
"ليس بيعاً، بل شراكة!" قال جابر بضحكة خبيثة. "ولكن الشراكة تتطلب تنازلات. وبالنظر إلى وضعكم، أعتقد أن تنازلاتكم يجب أن تكون كبيرة."
كانت ليلى تستمع، وقلبها يعتصر ألماً. شعرت أن كلمات والدها كانت تحذيراً صادقاً. جابر لم يكن يريد شراكة، بل كان يريد السيطرة.
فجأة، سمعت ليلى همساً خفيفاً خلفها. استدارت، لتجد الرجل الغريب الذي رأته في البستان واقفاً بجوارها. كان يحمل في يده ورقة صغيرة.
"هل أنتِ ليلى، ابنة الشيخ سالم؟" سأل بصوت عميق وهادئ.
أومأت برأسها، وهي تشعر بالدهشة والخوف.
"والدكِ يعرف أنني هنا. لقد أرسلني. هذه الورقة... تحتوي على تفاصيل الصفقة التي تحدث عنها."
مد الرجل يده بالورقة. كانت صغيرة، مكتوبة بخط دقيق. أخذتها ليلى، وشعرت بأنها أصبحت أثقل من ألف جبل.
"من أنت؟" سألت بصوت مرتجف.
"أنا حارس سر والدكِ"، أجاب. "اسمي "خالد". سأكون بجانبكِ، ما استطعت. الآن، اقرئي الورقة. الوقت ينفد."
فتحت ليلى الورقة. كانت هناك أرقام، كميات، وتواريخ. وبجانبها، رمز غريب، يبدو كشجرة نخيل متشابكة. وفجأة، تذكرت ليلى شيئاً. والدها كان قد رسم هذا الرمز على صندوق خشبي قديم احتفظ به في مكتبه. كان الرمز يعني... الأمان.
شعرت ليلى بتيار من القوة يسري فيها. هذا هو! هذه هي الإشارة التي تحدث عنها والدها. صفقة سرية، تتطلب رمزاً، ومعلومات لا يجب أن يعرفها إلا المقربون.
رفعت بصرها إلى خالد. "شكراً لك. أعتقد أنني فهمت الآن."
"أنا سعيد بذلك"، قال خالد. "الآن، تصرفي بحكمة. جابر رجل خطير. ولا تظهري هذه الورقة لأي شخص، حتى لو بدا لكِ أنه صديق. استخدميها فقط عندما يكون الوقت مناسباً."
عاد الانتباه إلى جابر، الذي كان يرفع صوته مطالباً بالرد. شعر عمر بأن الأمور تزداد سوءاً.
"إذا لم تقبلوا شروطي"، قال جابر، وهو يقف، "فستندمون. هذه الواحة ستكون لي، طوعاً أو كرهاً."
وقبل أن يكمل كلماته، نهضت ليلى. لم تكن تعرف كيف، لكنها شعرت بأنها يجب أن تتكلم. كان صوتها خافتاً في البداية، ثم ازداد قوة، حتى سمعها الجميع.
"لا يا جابر"، قالت ليلى. "هذه الواحة لن تكون لك."