حب في المدينة
صدى الذكريات واختبار الإيمان
بقلم فاطمة النجار
كانت ليلى، بجرأتها المعتادة وروحها المرحة، بمثابة نسمة هواء عليل في جو سارة المشبع بالقلق. جلست بجوارها على الأريكة، وبدأت تتحدث عن يومها، عن ضحكاتها، وعن تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بسيطة، لكنها في حقيقتها تمثل شريان الحياة السليم. كانت ليلى تدرك جيداً طبيعة سارة الهادئة، وحساسيتها العميقة، ولذلك كانت تحاول دائماً إخراجها من قوقعتها.
"بصراحة يا سارة، تبدين شاردة الذهن منذ أن دخلت. هل حدث شيء؟ شيء يتعلق بالعمل؟ أم... بالماضي؟" انتهت ليلى من كلماتها وهي ترفع حاجبها الأيسر، نظرة تحمل في طياتها مزيجاً من الفضول والاهتمام.
أخذت سارة نفساً عميقاً، ثم وضعت كوب الشاي جانباً. "الماضي يا ليلى. أحياناً يبدو أثقل من الحاضر."
"يوسف؟" سألت ليلى مباشرة، دون لف أو دوران، كعادتها. كانت تعرف قصة سارة مع يوسف، وكانت من القلائل الذين عرفوا تفاصيل علاقتها به، ومدى تأثيره عليها.
أومأت سارة برأسها ببطء. "رأيته اليوم. في المكتبة. بعد كل هذه السنوات."
توسعت عينا ليلى في دهشة، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها. "يا إلهي! وماذا كان رد فعلك؟ وماذا كان رد فعله؟"
"لم يكن هناك رد فعل بالمعنى المفهوم. مجرد نظرات عابرة. لكن هذا اللقاء هزّ في داخلي أشياء كثيرة." اعترفت سارة بصوت مختنق، وهي تشعر ببعض الخجل من اعترافها. "كأنني عدت إلى الوراء. إلى تلك الأيام التي كنت فيها... ضعيفة أمامه."
"ليس ضعيفة، بل كنتِ مفتونة. كان يملك كاريزما خاصة، لا يمكن إنكارها." قالت ليلى وهي تحاول تهدئة مخاوف صديقتها. "لكنكِ تغيرتِ يا سارة. أنتِ الآن سيدة أعمال ناجحة، قوية، وواثقة من نفسك. هذا اللقاء لن يعيدكِ إلى الوراء."
"لكن يا ليلى، الأمر ليس بهذه البساطة. لقد أدركت في تلك اللحظة أنني كنت مدمنة على إعجابه، على حديثه، على ذلك الشعور الخاص الذي كان يمنحني إياه. لقد كان نوعاً من الإدمان العاطفي، أليس كذلك؟" سألت سارة، وعيناها تبحثان عن إجابة في عيني ليلى.
"ربما. لكن الإدمان الحقيقي هو ما يسيطر على حياتك ويدمرها. علاقتك بيوسف كانت مجرد فصل في حياتك، وانتهى. الآن لديكِ حاضر، ومستقبل." أجابت ليلى بحزم، وهي تضع يدها على يد سارة. "الأهم هو أنكِ مدركة لطبيعة هذه المشاعر. هذا هو نصف العلاج."
"لكن ماذا لو عاد؟ ماذا لو حاول الاقتراب مرة أخرى؟" سؤال خرج من سارة كأنه خوف دفين.
"هذا ما سيحدث، على الأرجح. الشباب من أمثاله، الذين يعتمدون على سحرهم الخاص، عادة ما يكونون عنيدين عندما يرون هدفهم مرة أخرى." قالت ليلى بتحليل. "لكنكِ الآن في وضع أقوى. أنتِ تعلمين ما تريدين، وتعلمين ما لا تريدين. لديكِ أسرتك، لديكِ قيمك. هذه هي حصونك."
"أخشى يا ليلى أن يكون كلامي عن إدمان الماضي مجرد عذر. ربما أنا حقاً أرغب في استعادة ذلك الشعور. ربما أعجبتني الطريقة التي كان يراني بها. أخشى أن يكون جزء مني لا يزال يبحث عن تلك النظرة." اعترفت سارة بصوت خافت، وهي تشعر بثقل الاعتراف.
"هذا طبيعي يا سارة. كل إنسان لديه نقاط ضعف، ولديه ماضٍ يؤثر فيه. لكن الفرق يكمن في كيفية التعامل مع هذه المشاعر. هل تستسلمين لها وتدعينها تتحكم بكِ، أم أنكِ تواجهينها وتتغلبين عليها؟" قالت ليلى بصراحة. "لقد كنتِ دائماً قوية. لا تدعي شبحاً من الماضي يعيق تقدمك."
انتقلت المحادثة إلى موضوع آخر، لكن ظل شبح يوسف يراود سارة. فكرت في والدها، الرجل الذي يمثل لها أعلى معاني النبل والاستقامة. لم يكن يسمح بأي تساهل في الأمور التي تتعلق بالشرف والعلاقات. كان يؤمن بأن الزواج هو رباط مقدس، لا يجب أن تتلوث مقدماته بأي شيء يخالف الشرع.
كان والدها، الحاج أحمد، قد تحدث معها مؤخراً عن موضوع الزواج. كان يرى في ابن شريكه في العمل، المهندس الشاب الخلوق "خالد"، مناسباً لها. خالد، الشاب الذي عرفته سارة منذ سنوات، كان يتمتع بسمعة طيبة، وكان يتميز بالهدوء والرزانة. كانت والدتها قد بدأت تطرق هذا الموضوع برفق، تشير إلى حسن خلقه، ودينه، ومكانته الاجتماعية.
"خالد شاب جيد يا سارة. والدته تحدثت معي، وهي معجبة بكِ كثيراً. أظن أن أباكِ أيضاً يرى فيه شريك حياة مناسب لكِ." كانت كلمات والدتها لا تزال تدوي في أذنيها.
"لكني لا أعرف يا أمي. أحتاج وقتاً." كانت إجابة سارة المعهودة.
لكن الآن، مع ظهور يوسف، شعرت بأن هذا الوقت قد نفد. هل كانت هذه فرصة لتنسى ماضيها، وتستثمر في حاضرها؟ هل كانت فرصة لتبني علاقة مبنية على أسس صحيحة، بعيداً عن شغف اللحظة الذي جربته من قبل؟
تذكرت نظرة يوسف المباغتة في المكتبة. لم تكن مجرد نظرة عابرة. كان فيها شيء من الاعتراف، شيء من الندم، ربما. ولكن هل كان هذا الندم كافياً ليمنحها الثقة؟ كانت تعلم أن يوسف كان يملك ميولاً تجاه حياة اللهو والسهر، وأن هذه الميول كانت هي السبب الرئيسي لعدم اكتمال أي علاقة جادة معه في الماضي.
"يا ليلى، هل تعتقدين أن الرجل يمكن أن يتغير جذرياً؟" سألت سارة بعد صمت طويل.
"التغيير ممكن، لكنه صعب، ويتطلب جهداً وإخلاصاً. والإنسان لا يتغير إلا إذا أراد هو ذلك حقاً، ووجد الدافع الأقوى." أجابت ليلى. "لكنكِ لا تحتاجين إلى تجربة يوسف لتتغيري. لديكِ فرصة لتكوني في علاقة مع شخص يبدو أنه يتفق مع مبادئك وقيمك."
شعرت سارة بضيق في صدرها. كانت ليلى على حق. كانت تفكر بطريقة خاطئة. لم يكن عليها أن تقارن بين يوسف وبين ما يجب أن يكون عليه الرجل الصالح. كان عليها أن تفكر فيما تريحه، وما يرضي الله.
"ربما يجب أن أنظر إلى خالد بجدية أكبر." تمتمت سارة، وكأنها تتحدث مع نفسها.
"هذا رأيي." قالت ليلى بابتسامة. "لكن القرار لكِ. تذكري يا سارة، قلوبنا ليست مجرد ألعوبة. يجب أن نختار لها الأفضل، الأبقى."
نظرت سارة إلى هاتفها مرة أخرى. كانت هناك رسالة جديدة. رسالة من رقم غير مسجل. فتحت الرسالة بحذر.
"سارة، أتمنى أن تكوني بخير. رؤيتك اليوم أزعجتني أكثر مما تتخيلين. لم يكن لقاءً عابراً بالنسبة لي. أرغب حقاً في التحدث معكِ، لو سمحتِ. يوسف."
تجمد الدم في عروق سارة. لقد أتى. لقد بدأ. وكأن اللقاء في المكتبة لم يكن كافياً، بل كان مجرد مقدمة لما هو قادم. شعرت بخوف ممتزج بشيء آخر، شيء لم تستطع تسميته. هل كان فضولاً؟ هل كان خوفاً من المجهول؟
"ماذا حصل؟" سألت ليلى، وقد رأت التغيير المفاجئ في وجه سارة.
ألقت سارة بالرسالة أمام ليلى. قرأت ليلى الرسالة، ثم نظرت إلى سارة بجدية. "هذا ما كنت أتوقعه. الآن، القرار بأيدينا. كيف ستردين؟"
نظرت سارة إلى النجوم مرة أخرى. كانت تلك الليلة، ليلة تتكثف فيها الظلال، وتشتد فيها المعركة الداخلية. لقد أصبح النقاش حول إدمان الماضي مجرد مقدمة لاختبار أكبر. اختبار لقدرتها على التمييز بين الرغبة العابرة، وبين السعي نحو علاقة مباركة.