حب في المدينة
ظلال الماضي وضوء الفرصة
بقلم فاطمة النجار
بعد انتهاء مكالمة يوسف، شعرت سارة بأنها قد مرت في معركة شرسة، لم تكن خسائرها مادية، بل معنوية. كانت تشعر بالإرهاق، ليس جسدياً، بل روحياً. لقد كشفت لها هذه المواجهات مع يوسف عن نقاط ضعف كانت قد ظنت أنها دفنتها بعمق. لم يكن الأمر متعلقاً بحب قديم، بل كان يتعلق بإدمان على الإعجاب، على الشعور بأنها مرغوبة من قبل رجل استثنائي.
"هل أنتِ بخير؟" سألت ليلى، وقد رأت وجه سارة شاحباً.
"بخير، فقط... متعبة." أجابت سارة، وهي تحاول استجماع شتات نفسها. "لقد اتصل بي مجدداً."
"وماذا كان ردك؟"
"رفضت. بأكثر الطرق لبقاً وحزماً التي استطعت عليها." قالت سارة، وهي تبتسم ابتسامة باهتة. "لكنه لم ييأس. يبدو أنه مصرّ على لقائي."
"هذا هو طبيعة الأشخاص الذين يعتمدون على سحرهم. لا يعرفون معنى الانسحاب إلا بعد اليأس المطلق." قالت ليلى. "لكن تذكري، أنتِ فعلتِ ما يجب عليكِ فعله. لقد أوضحتِ موقفكِ، ووضعتِ حدوداً. ما بعد ذلك، ليس من مسؤوليتكِ."
"أعلم. لكنني أشعر بالقلق. قلق من أن يظهر مجدداً، وأن يحاول استغلال أي ضعف. قلق من أن يفسر رفضي على أنه لعبة، أو تحدٍ." قالت سارة، وعيناها تعكسان القلق.
"وهل تعتقدين أن لديه فرصة لإيذائكِ؟" سألت ليلى، وكأنها تحث سارة على استعادة ثقتها بنفسها. "لقد بنيتِ حياتكِ، لديكِ سمعتكِ، لديكِ ماضٍ لا تشوبه شائبة. هذا الرجل، إن حاول أي شيء يضر بكِ، فسوف يجد نفسه أمام جدار صلب."
"لكن يا ليلى، ما يقلقني حقاً هو ما حدث في داخلي. كيف أن مجرد سماع صوته، أو مجرد فكرة لقائه، قد أزعجتني بهذه الطريقة. لقد شعرت بالرغبة في سماعه، في معرفة ما تغير فيه. هذا الشعور بالفضول، بالقلق، هو ما يخيفني." اعترفت سارة.
"هذا دليل على أنكِ إنسانة، يا سارة. لديكِ مشاعر، ولديكِ ذكريات. لا تخافي من هذه المشاعر. خافي فقط من الاستسلام لها. أنتِ لا تحبينه، أنتِ فقط مدمنة على ذكرى، على وهم." قالت ليلى بحزم. "وما تشعرين به الآن من رغبة في معرفة ما تغير فيه، هو مجرد صدى لذلك الإدمان القديم."
في هذا الوقت، كان الحاج أحمد يتحدث مع ابنته سارة عبر الهاتف.
"مرحباً يا بنيتي. كيف حالك؟" سأل الحاج أحمد بصوت دافئ.
"بخير يا أبي. الحمد لله. وأنت؟" أجابت سارة، وتشعر ببعض الراحة لمجرد سماع صوت والدها.
"بخير يا حبيبتي. كنت أرغب في التحدث معكِ بشأن أمر مهم." قال الحاج أحمد، وبدا صوته جاداً. "لقد تحدثت مع الحاج سعيد، والد المهندس خالد. لقد أبدى ابنه رغبة جادة في التقدم لخطبتكِ."
توقفت سارة عن التنفس للحظة. لقد كان الأمر أسرع مما توقعت. "المهندس خالد؟"
"نعم يا بنيتي. أعرفه جيداً، وهو رجل طيب، ذو خلق ودين. وأبوه رجل فاضل. أعتقد أن هذا الزواج سيكون فيه خير لكِ." قال الحاج أحمد، وبدا صوته يحمل أملاً.
"أعلم يا أبي. لقد سمعت عن المهندس خالد. سمعته طيبة." قالت سارة، محاولة أن تخفي ارتباكها.
"ما رأيكِ أنتِ؟ هل ترغبين في أن نفتح هذا الموضوع بجدية؟ هل ترغبين في مقابلته؟" سأل الحاج أحمد، تاركاً القرار لابنته.
"أبي، أنا... أنا بحاجة إلى بعض الوقت للتفكير. لم أتوقع هذا الأمر بهذه السرعة." أجابت سارة، ولم تكن متأكدة تماماً من مشاعرها.
"خذي وقتكِ يا بنيتي. لا أريد أن أفرض عليكِ شيئاً. لكن لا تدعي التردد يعيقكِ عن فرصة قد تكون سعيدة لكِ. أحياناً، السعادة تأتي في صورة لا نتوقعها." قال الحاج أحمد. "تذكري فقط، السعادة الحقيقية في هذا الدين، وفي الزواج المبني على رضى الله."
بعد إنهاء المكالمة مع والدها، شعرت سارة بثقل المسؤولية. لقد كان ظهور يوسف بمثابة اختبار لها، وهذا الاختبار كشف عن الحاجة الملحة لتحديد مسارها. هل ستظل حبيسة ذكريات الماضي، أم ستمضي قدماً نحو مستقبل واعد؟
"ما رأيكِ يا ليلى؟" سألت سارة، وقد وضعت الهاتف على الطاولة. "والدي يريدني أن أقابل المهندس خالد. يبدو أنه مهتم جداً. وأنا... لا أعرف ماذا أشعر."
"هذه فرصة ذهبية يا سارة. فرصة لبناء حياة مستقرة، مبنية على ما يرضي الله. خالد رجل يبدو أنه يمثل كل ما تبحث عنه المرأة الصالحة: خلق، دين، استقرار. لماذا تترددين؟" قالت ليلى بحماس.
"ربما الخوف. الخوف من أن أكون قد اتخذت قراراً متسرعاً. الخوف من أن أكون قد أخطأت الاختيار. خاصة بعد كل ما حدث مع يوسف." اعترفت سارة. "أشعر وكأنني ما زلت أحمل بعض بقايا تعلقي به، وهذا ما يجعلني أتردد في فتح قلبي لشخص آخر."
"هذا طبيعي. الشفاء من أي تعلق، حتى لو كان إدماناً عاطفياً، يأخذ وقتاً. لكن المفتاح هو أن تبدئي. أن تمنحي فرصة للحاضر. يوسف كان مجرد لمح، أما خالد، فقد يكون هو النور الذي تبحثين عنه." قالت ليلى. "ولا تنسي، أنتِ لا تتزوجين يوسف، أنتِ تتزوجين خالداً. يجب أن تفكري به هو، وبمدى ملاءمته لكِ."
"لكني أشعر بالذنب قليلاً. كأنني أهرب من يوسف إلى خالد." قالت سارة، وشعرت بأنها غير صادقة مع نفسها.
"ليس هروباً، يا سارة. إنه اختيار. اختيار طريق يرضي الله، ويحقق لكِ السعادة. لقد رفضتِ يوسف، وهذه نقطة قوة. الآن، أمامكِ فرصة جديدة. لا تدعي الماضي يعيقكِ عن بناء المستقبل." قالت ليلى. "إن كنتِ حقاً تريدين التخلص من بقايا تعلقكِ بيوسف، فالفرصة المثلى هي أن ترضي نفسكِ، وترضي ربكِ، ببدء حياة جديدة مع رجل صالح."
شعرت سارة بأن كلمات ليلى قد لامست وترها الحساس. لم يكن الأمر يتعلق بيوسف، بقدر ما يتعلق بها هي. كانت بحاجة إلى إغلاق هذا الفصل القديم، والبدء بفصل جديد. وكان خالد، بكل ما عرفته عنه، يبدو هو المنفذ لهذا الإغلاق، والباب لهذا الفصل.
"حسناً يا ليلى. سأفكر في الأمر بجدية. سأحاول أن أنظر إليه بعين جديدة، بعين تتجاوز الماضي." قالت سارة، وشعرت ببعض الثقة تعود إليها.
"هذا هو المطلوب. ثقي بالله، وثقي بنفسكِ. والأهم، أن تتذكري دائماً أن الزواج في الإسلام ليس مجرد حب، بل هو شراكة، ومسؤولية، ورحلة مشتركة نحو رضى الله." قالت ليلى، وهي تحتضن سارة.
في تلك الليلة، نظرت سارة إلى صورتها في المرآة. لم تعد ترى الفتاة التي كانت تتأرجح بين ظلال الماضي. رأت فتاة تقف على مفترق طرق، تنظر نحو النور. وكان النور، يبدو، قادماً من اتجاه لم تكن تتوقعه.