الفصل 1 / 25

قلب الأمير

الليلة التي أضاء فيها البريق

بقلم فاطمة النجار

كان الهواء يحمل رائحة البخور العتيق الممزوجة بعطر الياسمين المتسلق على أسوار القصر القديم. سقط ضوء القمر الفضي على صحن الدار الواسع، مصوّراً ظلالاً راقصة للأشجار والنافورات. في قلب هذا المشهد الساحر، وقف الأمير خالد، سليل بيت الحكم وعنوان الرجولة المهيبة. لم يكن مجرد أمير، بل كان فارس حكايتنا، رجلٌ حمل على عاتقه مسؤوليات تتجاوز سنّه، وشغفاً بالعدل يتوهج في عينيه كشعلة لا تنطفئ.

كانت يداه القويتان قابضتين على سيفٍ عتيق، يعكس صقله الأسطوري حكايات الأجداد. كانت هناك مناورةٌ معقدةٌ يخوضها، تتطلب دقةً متناهيةً وقوةً خارقة. لم تكن مجرد تمرينٍ روتيني، بل كانت استدعاءً للروح، لقدرةٍ كامنةٍ لطالما آمن بها، حتى عندما بدا العالم من حوله يغرق في سباتٍ عميق. تساقطت قطرات العرق على جبينه، لكنها لم تثنِ عزيمته، بل زادت من إصراره. كل ضربة، كل تلة، كل انحناءة، كانت صدىً لقرارٍ اتخذه في قرارة نفسه؛ أن يكون السيف الذي يحمي، والدرع الذي يصون.

وبينما كان يلتفت في حركةٍ أليفة، وقع بصره على نافذةٍ عاليةٍ في أحد الأجنحة المطلة على الصحراء. كان ضوءٌ خافتٌ يتسلل منها، لا يشبه نور الفوانيس المعتاد. لمعةٌ ما، لحظةٌ عابرةٌ، ولكنها كفأت لتسرع نبض قلبه، ليس خوفاً، بل فضولاً جامحاً. من هذه النافذة، ومن هذه الساعة المتأخرة؟ هل هي حارسةٌ تبيت ساهرة، أم ضيفٌ وصل على غفلة؟

توقف خالد للحظة، وعينيه مثبتتان على تلك اللقطة الغامضة. كانت تلك اللمعة تحمل في طياتها شيئاً مختلفاً، شيئاً يثير الشجن والتشويق في آنٍ واحد. لم يكن من عادته أن يتوقف عن تدريبه بهذا الشكل، لكن تلك اللمعة كانت كالصوت الخفي الذي يناديه. همهم بصوتٍ خفيض، بالكاد سمعه الهواء: "ماذا تخفين يا نافذة الليل؟"

ترك السيف جانباً، وتسلل بخطواتٍ سريعةٍ وخفيّةٍ نحو الجناح. كان يرتدي ملابس التدريب السوداء، التي تندمج مع الظلال، مما يجعله شبحاً يتحرك بصمت. كل خطوةٍ كانت محسوبة، كل نفسٍ مكتوم. وصل إلى باب الجناح، وكان من المفترض أن يكون مغلقاً بإحكام في هذا الوقت. وضع يده على المقبض البارد، وشعر بنبضةٍ أخرى في قلبه.

ببطءٍ شديد، فتح الباب. لم يكن هناك أحدٌ عند المدخل، لكن الرائحة التي ملأت الأجواء كانت مختلفة. لم تكن رائحة بخور القصر العادي، بل كانت مزيجاً من رائحة الورد البلدي، والهيل، وشيءٌ آخر لا يمكن تحديده، شيءٌ يثير الذكريات والحنين. تقدم إلى الداخل، متحرّكاً بحذرٍ بين الأثاث الفاخر، وعينيه تبحثان عن مصدر الضوء.

وجد مصدر الضوء. كان في غرفةٍ صغيرةٍ جانبية، تكاد تكون مكتبةً مصغرة. كانت امرأةٌ شابةٌ تجلس على كرسيٍ مريح، وتقرأ كتاباً تحت ضوء مصباحٍ قديم. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً بلون السماء، وقد نسّلت بعض الخصلات السوداء من حجابها، لتلامس جبينها. لم تكن مجرد امرأة، بل كانت لوحةٌ فنيةٌ اكتملت تفاصيلها في تلك اللحظة.

ذهل خالد. لم يرَ مثل هذه السكينة والجمال مجتمعين من قبل. كانت تفاصيل وجهها، وهي غارقةٌ في قراءتها، ترسم صورةً من الصفاء والهدوء. لم يكن يعرفها، ولم يرها في القصر من قبل. من تكون؟ وكيف وصلت إلى هنا؟

رفعت رأسها فجأة، وكأنها شعرت بوجوده. اصطدمت عيناهما. كانت عيناها واسعتين، بلون العسل، تحملان بريقاً ذكياً وحكمةً تفوق سنها. اتسعت حدقتاها بصدمةٍ ودهشة، ثم حاولت أن تنهض بسرعة، لكنها تعثرت قليلاً، وسقط الكتاب من يدها.

"من أنت؟" سألت بصوتٍ خافتٍ، مشوبٍ بالخوف والفضول.

تجمد خالد للحظة، وهو يشعر بتأثير نظراتها. كانت تلك اللحظة أثقل من أي مناورةٍ بالسيف. أجاب بصوتٍ عميقٍ وهادئ، محاولاً أن يبث فيها الطمأنينة: "أنا خالد. وهذا قصري. ومن أنتِ يا سيدة؟"

لم يكن يتوقع هذه الإجابة. لم يكن يتوقع أن يلتقي أميرةً أجنبيةً أو ضيفةً ساميةً في هذا الوقت. بل كان يتوقع أن يرى مجرماً مختبئاً، أو جاسوساً تسلل. لكن هذا اللقاء كان يفوق كل التوقعات.

بدأت المرأة تخفف من قلقها، لكن نظراتها لم تفقد دهشتها. أجابت بصوتٍ مرتعشٍ قليلاً: "أنا.. أنا مريم. وأنا.. كنت ضيفةً عند جدتك، الوالدة الكريمة. لم أكن أعلم أن هذا الوقت متأخرٌ جداً. أعتذر إن أزعجتك."

جدته؟ الملكة الأم؟ لم تخبره جدته عن أي ضيفةٍ جديدة. هل كانت مفاجأةً مخططاً لها؟

"لا عليكِ يا مريم." قال خالد، محاولاً أن يبدو طبيعياً. "لكنني لم أُبلغ عن وصولك. هل أنتِ بخير؟ هل تحتاجين إلى شيء؟"

كانت عيناه تستكشفان وجهها، تحاولان فهم هذا اللقاء غير المتوقع. كانت لديها هالةٌ من الرقي والجمال الهادئ، شيءٌ مختلفٌ عن نساء البلاط اللواتي اعتاد عليهن.

"أنا بخير، شكراً لك." أجابت، وهي تنهض بثباتٍ أكبر. "تفضلت جدتك بإكرامي، وأشعر بالامتنان. كنت فقط أبحث عن بعض الهدوء لأقرأ."

"الهدوء؟" سأل خالد بابتسامةٍ خفيفة. "في هذا الوقت؟"

"نعم." قالت وهي تغطي وجهها بحجابها مجدداً، لكن الحركة بدت طبيعيةً وبريئة. "الهدوء يساعد على التركيز. وأنا أحب القراءة في ساعات الصفاء."

تلك الكلمات، وتلك الهالة، بدأت ترسم صورةً جديدةً في ذهن خالد. لم تكن مجرد ضيفة، بل كانت روحاً تبحث عن المعرفة والسكينة. شعر بجذبٍ غريبٍ إليها، جذبٌ ليس جسدياً بحتاً، بل روحيٌّ عميق.

"هل تسمحين لي بالجلوس؟" سأل، غير متوقعٍ أنه سيطلب ذلك. "أظن أننا بحاجةٍ إلى بعض التوضيح. ولعلّكِ تشعرين بالفضول أيضاً."

نظرت إليه بدهشةٍ، ثم أومأت برأسها ببطء. "بالطبع."

جلس خالد على كرسيٍ مقابلٍ لها، ومصباح القراءة يلقي ضوءه الذهبي على وجهيها. كانت تلك اللحظة بدايةً لشيءٍ لم يكن يعلمه، فصلٌ جديدٌ في كتاب حياته، فصلٌ كُتبت أحداثه الأولى في ليلةٍ أضاء فيها بريقٌ غير متوقع، بريقٌ حمل اسم مريم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%