قلب الأمير
لقاء القدر في بستان النرجس
بقلم فاطمة النجار
لم تكن فاطمة تتوقع أن يأتي يوم تشعر فيه بهذا القدر من الأمان والطمأنينة. لقد تبدد الخوف الذي كان يراودها، وحل محله شعور غريب بالثقة والتقدير. لم تفهم تمامًا ما حدث، ولكنها كانت تشعر بأنها أصبحت تحت عين حانية تهتم بها. الرسالة التي تلقتها كانت غامضة، ولكنها حملت بين طياتها دفئًا خاصًا، دفئًا شعرت أنه ينبع من قلب نبيل.
في أحد الأيام، بينما كانت تساعد والدها في ورشة الحدادة، لاحظت سيارة فاخرة تتوقف بالقرب من منزلهم. لم ترَ مثل هذه السيارة في حيهم من قبل. خرج منها رجل ذو هيئة مهيبة، يرتدي زيًا رسميًا، ولكنه كان يبتسم بلطف.
"السلام عليكم يا شيخ أحمد," قال الرجل بصوت جهوري ولكن دافئ.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته," أجاب أبو أحمد، وهو ينظر إليه بتعجب.
"أنا الحاج سالم، خادم لدى صاحب السمو الأمير عبد الرحمن," قال الرجل، وقدم له صندوقًا كبيرًا مليئًا بالحلويات والفواكه. "لقد جئت لأطمئن على ابنتك العزيزة فاطمة."
شعر أبو أحمد بالارتياح يغمر روحه. "أهلاً بك يا سيدي. فاطمة بخير والحمد لله."
"سموه يرعاها بعينيه," قال الحاج سالم، ثم التفت إلى فاطمة التي كانت تقف خلف والدها، وعيناها تلمعان بالفضول. "كيف حالك يا ابنتي؟ هل لازلتِ تشعرين بالراحة والأمان؟"
ابتسمت فاطمة بخجل. "نعم يا سيدي. الحمد لله."
"هذا ما يسعد سموه," قال الحاج سالم. "وقد أراد سموه أن يعلمكِ بأنه سيقيم احتفالًا صغيرًا في بستان القصر، وهو بستان النرجس، لبعض ضيوفه. وقد خصكِ ووالدكِ بدعوة خاصة للحضور. لديه رغبة في أن يراكِ في بيئة مختلفة، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية."
اتسعت عينا فاطمة. بستان القصر؟ دعوة خاصة من الأمير؟ لم تستطع تصديق ما تسمعه.
"دعوة؟ للأمير؟" تمتم أبو أحمد. "نحن مجرد بسطاء يا سيدي. لا يليق بنا أن نحضر في مثل هذه المناسبات."
"بل يليق بكم يا شيخ أحمد," أكد الحاج سالم. "سموه يقدّر الناس الطيبين وأصحاب المهن الشريفة. وهي دعوة خاصة، لا تترددوا في قبولها. ستكون فرصة لرؤية جمال القصر، وفرصة للأمير ليلتقي بكم."
بعد رحيل الحاج سالم، جلس أبو أحمد وفاطمة يتحدثان في حيرة.
"يا ابنتي، لا أدري ما أقول," قال أبو أحمد. "الأمير يدعونا؟"
"يا أبي، ربما أراد الأمير أن يشكرنا على شيء," قالت فاطمة، وهي تفكر في الرسالة الغامضة. "ربما أراد أن يعوضنا عن تلك المضايقات."
"ربما," قال أبو أحمد، وهو لا يزال يشعر بالدهشة. "ولكن يجب أن نذهب بملابس لائقة. وأن نتصرف بما يليق بأصحاب السمو."
في قصر الأمير، كان عبد الرحمن يشعر بتزايد الترقب. لقد كان يتمنى هذه اللحظة منذ زمن. أراد أن يرى فاطمة في مكان يليق بجمالها وروعتها، وأن يريها كيف ينظر إليها. أعد بستان النرجس بأقصى ما يمكن من الجمال. تم ترتيب الزهور بألوانها الزاهية، ونشرت الأضواء الخافتة بين الأشجار. تم إعداد مائدة صغيرة للطعام، مزينة بأفضل ما في مطبخ القصر.
عندما وصلت سيارة والدها المتواضعة إلى بوابة القصر، شعر قلب الأمير يخفق بقوة. كان يراقب من شرفته، كيف خرجت فاطمة. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا من قماش حريري بلون أزرق سماوي، كان يبرز بياض بشرتها وشعرها الداكن. كانت تبدو كجوهرة مصقولة، حتى في بساطتها.
لم يستطع الأمير الانتظار. نزل بسرعة، ووجد الحاج سالم ينتظره عند المدخل.
"هل هم هنا يا حاج سالم؟" سأل الأمير بصوت يعلوه الشغف.
"نعم يا مولاي. إنهم في طريقهم إلى البستان."
توجه الأمير نحو بستان النرجس، وقلبه يدق بسرعة جنونية. عندما رأته فاطمة، توقفت عن المشي، وكادت أن تفقد توازنها. لم تتوقع أن يقابلهم بنفسه. كان الأمير يقف هناك، وسيماً بشكل لا يصدق، ابتسامة دافئة على وجهه.
"أهلاً بكم في قصري المتواضع," قال الأمير، وعيناه لا تفارقان فاطمة. "يسعدني جدًا أن ألتقي بكم هنا."
تكلم أبو أحمد بتردد: "الشرف لنا يا مولاي. لم نتوقع هذه الكرامة."
"الكرامة لمن يستحقها يا شيخ أحمد," قال الأمير، وهو لا يزال ينظر إلى فاطمة. "وفاطمة، تبدين رائعة. هذا الثوب يناسبك كثيرًا."
احمرّ وجه فاطمة، وشعرت بالخجل. كانت هذه الكلمات، وهذه النظرة، أقوى من أي شيء شعرت به من قبل.
"أشكرك يا مولاي," همست فاطمة.
"تفضلوا," قال الأمير، وهو يشير بيده نحو البستان. "لقد أعددت لكم بعض الضيافة. أتمنى أن تستمتعوا بجمال المكان."
مشوا معًا في البستان، والأمير يسير بين فاطمة ووالدها، يتحدث معهما عن جمال الزهور، وعن تاريخ القصر. كان يشرح لهم كل شيء بأسلوب ودي، وكأنه يعرفهم منذ زمن. كانت فاطمة تستمع إليه، وتشعر بانجذاب غريب إليه. لم يكن مجرد أمير، بل كان رجلاً طيب القلب، يهتم بالآخرين.
جلسوا حول المائدة الصغيرة. قدم لهم الأمير لهم بعض الطعام الذي أعده طباخ القصر. كان كل شيء مثاليًا. ولكن ما جعل فاطمة تشعر بالدفء الحقيقي، هو نظرات الأمير المباشرة إليها، والابتسامات التي كان يرسلها لها. كان يشعرها بأنها مميزة، بأنها محور اهتمامه.
"سمعت عن براعة والدك في الحدادة يا شيخ أحمد," قال الأمير. "هل لي أن أرى بعض أعماله؟"
"بالتأكيد يا مولاي," قال أبو أحمد بفخر. "لدي بعض الأدوات التي صنعتها بنفسي."
"قد أحتاج إلى بعض هذه الأدوات في مهامي," قال الأمير، وهو يبتسم. "ربما يمكن أن تزورني في ورشتي لاحقًا."
كانت هذه فرصة أخرى للتواصل. بعد فترة، عندما انسحب أبو أحمد قليلاً ليترك الأمير وفاطمة يتحدثان، نظر الأمير إلى فاطمة مباشرة.
"فاطمة," بدأ بصوت هادئ ولكن حميمي. "أتمنى أن تكوني قد شعرت بالأمان منذ آخر لقاء لنا."
"نعم يا مولاي. أشعر بالأمان أكثر من أي وقت مضى."
"هذا يسعدني جدًا. لقد شعرت بضرورة حمايتك. لم أستطع أن أرى فتاة مثلك تتعرض للإهانة."
"لقد شكرتك أنا ووالدي كثيرًا، يا مولاي."
"الشكر لا يكفي، فاطمة. لقد أصبحتِ شيئًا مهمًا بالنسبة لي."
توقفت فاطمة عن التنفس. هل سمعت ما قاله الأمير؟ لقد كانت كلماته كالصاعقة. نظرت إليه، ورأت في عينيه صدقًا عميقًا، وشوقًا لم تستطع فهمه.
"يا مولاي..." بدأت تقول، ولكن الكلمات علقت في حلقها.
"أعلم أن هذا مفاجئ،" تابع الأمير، بابتسامة خفيفة. "ولكن قلبي لا يستطيع أن يكذب. منذ أن رأيتك، وأنتِ تسكنين أفكاري."
كانت فاطمة تشعر بأنها في حلم. قلبها كان يدق بعنف، وعواطفها كانت تتصارع. هل هذا حقيقي؟ هل يمكن لأمير أن يشعر بمثل هذه المشاعر تجاه فتاة بسيطة؟
"أنا..." لم تجد الكلمات المناسبة.
"لا تقلقي،" قال الأمير، وهو يمد يده ولمس يدها بلطف شديد. "لا أريد منكِ ردًا الآن. أريد فقط أن تعلمي. وأن تعلمي أنني أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسميًا، إذا سمحتِ لي بذلك."
ارتعش جسد فاطمة. الخطوبة؟ من الأمير؟ لقد كان الأمر يفوق كل أحلامها. نظرت إليه، ورأت في عينيه مزيجًا من الأمل والشوق. وفي تلك اللحظة، في بستان النرجس، تحت ضوء القمر الخافت، شعرت فاطمة بأن قلبها قد وجد طريقه.