قلب الأمير
خيوط الماضي تتكشف
بقلم فاطمة النجار
لم تكن التحضيرات لخطوبة الأمير عبد الرحمن وفاطمة تسير بسلاسة كما كان يتمنى. فبالإضافة إلى نظرات الاستغراب والامتعاض التي كانت تتبادلها بعض نساء العائلة المالكة، بدأت تظهر بعض الشكوك والهمسات التي تتساءل عن نسب فاطمة الحقيقي. كانت فاطمة، رغم بساطتها، تملك جمالًا مميزًا، وعينين عميقتين ترويان قصة لا يعرفها أحد.
وفي أحد الأيام، بينما كانت فاطمة تتفحص بعض الأقمشة لاختيار فستان الخطوبة، جاءها الحاج سالم بملامح تختلف عن المعتاد. كان وجهه شاحبًا، وعيناه تبرقان بالقلق.
"يا ابنتي، هل لديكِ وقت لأتحدث معكِ قليلًا؟" سأل الحاج سالم بصوت خفيض.
"نعم يا عم الحاج سالم، تفضل," قالت فاطمة، وهي تشعر بشيء من القلق.
"لقد وصلتني أخبار مقلقة، يا ابنتي," قال الحاج سالم، وهو يجلس بجانبها. "هناك من بدأ يبحث عن ماضيكِ، وعن أصولكِ."
اتسعت عينا فاطمة. "ماضيي؟ ولكن ما هو ماضيي؟ أنا ابنة الحداد أحمد."
"أعلم ذلك يا ابنتي، وهذه هي الحقيقة التي نعرفها. ولكن يبدو أن هناك من يشك في ذلك. هناك من يعتقد أن هناك سرًا يخفى عنكِ. ربما يتعلق بوالدكِ، أو والدتكِ."
شعرت فاطمة بالبرد يسري في عروقها. والدتها؟ لقد كانت والدتها قد توفيت وهي صغيرة جدًا، ولم تتذكر منها سوى وجهها الباهت وابتسامتها الحزينة. لم تكن تعرف عنها الكثير، ولم يتحدث والدها عنها إلا قليلًا.
"ماذا تقصد يا عم الحاج سالم؟" سألت فاطمة، وصوتها يرتعش.
"أخشى يا ابنتي، أن هناك من يستغل هذا الأمر للوقيعة بينكِ وبين الأمير. لقد علمت أن الأميرة نورة، ابنة عم الأمير، هي من تقود هذه الحملة. إنها لا تريدكِ زوجة للأمير."
"الأميرة نورة؟" تمتمت فاطمة. "ولكن لماذا؟"
"لأنها كانت تطمع في الأمير لنفسها. ولأنها ترى فيكِ عقبة أمام طموحاتها. إنها تبحث عن أي شيء قد يضر بسمعتكِ، أو يزعزع ثقة الأمير بكِ."
شعرت فاطمة بالخوف. لم تكن تتخيل أبدًا أن تكون جزءًا من مثل هذه الصراعات.
"هل تعتقد أن أميرنا سيصدق أي كلام يقال عني؟" سألت فاطمة، وعيناها تفيضان بالدموع.
"الأمير عبد الرحمن رجل حكيم، يا ابنتي. وهو يحبكِ. ولكن الخصوم ماكرون، وقد يجدون طريقة للتأثير عليه. لهذا السبب، أريدكِ أن تكوني مستعدة."
"مستعدة لأي شيء يا عم الحاج سالم."
"هل تعرفين شيئًا عن والدتكِ؟ هل كان هناك أي شيء غريب في قصة وفاتها؟"
ترددت فاطمة. "والدتي... لقد مرضت فجأة. ولم يستطع الأطباء إنقاذها. كان أبي حزينًا جدًا. لم يكن يتحدث عن تفاصيل كثيرة."
"هل لديكِ أي متعلقات تخصها؟ رسائل، صور، مجوهرات؟"
فكرت فاطمة. "لدي صندوق صغير احتفظت به. فيه بعض الأشياء القليلة التي وجدتها في غرفتها بعد وفاتها. لم أفتحه منذ زمن."
"أرجوكِ يا ابنتي، حاولي أن تجديه. قد يكون فيه مفتاح ما."
غادرت فاطمة سوق الأقمشة، وقلبها يعتصر من القلق. عادت إلى منزل والدها، وفتحت الصندوق القديم. كانت رائحة العطور القديمة تنبعث منه. وجدت فيه قليلًا من الملابس المطرزة، وقليلًا من الألعاب القديمة، ورسالة مختومة لم تفتح.
بحذر، فتحت فاطمة الرسالة. كانت مكتوبة بخط أنيق، ولكنه مليء بالعاطفة. بدأت تقرأ. كانت الرسالة من والدتها موجهة إليها.
"ابنتي الحبيبة فاطمة، إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني قد رحلت عن الدنيا، وتركتكِ وحيدة. لا تحزني يا صغيرتي، فإن حب أمكِ سيظل يحيط بكِ. أردت أن أخبركِ بسر، سر كنت أتمنى لو لم أضطر لقوله. أنتِ لستِ ابنة الحداد أحمد فقط. والدكِ الحقيقي هو رجل عظيم، ولكنه لا يستطيع أن يكون معكِ الآن. لقد اضطررت إلى تركه، لأحميكِ من خطر داهم. والدكِ الحقيقي هو... (توقفت الكلمات هنا، فكان السطر الذي يلي ذلك قد امحي بعلم، وكأن أحدهم حاول إتلافه). احتفظي بهذه الرسالة، وبالميدالية التي ستجدينها في جيب هذه الرسالة. إنها علامة تدل على نسبكِ. وعندما تكبرين، ستعرفين كل شيء. أحبكِ يا ابنتي. أمكِ المحبة."
ارتجفت يدا فاطمة وهي تبحث في جيب الرسالة. وجدت ميدالية ذهبية صغيرة، عليها نقش غريب، رمز لا تعرفه. نظرت إلى الخط الذي امحي في الرسالة. هل كان والدها الحقيقي ينتمي إلى عائلة ملكية؟ هل كان هذا هو السبب وراء سعادة الأمير بها؟
عادت فاطمة مسرعة إلى الحاج سالم، وهي تحمل الرسالة والميدالية.
"يا عم الحاج سالم، وجدت هذا!" قالت فاطمة، وصوتها يعلوه الشغف. "والدتي كانت تخفي سرًا. يبدو أن أبي الحقيقي ليس الحداد أحمد."
شعر الحاج سالم ببرودة تسري في جسده. لقد توقع شيئًا كهذا، ولكنه لم يكن يتخيل أن يكون بهذا القدر من الأهمية.
"هل يمكنكِ قراءة الاسم الذي مسحوه؟" سأل الحاج سالم، وهو ينظر إلى الرسالة.
"لا، لقد امحي تمامًا. ولكنني وجدت هذه الميدالية."
نظر الحاج سالم إلى الميدالية. كان يعرف هذا الرمز. لقد رآه من قبل، في كتب التاريخ، في نقوش قديمة. كان رمزًا يدل على سلالة عريقة، سلالة ملكية انقرضت منذ زمن بعيد، أو هكذا كان يعتقد.
"يا ابنتي، هذا الرمز... هذا يشير إلى نسب رفيع جدًا. نسب قد يكون أخطر مما كنا نظن."
"وماذا يعني هذا؟" سألت فاطمة، وبدأت تشعر بالضياع.
"يعني أن هناك من قد يحاول استخدامكِ، أو استغلالكِ، إذا علموا بهذا النسب. ويعني أيضًا أن الأميرة نورة قد تبحث عن هذا بالذات."
بدأت الصورة تتضح في ذهن الحاج سالم. لماذا كانت الأميرة نورة تريد منع زواج الأمير من فاطمة؟ ربما لم يكن الأمر مجرد غيرة، بل كان خوفًا من انكشاف سر قد يهدد مكانتها، أو مكانة عائلتها.
"يجب أن أخبر الأمير بهذا فورًا," قال الحاج سالم.
"لا!" صاحت فاطمة. "لا تخبره الآن. لا أريد أن أزعجه قبل الخطوبة. سأخبره بنفسي، عندما يكون الوقت مناسبًا."
"ولكن يا ابنتي..."
"أرجوك يا عم الحاج سالم. أريد أن أكون قوية. أريد أن أواجه هذا الأمر بنفسي. أريد أن أثبت للأمير أنني أستحق حبه، بغض النظر عن أي شيء."
نظر الحاج سالم إلى فاطمة، ورأى فيها قوة لم يكن يتوقعها. لقد كان لديه ثقة كاملة في الأمير، ولكنه كان قلقًا على فاطمة.
"حسناً يا ابنتي. ولكن كوني حذرة. وإذا احتجتِ لأي شيء، فلا تترددي في إخباري."
وفي تلك الليلة، بينما كانت فاطمة تستعد لخطوبتها، كانت تفكر في والدها الحقيقي، وفي سرها الكبير. كانت تدرك أنها تقف على أعتاب حياة جديدة، حياة مليئة بالحب، ولكنها أيضًا مليئة بالتحديات. لقد كان قلبها مليئًا بالأمل، ولكنها كانت تعلم أن خيوط الماضي بدأت تتكشف، وأن المعركة الحقيقية قد بدأت للتو.