الفصل 18 / 25

قلب الأمير

خيط العنكبوت المتلاشي

بقلم فاطمة النجار

كانت تلك الليلة تئن تحت وطأة السماء القاتمة، متوشحة بعباءة رمادية كأنها تعكس اضطراب الروح. في قصر الأمير "سيف الدين"، لم يكن الصمت هو سيد الموقف، بل كان صدى الخطوات المتسارعة في الممرات، وهمسات الأوامر العسكرية، ووميض المصابيح الذي يلقي بظلال متراقصة كأشباح قلقة. كان "سيف الدين" يقف أمام نافذة مكتبه الواسعة، يتأمل الغسق الذي يبتلع معالم المدينة، وقلبه يعتصره مزيج من القلق والغضب.

لقد بلغته الأخبار تباعاً، كالسهام المسمومة تخترق درعه الواقي. "نزار"، ذلك الذي اعتمد عليه يوماً، ووثق فيه حد العظم، قد انكشف أمره. لم يكن مجرد مستشار طموح، بل كان عميلاً سرياً يعمل لحساب مملكة "أرمانيا" المجاورة، تلك المملكة التي لم تترك فرصة إلا وانتظرتها لزعزعة استقرار "سيف الدين". لقد أرسل "نزار" معلومات حساسة عن تحركات الجيش، وعن خطط الدفاع، بل حتى عن تفاصيل المعاهدات السرية التي كانت تعقد. كل كلمة وكل همسة، كانت تباع بأثمن ما يمكن أن تباع به الأسرار.

"أين هو الآن؟" سأل "سيف الدين" بصوت أجش، وهو يلتفت إلى "بدران"، رئيس حراسه المخلص. كان "بدران" يقف بوقار، وإن كانت ملامح وجهه تنم عن الأسف. "لقد اختفى يا مولاي، كالدخان في الريح. قبل وصول رجالنا إليه بساعات، كان قد أعد خطة هروبه. لم نجد له أثراً."

اشتعل الغضب في عيني "سيف الدين". لقد لعب به "نزار" لعبة قذرة، مستغلاً ثقته وولاءه. الأهم من ذلك، أن تلك المعلومات التي سربت قد تضع المملكة بأكملها في خطر. كانت "أرمانيا" تتربص، وتنتظر أي ضعف ليقضي.

"هذا لن يمر هكذا!" زمجر "سيف الدين"، وقبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله. "ابحثوا عنه في كل زاوية. لا تدعوا شبراً من أرض هذه المملكة إلا وفُحص. أحضروا لي رأسه، أو أعينوه حياً لأحاكمه أمام الملأ."

أومأ "بدران" برأسه، ثم استدار ليخرج، لكن "سيف الدين" أوقفه. "انتظر. هل تأكدت من المعلومات؟ هل هناك أي شك؟" "لا يا مولاي. الأدلة قاطعة. رسائل مشفرة، ووكر سري في سوق المدينة القديمة، وشهادات ممن حاولوا التواصل معه."

كانت كل كلمة تنزل كالصاعقة. لقد كان "نزار" يتلاعب بالجميع، وبالأخص بـ "ريحانة". تذكر "سيف الدين" كيف كان "نزار" يقدم لها النصح، وكيف كان يبدو قلقاً على مستقبلها. هل كان كل ذلك تمثيلاً؟ هل كان يستغل عاطفتها البريئة ليحصل على معلومات؟

"ريحانة..." تمتم باسمها، وشعر ببرودة تسري في عروقه. لقد كانت الهدف، أو ربما كانت مجرد أداة. "هل تمكنتم من تأمينها؟ هل هي بأمان؟" "نعم يا مولاي. لقد وصل إليها رجالنا بعد أن لاحظنا بعض التحركات المشبوهة حول دارها. هي آمنة الآن، مع حراسة مشددة."

تنهد "سيف الدين" بارتياح نسبي. على الأقل، كانت "ريحانة" بعيدة عن شر "نزار". لكن قلبه ظل مثقلاً. لقد علم أن "نزار" كان يحاول إقناع "ريحانة" بالابتعاد عن القصر، وأن يوهمها بأنها في خطر. هل كان ذلك جزءاً من خطته ليبعدها عن متناول يد "سيف الدين"؟ هل كان يريد امتلاكها لنفسه، بعد أن خسر كل شيء؟

في هذه اللحظة، دخل أحد الحراس، وهو يلهث. "مولاي، وصل رسول من حدود الشمال. لديه أخبار عاجلة." جاءت الأخبار أشد قتامة. كانت "أرمانيا" قد حشدت جيوشها على الحدود، وفي ظل الارتباك الذي سببه تسريب المعلومات، كانت مستعدة للهجوم. لقد اختاروا التوقيت المناسب، تماماً كما توقع "سيف الدين".

"مستحيل!" صرخ "سيف الدين" وهو يضرب بقبضته على المكتب. "إنهم يهاجمون الآن؟ في هذه الظروف؟" كان يشعر بأن كل شيء يتفكك من حوله، كخيط عنكبوت يتلاشى في الهواء. ثقته، أمان مملكته، وحتى مستقبل علاقته بـ "ريحانة"، كل ذلك كان يتدلى من شعرة.

"ماذا نفعل يا مولاي؟" سأل "بدران" بترقب. نظر "سيف الدين" إلى الخارج، حيث انتشر الظلام ليغطي المدينة. كان عليه اتخاذ قرار حاسم. كان عليه أن يوحد صفوف جيشه، وأن يردع العدو. لكن كيف يمكنه ذلك وهو لا يعرف مدى الخيانة التي تغلغلت في بلاطه؟ هل كان هناك جواسيس آخرون؟ هل كان "نزار" قد ترك خلفه أثراً خفياً؟

"استدعوا قادة الجيش. أعلنوا حالة التأهب القصوى. جهزوا كل ما يلزم للدفاع. وعليكم أن تجلبوا لي "نزار". أعدكم، أنه لن يفلت من عقاب شديد."

كانت عيناه تلمعان بتصميم لا يتزعزع، لكن في أعماقه، كان الخوف يتسلل. لقد أدرك أن المعركة القادمة لم تكن فقط على حدود المملكة، بل كانت أيضاً معركة شرسة للحفاظ على ما تبقى من سمعته، وكرامته، وربما، قلبه. لقد وصل إلى نقطة اللاعودة.

*

في تلك الليلة نفسها، في جزء آخر من المدينة، كانت "ريحانة" تجلس في غرفة بسيطة، تشعر بخوف عميق يلفها. كانت تشعر بأن شيئاً فظيعاً قد حدث، وأن العالم الذي عرفته بدأ ينهار. لقد تلقت رسالة غامضة من "نزار" تطلب منها الاحتراس، وأن تبتعد عن القصر، وأن تنتظر منه معلومات لاحقاً. لكن تلك الرسالة، بدلاً من أن تطمئنها، زادتها قلقاً.

"لماذا يطلب مني أن أبتعد؟" كانت تسأل نفسها، وهي تعبث بخصلة من شعرها. "ما الذي يحدث؟" كانت تتذكر كلماته الأخيرة، كيف كان يبدو قلقاً عليها، وكيف كان يحذرها من بعض الأشخاص في القصر. هل كان يقول لها الحقيقة؟ أم كان يخدعها؟

فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً عند الباب. ارتجفت. هل كانوا رجال "نزار"؟ أم رجال "سيف الدين"؟ استيقظت الحارسة التي وضعت بجانبها، وأمسكت بسلاحها. فتحت "ريحانة" الباب بحذر. لم يكن أحداً. كان مجرد ظل طويل لغصن شجرة يتحرك مع الريح.

هدأ روعها قليلاً، لكن الشك ظل يراودها. لقد شعرت بأنها وحيدة، ومعزولة، ومحاطة بمخاطر لا تعرف مصدرها. هل كان "سيف الدين" قد غضب عليها؟ هل كان يعتقد أنها متورطة في شيء؟

"يارب، احمني." همست، ودموعها تتجمع في عينيها. لقد شعرت بأنها سقطت في دوامة من الأحداث، وأنها لم تعد قادرة على فهم ما يدور حولها. لم تكن تعلم أن الليلة التي بدأت بخوفها، ستتحول إلى بداية عاصفة ستجرف معها كل شيء، وتكشف عن حقائق صادمة، وتضع حياتها وحياة "سيف الدين" على المحك.

*

في الخيمة الملكية على الحدود الشمالية، كان القادة العسكريون في حالة تأهب قصوى. كان الجنرال "هيثم"، الرجل المعروف بشجاعته وحكمته، يتحدث مع "سيف الدين" عبر جهاز الاتصال. "مولاي، لقد عبرت طلائع جيش "أرمانيا" الحدود. عددهم يفوق المتوقع. يبدو أنهم يريدون مفاجأتنا." "وما هي خطتنا يا جنرال؟" سأل "سيف الدين" بصوت هادئ، لكنه كان يخفي تحته غضباً مكتوماً. "لقد أمرت بتعزيز المواقع الدفاعية. سنحاول صد الهجوم الأول، ومن ثم سننتظر وصول بقية الجيش. لكن الوضع خطير يا مولاي."

شعر "سيف الدين" بأن كتفيه تثقلان بحمل ثقيل. كانت هذه أول معركة حقيقية يخوضها وهو على عرش البلاد، وكانت البداية أسوأ مما كان يتخيل. "أعلم يا جنرال. كن قوياً. واثقاً. شعبنا لن يتخلى عنا." "نحن فداك يا مولاي."

أغلق "سيف الدين" الخط، وشعر باليأس يتسلل إليه. لقد كان "نزار" قد سلب منه ثقته، وضعف موقفه أمام عدوه. هل كان هناك أي أمل في النجاة؟ هل كان سيتمكن من هزيمة "أرمانيا" وهو في هذه الحالة؟ لقد أدرك أن هذه الليلة هي ليلة الحسم. ليلة ستحفر في تاريخ المملكة، ولن تمحى. لقد بدأت المعركة، وكان عليه أن يواجهها، مهما كانت التضحيات.

*

في مكان آخر، كان "نزار" يراقب الأحداث من بعيد. كان قد نجح في خطته، لكن قلبه لم يكن يشعر بالانتصار. كان ينظر إلى خريطة المملكة، وإلى تحركات الجيوش، ويتذكر وجه "ريحانة" البريء. "لماذا فعلت هذا؟" سأل نفسه بصوت خافت. لقد كان يعلم أن ما فعله قد يؤدي إلى حرب، وأن الكثير من الأبرياء سيموتون. لكنه لم يرَ أمام عينيه سوى هدفه. كان يعتقد أن "سيف الدين" لا يستحق "ريحانة"، وأن عليه أن يبتعد عنها.

لقد كان مجنوناً بحبها، لكنه لم يستطع الاعتراف بذلك. كان يخشى الرفض، ويخشى أن يجدها سعيدة مع "سيف الدين". لذلك، لجأ إلى هذه الطريق الملتوية، طريق الخيانة والأسرار.

"هل كنت سأجد السعادة لو فعلت ذلك؟" تساءل، وهو يشعر بمرارة في حلقه. لقد كان على وشك أن يرى مملكة "سيف الدين" تنهار، وأن يشهد حرباً طاحنة، كل ذلك ليحقق رغبته المريضة. لقد أصبح جزءاً من شبكة خيوط متقاطعة، وبات هو نفسه سجينها.

لقد وصل إلى نقطة اللاعودة. لم يكن هناك مجال للتراجع. كان عليه أن يواجه عواقب أفعاله، مهما كانت بشعة. كانت هذه الليلة هي ليلة الكشف، وليلة الحساب.

*

في قصر "سيف الدين"، وبينما كان الليل يزداد سواداً، كان "سيف الدين" يتلقى تقارير متلاحقة عن تحركات جيش "أرمانيا". كانت الأخبار سيئة، ومفزعة. لقد تمكن العدو من اختراق خطوط الدفاع الأولى في بعض المناطق.

"يا مولاي، إنهم يتقدمون بسرعة. نحتاج إلى دعم فوري." قال أحد القادة، وصوته يرتعش. شعر "سيف الدين" بأن قلبه قد توقف. لقد كان كل ما خشيه يحدث. لقد كان "نزار" قد أضر بمملكته أشد الضرر.

"لا يوجد دعم فوري يا جنرال." قال "سيف الدين" بصوت يائس. "كل جيوشنا في مواقعها. علينا أن نواجههم بما لدينا." "لكن يا مولاي..." "لا 'لكن'!" قاطعه "سيف الدين" بصرامة. "علينا أن نفعل ما بوسعنا. إنها معركة وطن. إنها معركة شرف."

كان يشعر بأن كل شيء قد ضاع. كان يشعر بأن خطأه في الثقة بـ "نزار" قد كلفه غالياً. لكنه لم يكن مستعداً للاستسلام. كان عليه أن يقاتل، حتى النهاية.

"سأخرج إلى الجبهة بنفسي." قال "سيف الدين" فجأة، وعيناه تلمعان بتصميم. "يا مولاي، هذا جنون!" صاح "بدران". "لا يمكننا أن نخاطر بك!" "إنها ليست مجرد معركة، يا بدران. إنها اختبار. اختبار لإيماني، ولإيمان شعبي."

كان يعلم أن هذه الخطوة قد تكون الأخيرة، لكنه كان مستعداً للتضحية بنفسه من أجل وطنه. لقد أدرك في هذه اللحظة أن الحب الحقيقي ليس فقط في الكلمات الرومانسية، بل هو أيضاً في التضحية، وفي القتال من أجل من تحب، ومن أجل ما تؤمن به.

لقد وصل إلى نقطة اللاعودة. كانت الأقدار تلعب لعبتها، وكان عليه أن يلعب دوره بشجاعة، مهما كانت العواقب. كانت تلك الليلة هي ليلة الحقيقة، وليلة المواجهة، وليلة العاصفة التي ستغير كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%