قلب الأمير
العاصفة والغدر
بقلم فاطمة النجار
كانت السماء تئن بآلاف البركات، كل منها يحمل في طياته وعداً بالدمار. لم يكن الليل مجرد ظلام، بل كان صرخة مدوية تتردد عبر المروج الشاسعة والوديان العميقة التي تحيط بالمملكة. في المخيم العسكري المرتجل على مشارف الحدود، حيث يتصاعد غبار المعركة ورائحة الخوف، كان الأمير "سيف الدين" يقف شامخاً، كأنه صخرة صامدة في وجه إعصار.
لقد وصل خبر الهجوم الشامل لجيش "أرمانيا" كنار انتشرت في الهشيم. لم تكن مجرد مناوشات حدودية، بل كانت غزواً منظماً، مستغلاً ضعفاً افتعلته الخيانة. كانت الأنباء المتلاحقة تصف دماراً واسعاً، وتقدماً سريعاً للعدو. استقبل "سيف الدين" نبأ سقوط بعض الحصون الصغيرة بصمت جليدي، بينما كانت عيناه تراقبان الأفق، كأنه يبحث عن بصيص أمل في بحر من اليأس.
"يا مولاي، لقد تجاوزوا الخط الدفاعي الأول. إنهم يتقدمون عبر سهول 'الأحلام'." قال الجنرال "هيثم"، وصوته يحمل نبرة قلق لم يعهدها فيه "سيف الدين" من قبل. "هل لدينا أي خطة بديلة؟" سأل "سيف الدين" بهدوء قاتل. "لقد حاولنا، يا مولاي. لكن الخيانة التي ضربت صفوفنا أدت إلى تعطيل خطوط الاتصال، وتشتيت القوات. إنهم يعرفون تحركاتنا أفضل مما نعرفها نحن."
كانت كلمة "الخيانة" كخنجر يغرس في قلب "سيف الدين". لقد طعنه "نزار"، الذي وثق فيه، في ظهره. طعنه في صميم ما كان يحميه.
"ابحثوا عن 'نزار'." قال "سيف الدين" بصوت أجش، وقد اختلط الغضب بالحزن. "أريد أن أعرف مكانه. أريد أن أعرف كيف تمكن من ذلك. لم يهرب بهذه السهولة."
"لقد بحثنا يا مولاي، لكن لا أثر له. بعض الشائعات تقول إنه شوهد متجهاً نحو حدود 'أرمانيا'." "مغتالاً." تمتم "سيف الدين". "لقد باع وطنه لعدوه."
فجأة، انقطع الاتصال. عاد الهدوء المطبق ليخيم على الخيمة، هدؤٌ أشد فتكاً من أي صراخ. نظر "سيف الدين" إلى "بدران"، رئيس حراسه. "لقد عزلونا. إنهم يريدون أن يمنعوا أي تواصل بيننا وبين بقية الجيش." "يبدو ذلك يا مولاي. لكننا لسنا وحدنا. جنودنا الذين بقوا معنا، لم يفقدوا إيمانهم بك."
في تلك اللحظة، دخل شاب من الجنود، وهو ملهث، وعيناه تعكسان الخوف. "يا مولاي، وصل إلينا خبر... من المدينة. لقد حدث شيء خطير." "ما هو؟" سأل "سيف الدين"، وشعر بقلبه يهبط.
"لقد هاجموا قصرك يا مولاي. تمكن بعض رجال 'نزار' من التسلل إلى الداخل. لقد حاولوا اختطاف الأميرة 'ريحانة'."
تجمّد الدم في عروق "سيف الدين". "ريحانة"! لقد كان يخشى دائماً على سلامتها. هل كانت بخير؟ "وماذا حدث؟" صرخ، وقد فقد هدوءه. "لقد تصدى لهم الحراس يا مولاي. وتمكنوا من الدفاع عنها. لكن... لكن في الفوضى، أصيبت بجروح."
كان الأمر أسوأ مما توقع. لم تكن "ريحانة" مجرد هدف، بل كانت في خطر مباشر، وجرحت. هل كان "نزار" يعلم بذلك؟ هل كان هو من دبر كل هذا؟
"علينا العودة إلى المدينة! الآن!" قال "سيف الدين"، وعيناه تشتعلان بالغضب. "لكن يا مولاي، جيش 'أرمانيا' قادم. لا يمكننا ترك الجبهة." قال الجنرال "هيثم" بتردد. "هذه الجبهة لم تعد مهمة بالنسبة لي الآن." قال "سيف الدين" ببرود. "سلامة 'ريحانة' هي أولويتي. وسوف أرى وجه 'نزار' الذي استهدفها."
شعر "بدران" بالأسف الشديد، لكنه لم يستطع أن يعترض. لقد رأى مدى الألم الذي سببه خبر إصابة "ريحانة" لـ "سيف الدين". "سوف نجهز لك خيلاً يا مولاي." قال "بدران" بجدية. "وسنرافقك." "لا. فقط أنت يا بدران، وبعض من رجالك الموثوقين. لا أريد إحداث جلبة. أريد أن أصل بهدوء."
*
في قصر "سيف الدين"، الذي أصبح الآن مسرحاً للفوضى والدمار، كانت "ريحانة" تستلقي على فراشها، تشعر بالألم يمزق جسدها. كانت قد فقدت الوعي لفترة، واستيقظت لتجد نفسها محاطة بالأطباء، وبالحراس المكلفين بحمايتها.
"هل... هل الأمير بخير؟" سألت بصوت ضعيف. "الأمير بخير، يا سمو الأميرة." أجابها الطبيب، وهو يضع ضمادة على جرحها. "لقد صمد أمام هجوم العدو. لكنه يواجه معركة شرسة."
كانت "ريحانة" تشعر بالذنب. كانت تعرف أن كل ما حدث له، له علاقة بها. "نزار" كان يريد إبعادها عن "سيف الدين"، وها هي الآن تجرح بسبب هذا الخلاف.
"من فعل ذلك؟" سألت، وهي تتذكر وجوه الرجال الذين هاجموها. "كانوا رجالاً مأجورين، يا سمو الأميرة. ويعتقد أنهم على صلة بـ 'نزار'." "نزار!" صرخت "ريحانة"، وكأن الألم الذي شعرت به في جسدها قد انتقل إلى روحها. لقد كان رجلاً بارعاً في التمثيل، وفي الكذب.
"هل... هل الأمير سيف الدين يعلم أنني أصبت؟" "لقد علم، سمو الأميرة. وهو في طريقه إليك."
شعرت "ريحانة" ببعض الراحة، لكن القلق ظل يغمرها. هل سيغضب منها؟ هل سيعتقد أنها هي السبب في كل هذا؟ "أريد أن أراه." قالت، وهي تحاول الجلوس. "لا يمكنك يا سمو الأميرة. يجب أن ترتاحي."
كانت تشعر بأن حياتها تتغير بسرعة، وأن كل ما كانت تعتقد أنه صحيح، قد تحول إلى كذبة. "نزار" الذي كانت تثق به، قد خانها. و"سيف الدين" الذي كانت تخشاه، هو الوحيد الذي يسعى لحمايتها.
*
في الطريق إلى المدينة، كان "سيف الدين" يقود جواده بسرعة فائقة. كان قلبه ينبض بالخوف والقلق. كانت صورته لـ "ريحانة" تتغير باستمرار. أحياناً يراها قوية وصامدة، وأحياناً يراها ضعيفة ومصابة.
"هل سأتمكن من حمايتها؟" سأل نفسه. "هل سأتمكن من إنقاذها من هذا الجحيم الذي صنعناه؟" كان يدرك أن "نزار" قد زرع بذرة الشك بينه وبين "ريحانة"، وأن هذه الحادثة قد تكون سبباً في مزيد من البعد.
"لا." قال لنفسه بحزم. "لن أسمح بذلك. سأكشف كل شيء. سأكشف غدر 'نزار'، وسأبين لـ 'ريحانة' أن قلبي لها وحدها."
وصل "سيف الدين" إلى بوابات القصر، حيث وجد الحراسة مشددة. دخل بخفة، وهو يسأل عن مكان "ريحانة". "إنها في جناحها، يا مولاي. لقد كانت في حالة حرجة." قال أحد الحراس، وهو يظهر احتراماً واضحاً.
صعد "سيف الدين" الدرج بسرعة، قلبه يدق بعنف. وصل إلى باب جناح "ريحانة"، وتردد للحظة. هل كان مستعداً لما سيراه؟ هل كانت "ريحانة" مستعدة لرؤيته؟
*
في جناح "ريحانة"، كانت قد استقرت حالتها، وبدأت تشعر ببعض القوة. كانت تفكر في "سيف الدين"، في مدى خوفها منه، وفي مدى حبها له.
"هل سيأتي؟" سألت الحارسة المخلصة. "نعم، سمو الأميرة. لقد سمعت أنه قادم."
ابتسمت "ريحانة" ابتسامة خافتة. كان هذا كل ما تريده. أن تراه، وأن تطمئن قلبه.
وفجأة، فتح الباب. دخل "سيف الدين"، ورآها. "ريحانة!" صرخ، وقد امتلأت عيناه بالدموع.
ركضت "ريحانة" نحوه، على الرغم من الألم. احتضنته بقوة، وكأنهما لم يريا بعضهما منذ دهر. "أنت بخير!" همست، وهي تبكي. "أنتِ من يجب أن تقولي ذلك." قال "سيف الدين"، وهو يمسح دموعها. "لقد خفت عليكِ كثيراً."
نظر كل منهما إلى الآخر، وشعرا بأن كل الأسرار، وكل الخيانة، وكل المعارك، تتلاشى أمام حبهما. لقد كانت تلك اللحظة، لحظة الكشف، ولحظة الحقيقة. لحظة انتصار الحب على كل ما حاول تفريقه.
لكن "سيف الدين" كان يعلم أن المعركة لم تنتهِ. لقد كان "نزار" لا يزال طليقاً، وكانت المملكة تواجه حرباً. لكنه كان يعلم أيضاً أن لديه الآن شيئاً يقاتل من أجله، شيئاً يمنحه القوة. كان لديه "ريحانة".