الفصل 2 / 25

قلب الأمير

همسات الماضي في قصر الذكريات

بقلم فاطمة النجار

كان الصمت الذي خيّم على الغرفة أثقل من الكلمات. كلٌ منهما يراقب الآخر، يقرأ ملامح وجهه، ويحاول فهم دوافعه. كان الأمير خالد يشعر بشيءٍ غريبٍ يتسلل إلى قلبه. لم يكن لقاءً عادياً، بل كان أشبه بعاصفةٍ لطيفةٍ هبّت على حياته الهادئة. مريم، هذه الفتاة التي ظهرت من العدم، تحمل في عينيها سرّاً، وفي هدوئها قوةً غامضة.

"إذاً، أنتِ ضيفةٌ لجدتي، الملكة الأم." قال خالد أخيراً، متجاوزاً صمت الفضول. "لم تخبرني شيئاً عن وصولك. أنا مسؤولٌ عن أمن القصر، ولم أُبلغ بهذا الأمر."

لم يكن كلامه اتهاماً، بل مجرد استيضاحٍ منطقي. لكن نبرة صوته حملت نبرةً من الاهتمام، لم يكن يقصدها.

ابتسمت مريم ابتسامةً خفيفة، بدت وكأنها تخفي خلفها الكثير. "أعتذر عن ذلك. طلبت جدتي الكريمة أن يكون الأمر مفاجأةً لكم. قالت إنها تريد رؤية ردة فعلك عندما تراني. وأظن أنني حققت لها ذلك."

"مفاجأة؟" تكرر خالد الكلمة، وهو يفكّر في جدته. كانت حكيمةً، لكنها كانت أيضاً تحب الألعاب والتحديات. "جدتي تحب المفاجآت، هذا صحيح. لكنني ما زلت أتساءل عن سبب هذا اللقاء في وقتٍ متأخرٍ كهذا."

"لم يكن هناك سببٌ محددٌ سوى رغبة جدتك في رؤيتي." أجابت مريم، وعيناها ما زالت تحملان بعض الحذر. "وقد أردتُ أن أقضي بعض الوقت وحدي، لأتأمل وأقرأ. هذا الكتاب هو هديةٌ منها لي."

أشار خالد بإصبعه إلى الكتاب الذي ما زال على الطاولة. "ما هو هذا الكتاب؟"

"إنه مجموعةٌ من أشعار المتنبي." أجابت مريم، وعادت لمعةٌ من الحماس إلى عينيها. "جدتك تعرف شغفي بالشعر، فقدمت لي هذه النسخة المذهبة."

"المتنبي؟" رفع خالد حاجبيه. "اختيارٌ رائع. جدتي دائماً ما كانت لديها ذوقٌ رفيعٌ في الأدب."

"نعم." وافقت مريم، وشعورٌ بالألفة بدأ يتسلل إلى صوتها. "إنها سيدةٌ فريدةٌ من نوعها. تحدثت معي كثيراً عن تاريخ هذا القصر، وعن عائلتكم. وعن دوركم في هذه البلاد."

"وهل وجدتِ كل هذا مثيراً للاهتمام؟" سأل خالد، يشعر بفخرٍ غير متوقع.

"بالتأكيد." قالت مريم بصدق. "أحب أن أتعلم عن التاريخ، وعن الأبطال. إن القصص التي روتها لي جدتك عنكم، وعن صراعاتكم، وعن حكمة حكمكم، كل هذا يثير الإعجاب."

بدأ خالد يشعر بشيءٍ من الراحة. لم تكن مريم فتاةً عادية، بل كانت ذات وعيٍ عميقٍ وثقافةٍ غنية. كانت كلماتها تلامس وتره حساساً في قلبه.

"لكنني لم أفهم تماماً لماذا أنتِ هنا، يا مريم." قال خالد، وهو يعود إلى نقطة البداية. "لم تذكري لي شيئاً عن أصلك، أو سبب وجودك كضيفةٍ لجدتي."

نظرت مريم إلى الأسفل، ثم رفعت رأسها بنظرةٍ تحمل بعض الحزن. "أنا.. أنا يتيمة، يا أمير. فقدت والديّ وأنا صغيرة. وقد تولت جدتك رعايتي، لأنها كانت تعرف والدتي. كنت أعيش معها في بيتٍ خاص، وهي ترى فيّ ابنةً لها."

"يتيمة؟" كرّر خالد، وشعر ببعض الشجن. "وماذا عن عائلتك؟ هل لديكِ أقارب آخرون؟"

"لا." أجابت بصوتٍ خافت. "جدتي هي كل عائلتي. وقد أرادت أن تعرفني على قصركم، وتُعرّفني على العائلة الملكية، قبل أن تقرر ما هو أفضل لي."

"تقرر ما هو أفضل لك؟" سأل خالد، وهو يشعر بتشوشٍ متزايد.

"نعم." قالت مريم، وعادت ابتسامتها الخفيفة. "جدتك، بطريقتها الخاصة، تحاول أن ترتب لي مستقبلي."

"ترتب مستقبلك؟" سأل خالد، وهو يشعر بأن القصة تتكشف أمامه بطريقةٍ غريبة. "وما هو المستقبل الذي ترتبه لكِ؟"

ترددت مريم قليلاً، ثم قالت بصوتٍ واضح: "لقد تحدثت معي جدتك عنك، يا أمير خالد."

تجمد خالد. لم يكن يتوقع هذا. كان يعلم أن جدته تحبه، وأنها ترغب في رؤيته سعيداً، لكنه لم يكن يتوقع أن تتعدى اهتماماتها لترتيب مستقبله العاطفي والزواج.

"عني؟" سأل، وشعورٌ بالترقب بدأ يملأ المكان.

"نعم." أكدت مريم، وعيناها تلتقيان بعينيه. "لقد قالت إنها ترى فيّ الفتاة المناسبة لك. امرأةٌ ذات أخلاقٍ كريمة، وروحٍ نقية، وعقلٍ راجح. وقالت إنها تثق في اختياري."

كانت كلمات مريم صاعقة. لم يكن خالد قد فكر في الزواج بهذه الطريقة. كان يضع كل تركيزه على مسؤولياته كأمير، وعلى الحفاظ على أمن البلاد. لكن فكرة الزواج كانت موجودةً في عقله، كامنةً، تنتظر الفرصة المناسبة.

"جدتي... مثيرةٌ للإعجاب حقاً." قال خالد، وهو يحاول استيعاب ما قاله. "إنها تفكر بعيداً."

"إنها تحبك كثيراً." قالت مريم، وعيناها تحملان دفئاً وصدقاً. "وتحب أن ترى العائلة مستقرة وسعيدة."

"وهل أنتِ... مستعدةٌ لهذا؟" سأل خالد، وكان يشعر بأن قلبه يخفق بقوة.

نظرت مريم إليه، وكانت هناك نظرةٌ فيها مزيجٌ من الخجل والفضول. "أنا.. أنا لم أفكر في هذا الأمر بهذه الطريقة من قبل. لكنني أؤمن بأن اختيار جدتي صائب. وقد تحدثت معي عنك، وعن صفاتك. إنها ترى فيك الرجل الذي يمكنني أن أثق به."

"وتثقين أنتِ في اختيارها؟" سأل خالد، وهو يراقب ردة فعلها.

"أثق في حكمتها." أجابت مريم. "وقد تحدثت معي عن عاداتكم وتقاليدكم، وعن الدين، وعن القيم. كل ما قالته جعلني أشعر بالراحة والطمأنينة."

لم يكن خالد قد شعر بمثل هذا الاهتمام المفاجئ. كان دائماً يعتقد أن الزواج سيكون قراراً عائلياً، لكنه لم يكن يتوقع أن يأتي بهذه الطريقة، وعن طريق جدته، ومن خلال امرأةٍ لم يرها إلا قبل لحظات.

"إذاً، أنتِ هنا... لمقابلتي؟" سأل.

"لمقابلتك، وإذا سمح الله، لتقييم ما إذا كانت جدتي على حق." قالت مريم، وعادت الابتسامة إلى وجهها. "لقد وضعتني أمام اختبارٍ بسيط، وهو أن أرى ما إذا كان الأمير خالد يمتلك الصفات التي وصفتها جدتي. وأنا الآن أرى... أن هناك شيئاً يستحق الاستكشاف."

كانت عينا خالد تلتقيان بعينيها، وفي تلك النظرة، كان هناك تفاهمٌ جديدٌ يتكون. لم تكن مجرد ضيفة، ولم تكن مجرد ترتيبٍ عائلي. كانت امرأةً تثير فضوله، وتستدعي في قلبه مشاعر لم يكن يتوقعها.

"مرحباً بكِ في قصري، يا مريم." قال خالد، بابتسامةٍ صادقة. "وأرجو أن يكون لقاؤنا هذا بدايةً لحكايةٍ تليق بالقيم التي نتشاركها."

شعرت مريم بالارتياح، وأومأت برأسها. "شكراً لك، يا أمير خالد. أرجو أن أكون عند حسن ظنك."

كانت تلك اللحظة، بعد ساعاتٍ من الصمت والترقب، بدايةً لرحلةٍ مشتركة. رحلةٌ ستكشف عن أعماقٍ جديدة، وعن مشاعرٍ كانت مدفونة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%