قلب الأمير
الاعتراف والتحذير
بقلم فاطمة النجار
ارتعش جناح "ريحانة" للحظات، ليس بفعل الريح، بل بفعل قوة المشاعر التي اجتاحت المكان. احتضان "سيف الدين" لـ "ريحانة" لم يكن مجرد لقاء بعد غياب، بل كان إعلاناً صامتاً عن قلبين وجدا طريقهما وسط عاصفة من الخيانة والمخاطر. دموع "ريحانة" التي انهمرت على كتف "سيف الدين" لم تكن دموع ضعف، بل دموع اطمئنان، وامتنان، وحب أزهر أخيراً بعد طول انتظار.
"لقد خفت عليكِ كثيراً يا ريحانة." قال "سيف الدين"، وصوته يكاد يكون همساً، يرتعش من فرط العاطفة. "فكرة أنكِ قد أصبتِ... كانت أقسى من أي خبر وصلني عن المعركة."
أمسك "سيف الدين" بوجه "ريحانة" بين يديه، ونظر في عينيها التي كانت لا تزال تتلألأ بدموع مختلطة بفرحة اللقاء. "كيف حالكِ؟ هل الألم شديد؟"
"لا شيء يؤلم بجانب رؤيتك بأمان." أجابت "ريحانة"، وصوتها لا يزال ضعيفاً، لكنه يحمل ثقلاً جديداً من الصدق. "لقد كنت خائفة جداً. خائفة منك، وخائفة على الجميع."
"أنا آسف يا ريحانة." قال "سيف الدين"، وعيناه تلمعان بأسف حقيقي. "آسف لأنني لم أستطع حمايتكِ كما ينبغي. آسف لأن خيانتي أنا... أو خيانة من وثقت بهم، قد وضعتكِ في هذا الموقف."
"لا لوم عليك يا سيف الدين." قالت "ريحانة"، وهي تضع يدها على خده. "لقد كنت ضحية أيضاً. ضحية لتمثيل 'نزار'، ولغروره. لم أكن أعلم أن قلبه كان بهذا السواد."
"نزار." تكرر "سيف الدين" الاسم، وكأنه يذوق مرارته. "لقد دمر كل شيء. بث الفتنة، وسرب الأسرار، والآن، استهدف أغلى ما لدي."
"لماذا فعل ذلك؟" سألت "ريحانة" ببراءة، وهي لا تزال غير قادرة على فهم دوافع "نزار" الحقيقية. "أعتقد أنه كان مدفوعاً بالغيرة، وبالشعور بالدونية. ربما أراد أن ينتقم مني، أو أن يبعدكِ عني. لكنه لم يدرك أن غدره هذا سيجعل حبنا أقوى."
"هل... هل أنت متأكد أن حبك لي؟" سألت "ريحانة" بتردد، وعينيها تبحثان عن تأكيد في عينيه. "أقسم لكِ يا ريحانة، أن قلبي لم يعرف الحب الحقيقي إلا عندما عرفتكِ. كنتِ شعلة أمل في ظلام حياتي. وها أنتِ الآن، دليل على أن هذا الحب يستحق القتال من أجله."
في تلك اللحظة، دخل "بدران" إلى الجناح، بصمت واحترام. رأى المشهد، وعلم أن ما كان يخافه قد حدث، ولكنه كان خوفاً إيجابياً. "يا مولاي." قال "بدران" بصوت خفيض. "لقد عادت طلائع جيش 'أرمانيا' للتقدم. يبدو أنهم يعتقدون أننا قد تشتتنا."
عبس "سيف الدين" قليلاً، لكنه لم يفقد رباطة جأشه. "وماذا عن 'نزار'؟ هل هناك أي أخبار عنه؟" "لا يا مولاي. اختفى أثره تماماً. لكننا حصلنا على معلومة من أحد جواسيسنا في 'أرمانيا'. يبدو أن 'نزار' قد حاول التواصل مع قيادة الجيش الأرماني، مقدماً لهم معلومات إضافية عن نقاط ضعف في دفاعاتنا."
"كاذب!" قال "سيف الدين" بغضب. "إنه يبيع وطنه بأبخس الأثمان. لكنه سيدفع الثمن غالياً." "ولكن يا مولاي، إذا كان 'نزار' يتآمر مع 'أرمانيا'، فهذا يعني أنهم يعرفون شيئاً عن خططنا. علينا أن نكون حذرين جداً."
"لا تقلق يا بدران." قال "سيف الدين"، وهو يمسح دموع "ريحانة" بلطف. "سنكون أكثر حذراً. سأواجه 'نزار'، وسأواجه 'أرمانيا'." "لكن كيف يا مولاي؟ جيش 'أرمانيا' يفوق جيشنا عدداً، و'نزار' يعرف تحركاتنا."
"لدينا شيء لا يملكه 'نزار'." قال "سيف الدين" وهو ينظر إلى "ريحانة". "لدينا إيمان. ولدينا حب. وهذه أقوى الأسلحة."
"يا مولاي، هناك أمر آخر. لقد وصلتني رسالة من 'نزار' قبل قليل. لم تكن مشفرة. لقد كان يريد مني أن أسلمها لك."
"أعطني إياها." قال "سيف الدين"، وهو يأخذ الورقة من "بدران". كانت بخط "نزار" الأنيق، الذي كان يظن أنه يمثل الثقة.
قرأ "سيف الدين" الرسالة بصوت عالٍ: "إلى الأمير 'سيف الدين'، أعلم أنك غاضب. وأعلم أنك تبحث عني. لكن لا تخف، فلن أهرب. بل سأواجهك. لكن ليس هنا، وليس الآن. لقد جعلتك تصل إلى 'ريحانة' لتتأكد أنني لا أريد أذيتها. كل ما أريده هو أن تعود 'ريحانة' إلي. وأن تتخلى عن عرشك. فأنا أعلم أن قلبك ليس له. أعلم أن قلبك متعلق بـ 'ريحانة'، وأنها لن تكون لك أبداً. إذا أردت سلامة 'ريحانة'، ومنع المزيد من الدمار، سلمني مقاليد الحكم، واترك 'ريحانة' لي. وإلا، فستعرف أنني لا أمزح. 'نزار'."
صمت "سيف الدين" للحظة، ثم ضحك ضحكة قوية، مريرة. "هل تسمعين يا ريحانة؟ هل تسمعين هذا الغرور؟ يظن أنه يمكنه ابتزازي؟ يظن أنني سأستسلم له؟" "إنه مجنون." قالت "ريحانة" بصوت مرتجف. "لا تستمع إليه يا سيف الدين."
"لم أكن لأفعل ذلك أبداً." قال "سيف الدين" بحزم. "لن أسمح له بأن يهددكِ، أو يهدد مملكتي. سأذهب إليه. وسأنهي هذا الأمر." "لا يا مولاي!" صرخت "ريحانة". "لا تذهب إليه وحدك! إنه خطر!" "أنا أعلم، يا ريحانة. لكن لا يوجد حل آخر. يجب أن أواجهه. يجب أن أثبت له أن قلبي لكِ، وأن عرشي لي."
"سوف آتي معك." قالت "ريحانة" بحزم، رغم ضعفها. "لا، هذا مستحيل." قال "سيف الدين". "أنتِ لا تزالين بحاجة إلى الراحة. ثم، لا يمكنني أن أخاطر بكِ مرة أخرى." "لكن..." "لا 'لكن'." قاطعها "سيف الدين". "هذه معركتي. وأنا سأخوضها. لكنني أعدكِ، أنني سأعود إليكِ."
نظر "بدران" إلى "سيف الدين" بترقب. "متى تنوي الذهاب يا مولاي؟" "الآن." قال "سيف الدين". "كل دقيقة تمر، قد تزيد من خطر 'ريحانة'، وتزيد من قوة 'أرمانيا'."
*
في مكان آخر، كان "نزار" يشاهد الأخبار القادمة من الحدود. كانت التقارير مشجعة، فالجيش الأرماني يتقدم، ويبدو أن مملكة "سيف الدين" في حالة يرثى لها. كان يرتدي ملابس مهلهلة، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق القوة والانتقام.
"سوف ترى يا 'سيف الدين'." تمتم. "سوف ترى من هو 'نزار' الحقيقي. لقد كنت دائماً خلف الكواليس، أدير اللعبة. والآن، سأخرج إلى النور."
كان ينتظر رد "سيف الدين" على رسالته. كان واثقاً من أنه سيختار سلامة "ريحانة" على عرشه. كان يرى في "ريحانة" مجرد أداة للوصول إلى هدفه. كان يعتقد أنه يحبها، لكن حبه كان مشوهاً، مليئاً بالأنانية والسيطرة.
"عندما أحصل عليها، سوف أثبت للعالم كله أنني الأفضل." قال لنفسه، وهو يبتسم ابتسامة ماكرة. "هل أنت مستعد، يا 'نزار'؟" سأل صوت غامض من الظلال. التفت "نزار" ليجد رجلاً طويل القامة، يرتدي ملابس داكنة.
"من أنت؟" سأل "نزار" بقلق. "أنا مجرد شخص يراقب الألعاب القذرة." قال الرجل بابتسامة باردة. "ولقد أزعجني الكثير من دماء الأبرياء التي سالت بسببك."
"لا شأن لك بذلك." قال "نزار" بتحدٍ. "بل شأن لي. لأنني أؤمن بالعدل. وأعلم أن 'سيف الدين' لم يرتكب أي ذنب يستحق كل هذه المعاناة."
"وكيف عرفت كل هذا؟" سأل "نزار" بقلق متزايد. "هناك من يراقب كل شيء. وهناك من لا يحب رؤية الأشرار ينتصرون."
ارتعش "نزار" قليلاً. لقد شعر بأن خططه قد بدأت تتعثر، وأن هناك قوة خفية تعارضه. "ماذا تريد؟" سأل. "العدل." قال الرجل. "وسوف أحصل عليه. سواء كان ذلك بيدك، أو بيد 'سيف الدين'."
شعر "نزار" بالخوف يتسلل إلى قلبه. لقد أدرك أن معركته لم تكن فقط مع "سيف الدين"، بل مع قوى أكبر منه. لقد شعر بأن شبكة خيوط العنكبوت التي نسجها، بدأت تنفلت من بين يديه.
*
في قصر "سيف الدين"، كانت "ريحانة" تشعر بالقلق على "سيف الدين". لقد وعدها بالعودة، لكنها كانت تعرف المخاطر التي سيواجهها. "يجب أن أذهب معه." قالت "بدران"، وهي تحاول الوقوف. "لا يا سمو الأميرة. وعد الأمير." قال "بدران" بلطف. "سوف يعود، إن شاء الله."
"لكن كيف سأنتظر؟" قالت "ريحانة"، وهي تنظر إلى الباب. "قلبي معه." "إيمانك به هو ما سيحميه، يا سمو الأميرة. أدعي له. ادعي له أن يعود سالماً."
نظرت "ريحانة" إلى السماء، ورفعت يديها بالدعاء. كان قلبها ينبض بقوة، مزيجاً من الحب والخوف. كانت تلك اللحظة، لحظة التحول. لحظة الاعتراف بالحب، ولحظة الوعي بالمخاطر. لحظة انتصار الأمل على اليأس، ولحظة بداية المواجهة الحاسمة.