الفصل 4 / 25

قلب الأمير

أشباح الماضي وحلم المستقبل

بقلم فاطمة النجار

عاد الأمير خالد إلى غرفته، والنجوم لا تزال تتلألأ في السماء الصحراوية الصافية. لم يكن بالإمكان النوم بسهولة. كانت صورته مريم تتبادر إلى ذهنه باستمرار، كلماتها، نظراتها، وهدوءها الذي يخفي قوةً كبيرة. لم يكن قد شعر بهذا الانجذاب تجاه أي امرأةٍ من قبل، حتى تلك اللذين عُرضن عليه كزوجاتٍ محتملاتٍ في مناسباتٍ سابقة. كانت مريم مختلفة. كانت كالنسمة العليلة التي هبّت على حياته المنظمة، لتزرع فيها بذوراً من المشاعر الجديدة.

لكن مع هذا الشعور الجديد، كانت هناك أشباحٌ قديمةٌ تتسلل إلى عقله. أشباحُ الماضي. كان يعرف أن هذا الزواج، إذا تم، لن يكون مجرد علاقةٍ بين رجلٍ وامرأة. سيكون زواجاً سياسياً واجتماعياً، يربط بين عائلته وعائلة جدته. وكان يعرف أن بعض الأطراف في البلاط لن يكونوا سعداء بهذا التقارب.

تذكر الليلة التي سبقت هذه الليلة، عندما كان يتدرب في الساحة. كان قد شعر بأن هناك من يراقبه. لم يكن مجرد شعورٍ بالوحدة، بل كان إحساساً بالخطر. هل يمكن أن يكون لهذه المفاجأة علاقةٌ بأعداءٍ قدامى؟ هل يمكن أن يكون وصول مريم إلى القصر استغلالاً لضعفٍ معين، أو فرصةً للانقضاض؟

تنهد خالد. كان دائماً ما يحاول أن يتجنب التفكير في المؤامرات، لكن دوره كأميرٍ يجعله عرضةً لها. كان يضع ثقته الكاملة في جدته، لكنه كان يعلم أيضاً أنها ليست بمنأى عن الصراعات.

في صباح اليوم التالي، لم ينتظر خالد حتى تأتي جدته. ذهب بنفسه إلى جناحها، حيث كانت تحتسي قهوتها الصباحية، برفقة عددٍ قليلٍ من وصيفاتها.

"صباح الخير، جدتي." قال خالد، وهو يقبّل يدها.

ابتسمت الملكة الأم ابتسامةً دافئة. "صباح النور يا بني. كيف كانت ليلتك؟"

"كانت ليلةً غير متوقعة." أجاب خالد، وهو يراقب ردة فعلها.

رفعت الملكة الأم حاجبيها قليلاً. "وما الذي جعلها غير متوقعة؟"

"لقاؤها بمريم." قال خالد بصراحة. "لم أكن أعلم بقدومها. وأظن أنكِ حاولتِ أن تفاجئيني."

"بالتأكيد." قالت الملكة الأم. "وأظن أن مفاجأتي نجحت."

"نجحت، ولكنها جلبت معها الكثير من الأسئلة." قال خالد. "من هي مريم بالضبط؟ وما هي قصتها؟ ولماذا أنتِ متحمسةٌ لهذه الدرجة لزواجنا؟"

تنفست الملكة الأم بعمق، ثم قالت: "مريم هي ابنةُ صديقةٍ عزيزةٍ جداً لي، كانت شريكة حياتي في أوقاتٍ صعبة. وقد وعدتها قبل وفاتها أن أرعى ابنتها. مريم فتاةٌ صالحة، متعلمة، وذات قلبٍ طيب. وقد رأيتُ فيها ما يجعلها شريكةً مناسبةً لك، يا خالد."

"لكنها غريبةٌ عن محيطنا، يا جدتي." قال خالد، وهو يشعر بقلقٍ متزايد. "ووصولها بهذه الطريقة، في هذا الوقت، قد يثير تساؤلاتٍ لدى البعض. هل أنتِ متأكدةٌ من أن كل شيءٍ على ما يرام؟"

"اطمئن يا بني." طمأنت الملكة الأم. "ليس هناك ما يدعو للقلق. مريم ليست دخيلة، بل هي جزءٌ من الماضي. أما بالنسبة لزواجكما، فأنا أرى فيه مصلحةً للعائلة، ومستقبلاً مستقراً لك. أنتَ بحاجةٍ إلى زوجةٍ تقف إلى جانبك، وتدعمك في مسؤولياتك. ومريم هي تلك المرأة."

"ولكنني لم ألتقِ بها إلا بالأمس." قال خالد. "وأنا أريد أن أتأكد من أن قلبي وعقلي راضيان بهذا الأمر. لا أريد أن يكون زواجاً تقليدياً، خالياً من المشاعر."

"ومريم؟ هل تشعر بأن قلبك وعقلك معها؟" سألت الملكة الأم، بنبرةٍ تحمل شيئاً من التحدي.

توقف خالد. هل كان يشعر بذلك؟ كان يشعر بالانجذاب، بالفضول، بالاحترام. لكن هل هو حب؟ هل هو استعدادٌ لتكوين أسرة؟

"أشعر بشيءٍ غريب، يا جدتي." اعترف. "انجذابٌ لم أعهده من قبل. ولكنني ما زلت في بداية الطريق. أحتاج إلى وقتٍ لأفهم هذه المشاعر."

"الوقت هو كل ما تحتاجه." قالت الملكة الأم. "ولكن لا تتأخر كثيراً. فبعض الفرص لا تتكرر."

ترك خالد جدته، وهو يحمل عبئاً جديداً من التفكير. كان عليه أن يتعامل مع مشاعره المتضاربة، ومع التحديات السياسية المحتملة، ومع رؤية جدته لعلاقةٍ ربما لم تكن مبنيةً على أسسٍ عاطفيةٍ خالصة.

في الأيام التالية، بدأت لقاءات خالد ومريم تتكثف، ولكن بطريقةٍ منظمةٍ ومحتشمة. كانا يلتقيان في قاعاتٍ عامة، أو في الحدائق، تحت إشرافٍ من وصيفات الملكة الأم. كان كل لقاءٍ يكشف عن جانبٍ جديدٍ من شخصيتهما.

كان خالد يلاحظ دائمًا أن مريم تبدو واعيةً جداً بمحيطها. كانت تراقب الناس، وتستمع إلى الأحاديث، وتدرك التغيرات الدقيقة في الأجواء. كان يشعر بأنها ليست مجرد فتاةٍ جميلة، بل هي ذات بصيرةٍ ثاقبة.

في أحد الأيام، بينما كانا يمشيان في الحديقة، رآها تتوقف فجأةً، تنظر إلى بقعةٍ معينةٍ في الأرض.

"ماذا بكِ يا مريم؟" سأل خالد.

"هنا." قالت بصوتٍ منخفض. "كانت هناك زهرةٌ نادرةٌ تنمو هنا، لم أرها منذ فترة."

"زهرةٌ نادرة؟" سأل خالد، مستغرباً.

"نعم. كانت جدتي قد أخبرتني عنها. كانت تتفتح فقط في الليل، وتفوح منها رائحةٌ قويةٌ جداً. ولكن لم أرها تتفتح منذ سنوات."

نظر خالد إلى المكان. كان مجرد قطعةٍ أرضٍ عادية. لم يلاحظ أي شيءٍ مميز.

"ربما تم اقتلاعها، أو اختفت." قال.

"ربما." قالت مريم، وعادت إلى المشي. لكن خالد شعر بأن هناك شيئاً في نظرتها كان أكثر من مجرد ملاحظةٍ عن زهرة.

كان يشعر بأن مريم تحمل ماضياً غنياً، ربما أكثر مما أظهرت. كانت حكاياتها عن المدن القديمة، وشغفها بالشعر، ووعيها المحيط بها، كل هذا كان يشير إلى أنها ليست مجرد ضيفةٍ بريئة.

ذات يوم، بينما كانا يتناقشان حول مسألةٍ تتعلق بالزراعة، قالت مريم: "أتذكر أنني قرأت في كتابٍ قديمٍ عن تقنياتٍ زراعيةٍ مشابهةٍ استخدمت في بلادٍ بعيدة. كانوا يعتمدون على نوعٍ معينٍ من التربة، وكمياتٍ محددةٍ من المياه."

"حقاً؟" قال خالد. "وهل تتذكرين تفاصيل ذلك؟"

"أظن أنني إذا بحثتُ جيداً في مكتبة جدتي، سأجد الكتاب." أجابت.

كان خالد يشعر بإعجابٍ متزايدٍ بها. كانت معرفتها واسعة، وقدرتها على ربط المعلومات مذهلة. ولكن في الوقت نفسه، كان يشعر بأن هناك ألغازاً تحيط بها.

"يا مريم،" قال خالد، بعد لحظةٍ من التفكير. "شعرتُ بأنكِ تحملين الكثير من الأسرار. هل هناك شيءٌ تودين أن تخبريني به؟ أي شيءٍ قد يساعدني على فهمكِ بشكلٍ أفضل؟"

نظرت إليه مريم، وفي عينيها بريقٌ غامض. "كل إنسانٍ يحمل أسراره، يا أمير خالد. ولكن أسراري ليست سيئة. إنها مجرد قصصٌ من الماضي، أحاول أن أفهمها وأتعايش معها."

"وأنا مستعدٌ لأن أسمعها." قال خالد، بصدق. "إذا كنتِ ترينني كشريكٍ محتمل، فأنا أريد أن أكون بجانبك، لا فقط في الحاضر، بل حتى في فهم ماضيك."

ابتسمت مريم ابتسامةً ضعيفة. "أقدر لكَ هذا. سأفكر في الأمر. ولكن تذكر، الأمور تأخذ وقتها."

عاد خالد إلى غرفته، وهو يشعر بأن هذه العلاقة مع مريم ستكون أكثر تعقيداً مما توقع. كانت أشباح الماضي تلقي بظلالها على حلم المستقبل، وكان عليه أن يواجه كل ذلك، خطوةً بخطوة، ليحمي قلبه، وليبني مستقبلاً قوياً، مستقبلاً يجمع بين الحب، والاحترام، والحكمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%