قلب الأمير
عبق الياسمين وعتمة الماضي
بقلم فاطمة النجار
تسلل خيط نور الشمس الذهبي من بين ستائر النافذة الوارفة، ليبدد ظلال الغرفة ويوقظ الأميرة هيا من سباتها العميق. استيقظت وقلبها ينبض بإيقاع متناقض، مزيج من السعادة الخجولة والخوف المتربص. لم يمضِ يوم واحد على لقائها الأول بالأمير فهد، ومع ذلك، بدت صورته محفورة في ذاكرتها كوشم أثيري. ابتسامته الواسعة، وطريقة حديثه الرصينة، وعيناه اللتان تحملان بريقاً من الحكمة والطيبة، كل ذلك ترك بصمة لا تُمحى.
نهضت هيا، وقد تساقط شعرها الداكن كشلال حريري على كتفيها. ارتدت ثوباً فضفاضاً من القطن الناعم، وأسبلت عباءتها المطرّزة بدقة، ثم انصرفت إلى شرفة القصر المطلة على الحديقة الغنّاء. كان عبق الياسمين يملأ الهواء، ممزوجاً بنسيم خفيف يحمل معه همسات الأشجار. جلست على مقعد رخامي بارد، تستنشق تلك الرائحة العطرة، وتتأمل الزهور المتفتحة.
لكن حتى في هذا الجمال البهي، كان هناك ظل خفي. ظل من ماضٍ لم تستطع نسيانه، وظل من ضعف عرفته في نفسها. تذكرت حديث جدتها، السيدة الفاضلة، عن أهمية العفاف والصلاح، وعن ضرورة أن تكون المرأة الصالحة درعاً لبيتها وزوجها. كانت هيا تحاول جاهدة أن تكون كذلك، لكنها كانت تخشى ألا تكون كافية.
فبينما كان حديث الأمير فهد مريحاً ومبهجاً، شعرت هيا بأنه يحمل أبعاداً لم تستطع تفسيرها. كان يتحدث عن المستقبل، وعن رؤيته للدولة، وعن طموحاته، لكنها في عينيه رأت ما هو أعمق، شيئاً من الاضطراب، شيئاً من الأرق. هل كانت تتخيل؟ أم أن هذا الرجل الذي يبدو كاملاً من الخارج، يخفي في داخله معركة لا تقل عن معاركها؟
في مكان آخر من المدينة، داخل صومعة فاخرة، كان الأمير فهد يقف أمام مرآة كبيرة. لم يكن يرى انعكاسه، بل كان يرى شبحاً. شبح رجل يقف على حافة الهاوية، يصارع رغباته وسيطرتها عليه. كانت رائحة الدخان الخفيف، الذي خنقته عباءته الملقاة على الأريكة، لا تزال عالقة في المكان. لم يكن الأمر إدماناً بالمعنى المادي فحسب، بل كان إدماناً على الهروب، على النسيان، على سحق الألم في دوامة من التخدير المؤقت.
لقد حاول مراراً وتكراراً التوقف. في كل مرة كان يعد نفسه، في كل مرة كان يقسم. لكن سرعان ما كانت تعود تلك اللحظات الفارغة، تلك الضغوطات التي لا تحتمل، تلك الذكريات التي تنهش روحه، تدفعه مرة أخرى إلى ذلك الملاذ المظلم. كان يعلم أن هذا الطريق لا يؤدي إلا إلى الدمار، لكنه كان يشعر بالعجز أمام جاذبيته القاتلة.
تذكر كيف بدأ الأمر. كان شاباً يافعاً، مليئاً بالأحلام والطموحات، لكنه تعرض لصدمة قاسية، صدمة كادت أن تفتك بروحه. في لحظة ضعف، في لحظة يأس، وجد في ذلك الملاذ غايته. بدأ كرفيق، ثم أصبح سيداً، والآن، أصبح هو العبد.
في الأيام التي سبقت لقاءه بـ "هيا"، كان قد عاهد نفسه مرة أخرى. لقد رأى فيها نوراً، أملاً، شيئاً نقياً لمسته روحه المتعبة. لقد رأى فيها فرصة للخلاص. كانت تلك النظرات البريئة، والابتسامة الصادقة، والروح النقية، وكأنها دعوة له لتغيير مساره. لهذا السبب، عندما قابلها، شعر برغبة عارمة في أن يظهر لها أفضل ما لديه، أن يبني جسراً من الثقة والأمان.
لكن بمجرد أن ابتعد عن بصرها، بدأت المعركة تعود. كانت الوحدة تنهشه، والشعور بالذنب يخنقه. تذكر كلمة قالتها له هيا: "إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على السيطرة على الذات". ارتجفت روحه من تلك الكلمات. هل كانت حقاً لا تعلم؟ هل كانت ترى فيه صورة لم يعد هو نفسه؟
نظر إلى انعكاسه مرة أخرى، رأى التعب بادياً على وجهه، وسواداً تحت عينيه. شعر بالغثيان. كيف له أن يتقدم نحو زواج، نحو بناء أسرة، وهو لا يزال أسيراً لتلك العتمة؟ كيف له أن يقدم هذه الحياة لابنة ملك، وهي تستحق الأفضل، تستحق رجلاً كاملاً، خالياً من الشوائب؟
خرج من الصومعة، وتوجه نحو الحديقة الداخلية للقصر. الهواء كان منعشاً، ولكن لم يكن قادراً على غسل رائحة الندم التي لفت روحه. جلس على مقعد حجري، متأملاً نافورة ماء تنساب بهدوء. بدا له هذا الهدوء وكأنه سخرية.
فجأة، سمع صوت خطوات تقترب. لم يرفع رأسه، كان يعرف من هي. لقد أصبحت خطواتها هي الأخرى جزءاً من حياته، جزءاً مؤرقاً ومريحاً في آن واحد.
"سمو الأمير"، قالت بصوت رقيق.
رفع رأسه. كانت هيا تقف أمامه، وقد ارتسم على وجهها قلق خفيف. "هل أنت بخير؟"
ابتسم فهد ابتسامة باهتة. "نعم، يا أميرة. مجرد قليل من التأمل."
اقتربت منه جلست بجواره. "كنت أتساءل عنك. قلت إنك ستزور معرض الصور الخاص بوالدك اليوم."
تذكر فهد الوعد. كان قد وعدها بذلك. كان لقاءً سيفتح لها أبواباً لفهم عائلته، لعائلته التي ستصبح جزءاً منها. لكنه شعر بشيء من التردد. هل كان مستعداً لمواجهة تلك الصور؟ هل كان مستعداً لمواجهة ذكرياته؟
"نعم، لقد نسيت ذلك." قال فهد، متجنباً النظر في عينيها. "لكنني أفضل أن أقضي بعض الوقت هنا. الجو عليل."
نظرت إليه هيا بتساؤل، ثم أومأت برأسها. "بالطبع. سأبقى معك."
جلسا في صمت لبضع دقائق. كان الصمت مريحاً بينهما، ولكن في داخله، كان الأمير فهد يعصف به صراع داخلي عنيف. رغبته في أن يكون رجلاً صالحاً لهيا، ورغبته الجامحة في الهروب من واقعه. كيف يمكنه التوفيق بين الأمرين؟
"يا أميرة هيا"، بدأ فهد فجأة، بصوت هادئ ولكنه يحمل ثقلاً. "هل تؤمنين بالفرص الثانية؟"
نظرت إليه هيا، وقد اتسعت عيناها بفضول. "أؤمن بأن الله يمنحنا دائماً فرصاً للتوبة والتغيير، يا سمو الأمير. لكن الفرصة الثانية لا تأتي إلا بالجهد والمثابرة."
فكر فهد في كلماتها. "وإذا كان الشخص قد أخطأ كثيراً؟ وإذا كانت أخطاؤه قد جرحت آخرين؟"
تنهدت هيا بصوت خافت. "الندم هو بداية الطريق، يا سمو الأمير. ولكن العمل والتكفير هما ما يجعلان الطريق مكتملًا. يجب أن نواجه ماضينا، وأن نتعلم منه، وأن نختار بوعي الطريق الصحيح في حاضرنا ومستقبلنا."
كانت كلماتها بسيطة، لكنها حملت حكمة عميقة. كانت تصف حالته تماماً. لقد أخطأ، لقد جرح نفسه وربما آخرين. لكنه الآن يشعر بالندم، ويشعر بالرغبة في التغيير. هل كان لديه الشجاعة الكافية لمواجهة ماضيه؟ هل كان لديه القوة الكافية للتغيير؟
وقف الأمير فهد فجأة. "عليّ الذهاب الآن، يا أميرة هيا."
نظرت إليه هيا بأسف. "هل أنت متأكد؟"
"نعم. ولكنني سأعود. ووعدي بمعرض الصور لا يزال قائماً." قال فهد، وبدأ بالابتعاد.
شاهدته هيا وهو يبتعد، وقد شعرت بأن شيئاً ما قد تغير. كان هناك نوع من الحزم في خطواته، ولكنه كان أيضاً حزناً عميقاً لم تستطع فهمه. أدركت أن العلاقة بينهما، التي بدأت بنور الأمل، تحمل في طياتها تعقيدات لم تكن تتوقعها. هل كانت على وشك الغوص في عالم رجل يخفي أسراراً مظلمة؟
وقفت هيا، تستنشق عبق الياسمين مرة أخرى. كانت رائحة جميلة، ولكنها الآن تحمل معها أيضاً نكهة القلق.