الفصل 6 / 25

قلب الأمير

بين ظلال الذكريات وأشعة الأمل

بقلم فاطمة النجار

عاد الأمير فهد إلى محرابه الخاص، تلك الغرفة التي كانت شاهدة على لياليه الطوال المليئة بالسهر والقلق. لم يكن مجرد سهر، بل كان صراعاً مستمراً مع نفسه، مع شياطينه الداخلية. كانت كلمات الأميرة هيا ترن في أذنيه كهمسات ملاك، دعوة مستمرة للخير والصلاح. ولكن هل كان هو أهلاً لتلك الدعوة؟

جلس على مقعد مخملي، وأخرج من جيب سترته قارورة صغيرة داكنة. كان مجرد النظر إليها يثير في نفسه مزيجاً من الارتياح والتأنيب. فتحها ببطء، واستنشق منها ذلك العبق الذي طالما بحث فيه عن مخرج، عن نسيان.

"لا"، قال بصوت خافت، وبدأ بغلق القارورة. "هذه المرة، الأمر مختلف."

كانت كلماته أشبه بوعد لنفسه، صرخة مكتومة ضد سيطرة تلك العادة التي نخرت في روحه لسنوات. لقد رأى في هيا ما لم يره في أحد من قبل. رأى فيها نقاءً، رأى فيها براءة، رأى فيها إمكانية لحياة لم يعد يظن أنها ممكنة. هذه الإمكانية، هذا الأمل، كانا أقوى من أي إغراء.

تذكر اللحظات الأولى للقائهما. عندما دخلت الغرفة، قد شعر بأن النور قد انتشر في المكان. لم تكن مجرد جميلة، بل كانت تحمل طاقة إيجابية، هالة من الصفاء. حديثها المباشر، أسئلتها البسيطة، ضحكتها الخفيفة، كل ذلك كان كبلسماً لروحه المتعبة.

لكن كيف له أن يشرح لها؟ كيف له أن يخبرها عن هذا الظلام الذي يعيشه؟ كيف له أن يطلب منها أن تكون شريكة حياته، وهو لا يزال في معركة مستمرة مع نفسه؟ كان الخوف يسيطر عليه. الخوف من فقدانها، الخوف من خذلانها، الخوف من أن يكشف لها عن وجهه الحقيقي، فيتحول كل شيء إلى رماد.

"عليّ أن أتخلص من هذا"، قال لنفسه، وهو يضع القارورة في درج المكتب. "يجب أن أكون رجلاً يستحقها."

نهض من مكانه، وتوجه نحو نافذة الغرفة. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، تلون السماء بألوان برتقالية ووردية. تذكر والده، الملك الراحل، الذي كان دائماً مثالاً للقوة والنزاهة. لقد كان مثالاً يحتذى به، ولكن فهد شعر دائماً بأنه لا يرقى لمستواه.

"لم أكن جيداً كفاية"، همس فهد. "لم أكن قوياً كفاية."

كانت هذه الكلمات تتردد في عقله باستمرار. لقد كان يشعر دائماً بالضغط، بضرورة أن يكون مثالياً، أن يكون الملك الذي يريده الجميع. هذا الضغط، بالإضافة إلى تلك الصدمة التي تعرض لها في شبابه، دفعته نحو الهاوية.

لكن هيا، هيا كانت مختلفة. لم تكن تبحث عن الكمال، بل كانت تبحث عن الصدق. كانت كلماتها عن "الفرص الثانية" و"المثابرة" ليست مجرد كلمات، بل كانت انعكاساً لروحها. ربما، ربما كانت هي المفتاح.

قرر فهد أن يذهب إلى المعرض. لم يكن الأمر مجرد وعد، بل كان حاجة. حاجة لرؤية صور والده، ولتذكر من أين أتى. ربما يستمد منها القوة.

توجه إلى الجناح المخصص للصور الملكية. كان المكان هادئاً، مليئاً بذكريات الماضي. على الجدران، كانت صور الملك الراحل تبتسم له. صور وهو شاب، صور وهو يمارس مهامه، صور وهو مع عائلته.

وقف فهد أمام صورة لوالده وهو يمسك بيديه بيد طفل صغير. كان الطفل هو فهد نفسه، في عمر الخامسة. ابتسم فهد بتأثر. كان يتذكر تلك اللحظة. كان والده قد اصطحبه في رحلة استكشافية، وعلمه عن تاريخ العائلة، وعن مسؤوليات الحكم.

"كنت أتمنى أن تكون فخوراً بي الآن، يا أبي"، قال فهد بصوت متهدج.

ثم استمر في التجول بين الصور. رأى صوراً لوالدته، الملكة العظيمة، التي كانت مثالاً للرقة والقوة. رأى صوراً لأجداده، الذين بنوا هذه المملكة على أسس متينة.

ولكن بين كل هذه الصور المشرقة، كانت هناك صورة واحدة تثير في نفسه شعوراً بالضيق. كانت صورة لجده الأكبر، السلطان سليمان، الذي حكم بقبضة من حديد. كان يمتلك سمعة بالصرامة والقسوة، ولكن أيضاً بالحكمة والقوة.

"لقد كنت قوياً، يا جدي"، همس فهد. "ولكن هل كانت قوتك في القسوة أم في العدل؟"

وصل إلى زاوية أخرى من القاعة، حيث توجد صور أقل رسمية. صور للعائلة في مناسبات خاصة. رأى صورة لوالده وهو يضحك مع أشقائه. ورأى صورة لجده وهو يلعب مع أحفاده.

فجأة، توقف أمام صورة بالية، التقطت في مناسبة عائلية قديمة. كان فيها والده، وهو في منتصف العمر، يقف بجانب رجل يبدو غريباً، يرتدي ملابس غير رسمية، ويبدو عليه أنه يتحدث إلى الملك بجدية. كانت ملامح ذلك الرجل غير واضحة، ولكن فهد شعر بشيء من الغرابة نحوه.

"من هذا الرجل؟" تساءل فهد.

لم يكن يعرف. لم يسمع عن هذا الرجل من قبل. ولكن الصورة، والطريقة التي كان يتحدث بها مع والده، أثارت فضوله.

أخذ فهد صورة أخرى، كانت صورة عائلية كبيرة، التقطت في يوم احتفال بالملك. كان جميع أفراد العائلة حاضرين، ولكن فهد لاحظ أن شخصاً ما قد تم استبعاده، أو بالأحرى، تم اقتصاص جزء من الصورة، وكأن هناك شخصاً ما قد أريد محوه من ذاكرة العائلة.

بدأ فهد يشعر بشيء من الريبة. كانت هناك ألغاز لا يعرفها. هناك أسرار تخفيها عائلته. هل كان لهذه الأسرار علاقة بحالته؟ هل كان هناك ماضٍ مظلم يؤثر على حاضره؟

عاد ببصره إلى صورة والده وهو طفل. هل كان والده يعلم عن هذه الأسرار؟ هل كان يعاني منها؟

خرج فهد من المعرض، وقد حمل معه ثقلاً جديداً. لم يعد الأمر مجرد صراع مع عاداته السيئة، بل أصبح صراعاً مع ماضٍ غامض.

"يجب أن أعرف الحقيقة"، قال لنفسه. "يجب أن أفهم."

عاد إلى مكتبه، وأخرج القارورة مرة أخرى. نظر إليها بتصميم. "لا. لن أستسلم مرة أخرى."

فتح حاسوبه، وبدأ يبحث عن سجلات قديمة، عن وثائق عائلية. كان يعلم أن الأمر سيكون صعباً، ولكنه كان مصمماً. كان مصمماً على العثور على إجابات، وعلى التحرر من قيود الماضي.

لم يكن يعلم أن هذا القرار سيقوده إلى متاهة أعمق، وأنه سيواجه ألغازاً أكبر مما كان يتخيل. ولكن، في هذه اللحظة، كان هناك خيط من الأمل ينسج نفسه في قلبه. خيط الأمل الذي زرعته فيه الأميرة هيا، والذي دفعه ليواجه ماضيه، ويختار مستقبله.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%